حميد عقبي: فيلم “بابيشا” للمخرجة مونية مدور..تخبطات السيناريو وغياب الرؤية الإخراجية

حميد عقبي

ربما لا يصنف فيلم “بابيشا” للمخرجة مونية مدور، بالفيلم الجزائري وينسب إلى فرنسا، بلجيكا وقطر حيث وجد دعما من مؤوسسات بهذه البلدان، كما أنه لم يعرض بالجزائر، تبدو الخلاصات الخبرية مغرية وكذلك شارك الفيلم في مسابقة “نظرة ما” في النسخة الـ72 لمهرجان كان السينمائي 2019 وحصد على سمعة لا بأس بها ولعل المخرجة مندور حاولت أن تصنع فيلمها الأول حول قضية شابات جزائريات بفترة العشرية السوداء وكيف قاومت النساء التمرد ورفعن شعارات الحرية، لكننا عندما نشاهد فيلمها قد لا نشعر بهذا ويبدو الوصف والمديح الصحفي الذي ينشر كأنه يتحدث عن فيلم آخر.

عدم وجود حكاية مترابطة ليست عيبا في السينما، هنالك أفلام قد نرى تدميرا متعمدا للبنية الحكائية المنطقية وقد يجنح المخرج أو المخرجة للصورة السينمائية أو يخلق للأمكنة دلالات أكثر من الشخصيات بمعنى تتعدد الأساليب ولكننا هنا لا نكاد نقف على حكاية ولا أسلوب ولم يستطيع الفيلم أن يقدم حتى شخصية نجمة أي البطلة حيث نرى ضعفا وتشتتا وزجا بها بعناصر أيدلوجية ثم اجتماعية وتركيزا قد يصل للصورة الإيروتيكية من حيث تقدمة الجسد الأنثوي في قوالب هشة فقدت معانيها الجمالية.

كوكتيل يفتقد لمذاق خاص وفلسفة خاصة

 

المقدمة يمكن أن نقول أنها مغرية للمنتج الفرنسي والأوروبي حيث تتسلل نجمة وصديقتها من المسكن الجامعي إلى الشارع ونسمع صوت الاذان ثم الصلاة وفي السيارة نراهما تخلعان وتلبسان ملابس سهرة مغرية، مثل هذه المشهد نراه مكررا في أفلام مغربية وتونسية كثيرة ويظل صوت الصلاة كخلفية دون أن نفهم ما الذي تريده المخرجة، حتى الاذان فيه أخطاء حيث نسمع (الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن محمد رسول الله)، الجزائر بلدا عربيا مسلما والصلاة والنداء لها ضمن المظاهر المسموعة بأغلب بلدننا العربية وليست دلالة على الإرهاب.

كان من الممكن أن تكون الحكاية بأسلوب أكثر وضوحا وسهولة أي مجموعة فتيات يرفضن الضغوط والمظاهر الشكلية ويرغبن بالحياة والفرح كتعبير لرفض الإرهاب والموت ومقارعته بالصداقة والحب، فكرة عرض أزياء نجمة كانت جيدة وهي لم تظهر من البداية، سقوط اخت نجمة قتيلة بيد الإرهاب كنقطة تحول مهمة وتلتها مشاهد التكفين لغرض إستجرار مشاعرنا، لكن مشهد البحث عن نبتة البنجر الأحمر وطريقة البحث كانت غريبة وغير مفهومة حركة نجمة التي بدت كمتوحشة وتسف التراب وتقضم النبتة ثم نفهم بعد ذلك تلوين الحايك، تخبطات السيناريو منذ البداية إلى النهاية وفشله في معالجة الفكرة ورسم الشخصيات أصابت الفيلم بمقتل.

لسنا بصدد محاسبة قاسية للمخرجة وهذا عملها الأول ولكن لابد من نقاش حول بعض الأفكار المكررة في بعض الأفلام التي تنتج خصيصا للمهرجانات وللدعم الأجنبي وهنا نلاحظ أن هذه النوعية تختصر الحرية في الحرية الجنسية للأناث فقطا وكذلك التعري المجاني والحوارات البذيئة والسخرية من مظاهر دينية يومية عادية كصوت نداء الصلاة مثلا، ما نشاهده في فيلم بابيشا يكاد جمع من كل بحر غرفة، مشاهد شبيهه لفيلم الزين لي فيك للمغربي نبيل عيوش وأخرى تشابه من أفلام المخرج التونسي عبداللطيف كشيش وأخرى من هنا وهناك، كأننا مع كوكتيل يفتقد لمذاق خاص وفلسفة خاصة.

قصور الرؤية الإخراجية هدمت الكثير من الجماليات

الخزينة الثقافية والأدبية الجزائرية عن عهد ظلمة العشرية السوداء تكاد تكون ثرية بقصص وأحداث كبيرة وماتزال الكتابات تتدفق وبعضها يستحق فعلا تجسيدها سينمائيا لعمقها الإنساني، فكرة الحايك في فيلم بابيشا وتحويله لمادة جمالية تبدو مبهرة ولكن المعالجة وقصور الرؤية الإخراجية هدمت الكثير من الجماليات، في مشهد الأم مع بنتيها وهي تشرح كيفية لبس الحايك ودلالات كل طريقة توحي كأن الشابات لا يعرفن الحايك، كأنهن جئنا من خارج هذا المجتمع ومنفصلات عن ثقافة وواقع مجتمعهن، المبالغة بعدم الإحتشام في الملبس كدلالة رفض الإرهاب لم تكن نابعة من فهم وتحليل واضح لما حدث، إلى يومنا هذا أغلب مجتمعاتنا العربية والكثير من المجتمعات ترفض التعري الرخيص والملبس الفاضح فهل نحكم عليها بصفة الإرهاب؟

شخصيا أعشق الإيروتيكية وتصوير الجسد الأنثوي وإثارة دلالات تشكيلية وفنية وفلسفية ولكننا هنا بهذا الفيلم الذي تعمد نسخ ولصق أساليب سابقة بحيث غابت لمسة ومشاركة المخرجة ولولا جهد الممثلات حيث بطلات الفيلم أنقذن ما يمكن إنقاذه ولم تكن الكاميرا في بعض الأحيان تشعر بهن بقوة مما أيضا شتت الكثير من هذا الجهد، لكل جسد ووجه رونقه وجمالياته وكان ممكن خلق كيمياء أكثر جمالية بعيدا عن السرد ومسارات الحكاية وتعامل خاص مع حالات الخوف والشك والرعب والحلم والرغبات الإنسانية لكن كل هذا لم يحدث وشاب الإرتباك فزاد الضعف وطمست عدة لحظات جميلة.

في حديث للمخرجة مدور لفرنس 24 وضحت أن الفيلم يستند لواقع عاشته عندما كانت طالبة صحافة وتسكن بسكن جامعي وأضافت عرض الأزياء لمنح فيلمها الرقة والجمال والأنوثة، ثم شرحت عن أهمية الحايك وما لعبه في فترة النضال ضد الاستعمار ولونه الأبيض ضد قتامة السواد، كما ذكرت أن الإعداد والتحضير استمر لست سنوات وتم خلالها العمل مع الممثلات، كما أنها أكدت أنها ركزت على المرأة المغاربية، حيث حاولت أن تكرمها ونجمة نموذجا قديما حديثا..يبدو كلامها جميلا لكنها للآسف لم تحقق ربع ما تحكيه بعد إنجاز الفيلم.

السينما المغاربية .. تكرار الكليشهات

السينما المغاربية تعاني من تكرار الكليشهات طمعا بالمشاركات بمهرجانات أوروبية وقبل ذلك الدعم الإنتاجي لمواضيع تكرر نفسها ومضامينها وتنستنخ نفسها وقد نستثني بعض التجارب التونسية التي ترتكز على جماليات أكثر عمقا وتتميز بحوارات جذابة تستخدم اللهجة التونسية بينما تميل بقية التجارب في الجزائر والمغرب إلى الإرتكاز على اللغة الفرنسية وتعطيها أهمية خاصة وحضورا قويا وتخلطها بكلمات عامية حتى في الحوارات داخل اطار الأسرة، كما سنجد أصحاب هذه التجارب يتحدثون عنها فقط بالفرنسية مع قنوات عربية مبررين أنهم أكثر قدرة على التعبير بالفرنسية وبعضهم يحبذ أن يشار إليه بانه بالفرنسي وأنه يحمل الجنسية الفرنسية كأنها ميزة فنية ولا يخفون أن نظرتهم وثقافتهم وعاداتهم وهويتهم غربية ثم يقولون نحن نعبر عن واقع مجتماعتنا المؤلم وكأن السعادة والتقدم فقط في مظهر التعري الرخيص الذي يبدو مخالفا وبعيد كثيرا عن الواقع الحقيقي المعاش.

المنتج الغربي والفرنسي

هنالك مئات القصص التي تفوق الأسطورة لنضالات المرأة الجزائرية في حقبة الإستعمار الفرنسي للجزائر ومقاومتها البطولية وكذلك في الحقبة العشرية المرعبة ومدى تمسكها بالأرض والوطن والشرف فهي أيقونة في كل مراحل تاريخ الجزائر العريق ولكن المنتج الغربي والفرنسي خاصة يميل إلى المشاريع التي تُظهر قضايا ثانوية كالتحرر من المنظور الغربي وتقديم صورة مشوهة للجزائر الحرة وترسيخ أن الفكر الشبابي يقدس كل ما هو فرنسي من كلام وملبس وسخرية من بعض المظاهر الحياتية مما يعطي صورة أن الجزائر بعهد الإستعمار كانت أفضل وأكثر حرية وحضارة ومن المستحيل أن يدعم المركز الوطني السينمائي الفرنسي وغيره مشروعا يدين بصدق وحشية الإستعمار وما خلفه من مآسي وكثيرة مغريات المنظومة السينمائية الفرنسية والتي نجحت بدعم عشرات الأفلام الجزائرية بهدف خلق تشويهات وأفلام تثير الجدل بمواضيع الجنس والعنف.

لينا خودري

رغم ما ذكرنا من ملاحظات وما كٌتب عن الفيلم من سلبيات إلا أنه يظل جهدا للمخرجة مونية مدور وربما تنجح بخوض تجربة ثانية تكون أكثر نضجا وفنية وتستحق الممثلات تحية تشجيعية وخاصة بطلته لينا خودري والتي حصدت جائزة أفضل ممثلة “سيزار” في طبعتها الـ45 لعام 2020، تحتاج لينا أن تشق طريقها وألا تقع في ما وقعت فيه ممثلات مغاربيات حصدن نفس الجائزة في دورات سابقة ثم خضن تجارب لاحقة فاشلة فبهتت نجوميتهم أو تحولن للدعاية والموضة أو إلى تجارب رخيصة ولم يعد أحدا يذكرهن.

* سينمائي وكاتب يمني مقيم بفرنسا

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. اصبت ايها الناقد .
    فيلم مربك يسوق لصورة نمطية بطريقة غربية .
    لا هو نفعي لا ترفيهي فيلم لاجل الفيلم او كما قال الكاتب هو فقط تذكرة دخول المسابقات و المهرجانات في فرنسا.
    2.5 من 20

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here