حميد عقبي: سينما جان كوكتو.. كسر المألوف وتجاوز الواقع لخلق الدهشة الشعرية

 حميد عقبي

جان كوكتو أصبح أسطورة شعرية و سينمائية، أعماله و إبداعاته الفنية خالدة، ليس باعتماده على صور جميلة حساسة، بل ببحثه الدائم عن الروح الانسانية وزجها لخوض معركة ضد المادية، تنتصر الروح عندما تتخلص من الواقع السطحي و تدرك عالم الحلم، كونه هو عالم الحقيقة و الخلود. كوكتو لا يقدم عالما أسطوريا قديما، بل يعرض بكل بساطة عالمه الأسطوري الخاص، يمزج بين الأساطير القديمة و أساطيره الذاتية ممزوجة بقلقه و هواجسه كإنسان و شاعر.

 هناك أمور أخرى مهمة في سينما كوكتو، أهمها صورة الموت و دلالته، الموت بالنسبة إلى هذا الشاعر صديق قام باكتشافه مبكرًا عندما انتحر أبوه وهو شاب صغير، الموت اختطف أعز أصدقائه و أحبابه، إتجه كوكتو للأفيون في شبابه كي يتغلب على حزنه و خوفه من الموت، وكي يدرك ماهية الحلم و العالم الميتافيزيقي و الروحي، أصبح الشاعر لا يخاف من الموت بل يعشقه ؛ ينتظره، يلتصق به، و يتحداه في بعض الأحيان. يقدم كوكتو أيضا صورة الملاك ليس كونه مؤمنا بالله، بل يستغل صورة الملاك لطرح أسئلة و اثارة الجدل حول الدين و الجنس و الواقع السياسي و الاجتماعي.

في خلال هذه الدراسة سنتوقف أمام ثلاثة أفلام جان كوكتو هي: دم شاعر، أورفي وفيلم الجميلة والوحش، سنحاول لمس الجانب الجمالي، باعتبار السينما نشاطا و إبداعا شعريا بالنسبة إلى هذا المخرج من أجل الاضاءة و التعرف أكثر إلى مصطلح السينما الشعرية. نجد من واجبنا نشر مثل هذه الموضوعات و نرحب بأي رأي آخر. ما نوده فتح باب النقاش الفني، نجد اليوم الكثير من الشباب السينمائي العربي لديهم شغف لمصطلح السينما الشعرية و البعض يطلق على محاولته اسم فيلم شعري، لكن أغلب هذه التوصيفات لا يعتمد على قاعدة معرفية أكاديمية و فنية، الأساس المعرفي مهم جداً لتطوير الابداع، فالسينما ليست مجرد ترفيه، هي فكر، علم، فن و إبداع. في فيلمه الاول “دم شاعر” من المشهد الاول يقودنا المخرج الى عالم اللاوعي، الى عالم الحلم، ابتعد المخرج عن الايقاع السريع، كوكتو لا يسمح للصورة السينمائية بالتدفق السريع كي لا ينتج معنى واحداً محدداً. هو لا يريد عرض حدث درامي، هو يقودنا من منطقة الى أخرى، كل منطقة أو دائرة أشبه بمنطقة ألغام، هو عالم شاعر عبثي في حالة كتلك الحالة التي يعيشها الشخص تحت تأثير الأفيون، نرى ذلك بالتغيير المفاجئ للديكور، عالم غير مرئي، خارج لعبة و قوانين المنطق، حركة الأشياء تأخذ شكلا تشكيليًا غامضًا، الفن من وجهة نظر كوكتو يأتي من العناصر الذكورية و الأنثوية التي نركبها، الفن ابحار في الذات، في المشهد الاول من “دم شاعر” يظهر فنان شاب في حالة غير عادية في حالة ممارسة جنون فني، في حالة من الوحدة و العزلة عن الاخرين. يظهر الشاعر في مكان مغلق معزول نصفه العلوي عارٍ، يتحد مع عالم الخيال، ترى أن الشفاه التي رسمها تتحدث، تلتصق بيده، يقوم بإلصاقها بتمثال لامرأة، التي تقوم بإغرائه للدخول الى المرآة، يحطم الشاعر هذا التمثال و كأنه يريد الاحتفاظ لنفسه بهذا السر، يتجه الشاعر نحو المرآة، يتلمسها ثم تبتلعه هذه المرآة، هي بوابة الحلم، نراه يسير بحذر في ممر فندق فيه عدة غرف، كل غرفة، كل غرفة هي حلقة جزء هي من مسلسل ذكريات الشاعر، لكنه يعرضها بأسلوب مبهم وغير مباشر، كل صورة لا يمكن القبض على معنى أو مفهوم لها، المخرج يمارس نوعاً من السحر، نوعا يختلف عن مجرد خلق صورة سينمائية، هنا يمارس رغبة و لذة في الهذيان. من أول لقطة لهذا الفيلم نلاحظ ولع جون كوكتو بالجسد الانساني و استخدامه كاستعارة، هنا الشفاه أو الفم الذي رسمه الفنان هو نتاج فني. هذا الالتصاق بين هذا الفم و جسد الفنان، هنا الالتصاق بين الخيالي و المادي، هنا يصبح الفنان جزأ من هذا العالم و ليس مجرد ناقل له، بل هنا أشبه بالذوبان، أو اتحاد لا فكاك منه.

الكثير من السينمائيين عند الانتقال من الواقع لعالم الحلم يستخدمون الفلاش باك، هذا الأسلوب يعني الاعتراف بالحدود بين الواقع و الخيال، عالم كوكتو يختفي تماما، الخيال و الحلم بالنسة إليه هو الحقيقة، الواقع شيء هامشي، السينما بالنسبة إليه أداة توثيق لكل ما هو خيالي و ميتافيزيقي، السينما متعة شعرية لاكتشاف العالم المطلق الذي لا حدود له. في فيلم “دم شاعر” و بقية أفلامه يستخدم المخرج المرآة و هي شيء مقدس، هي ليست مادة مصنوعة من الزجاج، هي بوابة لمغادرة الواقع و التحرر منه، هي مادة مائعة أشبه بالماء لا لون لها، هي شيء مغرٍ يقود الشخصية الى العالم الاخر، هي أشبه بسطح بحيرة ماء يرى الفنان حقيقته بواسطتها، ويرى من خلالها وجه الموت أو الملائكة.

كوكتو لا يقدم الخيال في قالب محدود و جاهز، يصبح هذا العالم أكثر غرابة، أكثر تعقيدا، مثيراً،مدهشاً، و مرعباً، يسخر المخرج من هشاشة و بؤس الواقع بهذا التجاوز، الصورة السينمائية عند كوكتو تولد شابة ثم تكبر و يزداد جمالها و غرابتها. السينما ليست أداة للوقوف و عرض الواقع هي تعرض الشعر و الشعر فقط بكل عنفوانه المجنون، تنطلق بحرية، تسرع بالركض في الفضاء الاسطوري، كل صورة ذات قيمة أسطورية، يعود أصلها الى ذكريات الشاعر، كونه يعتبر ذكرياته هي المصدر الأساسي لابداعه الفني و الشعري، يربط كوكتو بين هذه الصور مستخدماً قانون الصدفة و ليس المنطق او الأسلوب الأدبي.

 الصورة السينمائية تحليق و تعمق مع الزمن و بداخله، لذلك يلتزم المخرج بالصمت في أحيان كثيرة. الصمت ليس غياب الصوت، الصمت انتصار للصورة، عندما نقول الصورة سفر في الزمن لا يعني هذا زمنا محدودا، هي تبحر في كل الازمنة، الزمن بالنسبة إلى كوكتو هو الخيط الذي يربطنا بعالمه الماضي أي عالم الذكريات. تناول المخرج لحكاية أو أسطورة مثل أسطورة أورفي أو غيرها يؤدي بنا ايضاً الى عالم كوكتو الفنتازي لكن من باب اخر غير مباشر، هو يتخلى و يرفض اي صورة لا ترتبط بعالمه الذاتي و الخاص.

في الكثير من الأحاديث والمناسبات يُصرح كوكتو بأن السينما ليست مهنته، السينما أداة لرسم الشعر، هي إبداع شعري مرئي بواسطة الصورة، هي آلة إبداع لكل ما هو جميل، لكل ما هو غير مرئي و ساحر، السينما و الشعر والفن ربما تعني له الحياة في حقيقتها، هي بالنسبة له العالم الوحيد الذي يشعر من خلاله بمتعة التجربة، متعة الوجود في هذا الكون. عندما يقول كوكتو:”السينما ليست مهنتي”، فهو لا يحتقر هذا الفن أو يقلل من شأنه، فمع قدوم السينما هلل الشعراء مرحّبين بعصر الصورة، فالسينما تمنحنا فرصة للاسترخاء في القاعة المظلمة، فرصة من الصمت وحده الضوء من يتحدث و يرقص، هي وسيلة للحلم، كوكتو يردد دائما بأن السينما النوم واقفاً، كوكتو يتمسك بصفة الشاعر و يعتبر كل انشطته الفنية كالسينما، المسرح، الاوبرا، والرسم كلها أساليب لكتابة الشعر، الشعر هو أقدم و أرقى أنواع الفنون، الشعر ليس مهنة أو علمًا يمكننا تعلمه و ممارسته، هو موهبة الهية تتطور بالتأكيد مع الممارسة و الثقافة و التجارب الحياتية، الشاعر حالة خاصة فريدة من نوعها، الشاعر مخلوق أكثر قرباً و احساساً بالعالم الميتافيزيقي غير المرئي. سينما كوكتو ليست الا رصيفًا لهذا العالم الساحر و المدهش، فيلمه دم شاعر يمكننا ان نقول مجرد هذيان صوري من اللاوعي لشاعر مبدع تحت تأثير الافيون. بعض النقاد يقومون بتحليل فيلم “دم شاعر” باعتباره مجرد تأثر بفيلم “كلب اندلسي” لبونويل لكن كوكتو يؤكد عدم هذا التأثر، بعض اللقطات مثل لقطة سقوط الطفل ميتاً عندما يطلق عليه أبوه النار، يسقط الطفل يخرج من فمه الدم، هذه اللقطة كثيراً ما يصفها بعض النقاد بانها بونويلية أي من بونويل، للموت في ابداعات كوكتو نكهة خاصة، هو يستمتع بعرض الجسد الميت، هذا الجسد يكون محمولاً مع خروج الدم من الفم، هذه الصورة تتكرر في أغلب أفلام كوكتو كأنها توقيع خاص، نرى هذا في فيلم “أورفي” عندما يسقط الشاب الشاعر الجميل بعد أن تصدمه دراجة نارية و تأتي ملك الموت لأخذه، الموت باللغة الفرنسية مؤنث و ليس مذكرا و سوف نستخدم لغة التأنيث عند الحديث عن الموت.

الموت هو هذه الأميرة الجميلة الساحرة التي تلبس فستانا اسود في فيلم “اورفي” يقع الشاعر في حبها، لا يحقد عليها رغم انها تنتزع منه زوجته التي تحمل ابنه، تقذف الموت بالزوجة للجحيم، ينجح اورفي بمساعدة الملاك للنزول للعالم الاخر، يستخدم القفاز الذي تركته الموت، يمر من المرآة كأنه يتجاوز شيئا أشبه بالماء، في المرة الاولى يعجز أورفي عن تجاوز أو اختراق المرآة كونه اعتبرها مجرد لوح زجاجي، لانه كان يفكر كشخص مادي، بمساعدة الملاك بعلاقة الصداقة مع الملاك السائق الخاص لسيارة الاميرة ملك الموت، بارتباط اورفي مع عناصر ميتافيزيقية، يستطيع اختراق هذا الحاجز للنزول الى جهنم و العالم الاخر، ما يحتاجه هو الخيال و الروح التي تعترف بعالم اخر، اي التخلص من المادة، في بداية سيره نحو هذا العالم يثير اسئلة عديدة: هل هؤلاء الموتى يشعرون بالحياة؟ هل هم سعداء في عالم ما بعد الموت؟ هي اسئلة ملحد، الملاك نفسه ليس لديه رد منطقي، يطلب منه الصمت و التقدم، هنا كوكتو يكشف عجز الدين عن الرد على اسئلة الشاعر، هنا الشاعر عليه ان يبحث عن الحقائق المطلقة بنفسه مستخدماً الخيال و التأمل في الأساطير باعتبارها تجارب انسانية، باعتبارها خيالات شعراء. ما يربط الشاعر بهذا الكون ليس الزوجة و الولد، الدافع الاساسي لاورفي ليس تخليص زوجته و إعادتها، الاكثر أهمية هو لقاء الموت، محاورة هذا العالم و اكتشاف سحره و غموضه، اورفي يسخر من التقاليد الحياتية لبعض الشعراء الذين يركضون وراء الجمهور و الشهرة. في احد الشوارع الباريسية يركض وراء الموت، يرفض التوقيع لمعجبات سحرهنّ بشعره، كوكتو كشاعر او سينمائي يمارس الابداع كلذة شخصية و ليس لإمتاع الاخرين، الشاعر هنا يركض وراء اللامعقول و يرفض الواقع، يحاول التخلص منه، هذا الواقع بماديته يطارد الشاعر، يقوم بإدانته يتهمه بارتكاب جريمة القتل او التستر على قاتل الشاعر الشاب الذي خطفه الموت ليستعبده و يكون احد جنوده.

هنا امور معقدة يعجز اورفي عن شرحها لاقرب المقربين مثل زوجته، ما يريد قوله كوكتو إننا في عالم مادي بحت، الروح و الخيال و العالم الميتافيزيقي أشياء أصبح من الصعب شرحها او الحديث عنها. يصبح اورفي متهماً بجريمة بشعة، مطاردا من الشرطة، جمهور الشعر يأتي يتظاهر امام بيت اورفي و يحاول البعض ايذاء الشاعر، هنا شعور بالغربة عالم الواقع عاجز عن فهم عالم الشاعر بما يحتويه من أسرار و سحر، بما يحتويه من روح، هنا يعترف كوكتو بغربته و عزلته باختلافه و انفصاله عن هذا العالم المادي البشع و العنيف. شخصيات كوكتو هي صورة للعالم الميتافزيقي الغرائبي و ليست شخصيات ذات أصول أدبية مثلاً في فيلمه “الجميلة و الوحش”الوحش في هذا الفيلم ليس شخصيه اسطورية خارقة و ليس شخصا شريرا مثل دراكولا. كوكتو قدم وجهة نظر الحادية عبر هذه الشخصية، كونها ضحية انانية و غرور الالهة، فهي من شوهت هذا المخلوق الجميل و حبسته في هذا الجسد البشع.

 من وجهه نظر الملحد الالهة خلقها الخيال البشري في العصر البدائي كي يقاوم و يستعين بها لقهر مخاطر الطبيعة، بعد ان تمكن الانسان من تطويع الطبيعة و السيطرة عليها اصبح محاصرا و مقيدا بسطوة و هيمنة الالهة التي اصبحت تتمتع بتشويه و تعذيب الانسان.

نفهم من خلال هذا الفيلم الصراع بين هذه الالهة و الانسان، ما يحتاج اليه الانسان من وجهة نظر المخرج هو الحب و معرفة ذاته كي يقهر القدر و يتمتع بالتوازن ليشعر باللذة. الوحش أيضا يجسد نوعاً من القلق و الانتظار فهو ينتظر الجميلة كي تخرجه من شكله البشع و ذلك لن يكون الا عبر الحب. اعطى كوكتو لشخصية الوحش صورة حيوانية، في الشكل و التصرفات، لكن هذه الشخصية ليست شخصيه أدبيه فهناك جوانب كثيرة غامضة. الملابس التي يرتديها تضفي عليه جانبا من الميتافيزيقية و الغموض، هذه الملابس السوداء المرصعة بالكريستال والقلائد تعكس شيئا من الجمال الساحر فبريق هذه القلائد يعكس صفاء و روعة الذات الداخلية و الروحية للشخصية، هو اشبه بليل مزين بالنجوم. اي ان علينا ان نبحر في الصورة بوعي لاكتشاف روعتها و جمالها، الصورة السينمائية لدى كوكتو تفقد شعريتها عندما تكون مباشرة و مفهومة، ليست وظيفة السينما سرد حكاية او قصة، كونها اسلوبا فنيا شعريا و ليست وسيلة حكائية مسلية او مفزعة. شخصية الوحش ليست نموذجا للشر، بل نموذج انساني قيدته ظروف و هو يبحث عن منقذ لكي يشعر بذاته و يستعيد شكله الانساني الجميل. مع تواصل الاحداث تبدأ الجميلة اكتشاف جمال هذا المخلوق، تطلب منه الذهاب لزيارة ابيها يسمح لها و يسلمها اشياء مقدسة هي المفتاح، الحصان الابيض، المرآة، و القفاز. تعود الجميلة لعالمها الاول و يظل تفكيرها مشغولاً بعالم الحلم، تتحدث عن الوحش باعجاب تدافع عنه كون الاخرين يرون انه بشع و متوحش و شيطان، اصبح عالم الوحش بالنسبة إليها العالم الحقيقي و ليس عالم الموت او الجحيم. تحاول الشخصيات الاخرى منعها من العودة لكنها تعلم ان عدم عودتها يعني موت هذا المخلوق. في فترة غياب الجميلة نرى الوحش يعاني الوحدة و الالم، يدخل غرفة الجميلة يتلمس اشياءها لعله يشعر بالراحة، هنا الالم الروحي و النفسي افظع من الالم الجسدي و هي مشكلة الانسان في هذا العصر المادي، ما يحتاج اليه الوحش هو شيء نحن جميعا بحاجة اليه، هذه الحاجة هي روح صافية، الاحساس بالحب و الامان، الخروج من الشكل البشع كي نصل للخلود اللامحدود. الجميلة في هذا الفيلم ليست جسدا انثويا جميلا، هي اشبه بملاك هي روح جميلة لديها القدرة على انقاذ روح انسانية معذبة، ترفض الزواج من افينون الشاب الجميل كجسد، لكن روح هذه الشخصية بشعة من الداخل هي النقيض لشخصية الوحش. افينون لا يرى الا الجمال الخارجي و الجسد الانثوي للجميله، بينما نرى الوحش يدرك الجمال الروحي للجميلة، هذه الاخيرة امام خيارين اختيار عالم مادي بائد او عالم الحلم الابدي و الخالد. تنتصر الروح في نهاية الفيلم بعودة الجميلة للوحش و انقاذه من سجنه الجسدي، يندثر جسد افينون، يحترق و يصبح رمادا بسبب اعتدائه على عالم الحلم، يأخذ الوحش شكل افينون يكتمل الجمال الجسدي و الروحي، يحلق الوحش الذي اصبح إنسانا مع الجميلة نحو السماء، العالم الميتافيزيقي بالنسبة إلى كوكتو ليس عالمًا واحدًا، بل عدة عوالم.

السعادة الحقيقية ليست علاقات جسدية بل علاقات روحية و فكرية، كوكتو لا يقدم درسا اخلاقيا او خطابا فكريا و فلسفيا مباشرا، كون هذا الاسلوب الخطابي يهبط بمستوى الصورة السينمائية الى الحضيض، كوكتو يخلق جدلا حول الواقع و ما فوق الواقع، حول الواقع الظاهر و العالم اللامرئي.

في هذا الفيلم يكرر المخرج تقديسه للمرآة، مع دخول الجميلة قصر الوحش، بعد دخولها غرفتها تمسك بالمرآة و التي لها وظائف متعددة بالفيلم فهي وسيلة للمعرفة بواسطتها تدرك الجميلة مرض ابيها، و بواسطتها نتعرف إلى حقيقة الشخصيات الروحية، و هي في بعض الاحيان تأخذ مكان الكاميرا لتعكس و جها بشريا او حدثا بعيدا، بالنسبة إلى كوكتو المرآة اداة مقدسة و هي وسيلة لاكتشاف الذات و العالم اللامرئي و الغيبي.

هنا بهذا الفيلم فتحة باب القصر يؤدي دور المرآة، يخلق كوكتو ايضا من الضباب في المشاهد الخارجية مرآة طبيعية، السماء مثلا نحس احيانا انها مرآة عملاقة تحيط بنا من كل جانب. المنهل الاساسي لابداع كوكتو هي حياة كوكتو الشخصية، موت و انتحار والده عندما كان عمره تسع سنوات عام 1898 ثم موت صديقه ابو لينيير ثم ماكس ياكوب وغيرهم، هذه الاحداث جعلته مرتبطا بالموت ارتباطًا وثيقًا، الموت عنصر اساسي يلعب دوراً مهماً في أي انتاج ابداعي باعتباره حقيقة و ليس وهماً، كونه يرتبط بخط حياته، كونه جزأ منها، جزأ من حزنه و ألمه، لذلك يأخذ مكان الحب و الحياة، يتغلب الفناء و الموت ليقهر الحب، ليهدده في فيلم “الجميلة و الوحش” ينتصر الحب ليعيد الحياة للوحش، ليعيد له جماله الجسدي و اخراجه من الشكل الحيواني البشع، لكن المشهد الاخير، طيران الجميلة مع الوحش الذي اصبح جميلاً، يجعلنا نشعر ان النهاية السعيدة قد لا تكون الا حلما.

 في هذا الفيلم “الجميلة و الوحش” مارس كوكتو هوايته المفضلة في التلاعب مع الظلمة و النور، مع الابيض و الاسود، هو سيد الضوء هو شاعر الغرفة المظلمة، ها هي السينما تعطيه الفرصة لممارسة الشعر و السحر مستخدماً الضوء، السينما هنا غناء و نشيد روحي ضوئي نحسه عبر العين، هنا الضباب و الدخان، الظلام يطمس جزأ كبيراً من الديكور، هذا الهدم هو من اجل اِثارة خيال المتفرج، كوكتو لا يقدم شرحاً وافياً للعالم اللامرئي، هو يلفت وجهة نظرنا ثم يبتعد كي نركض وراء الحلم. نحن في سينما جان كوكتو أمام لعبة مع الاستعارات، كوكتو يعشق الرجوع بنا للزمن الأسطوري اليوناني في أغلب اعماله، هو يمارس هذا الاجراء كونها شهوة لذيذة لكشف بشاعة حداثة هذا العصر المادي، المسألة ليست هروبا من هذا الواقع بالعكس هي رؤية حقيقية له، هي رؤية تحليلية اجتماعية و سياسية و نفسية. في الفيلم الاول “دم شاعر” الصورة السينمائية وظيفتها الافصاح عن الهواجس الاسطورية للشاعر، في فيلم” اورفي” عرض للسيرة الذاتية مباشرة بنقلها على جناح الاسطورة، مشهد سير اورفي في الممر المودي للجحيم، هذه المنطقة تعرض اصول العالم الداخلي لكوكتو، نحن ايضاً هنا امام عالم ذات الشاعر الاسطورية، نحن دائما في اغلب الاماكن التي يختارها المخرج، للمكان معنى اخر، معنى مفهوم وواضح و اخر غامض مبهم، هنا الماضي الاسطوري و الحاضر المعاش، لكن الخيال يظل العنصر الحيوي الذي لا يتخلى عنه كوكتو، الخيال يظل المحرك الديناميكي لفهم كل حركة او سكون، الوعي، الذاكرة، الفنتازيا و الحلم هي العناصر المكونة للخيال في كل اعمال كوكتو. كوكتو يستغل المونتاج كمفتاح لخلق الشعرية بافلامه، يعتمد على الايقاع البطيء، مستخدماً اسلوب ما يسمى المونتاج الحالم، يبحث عن اظهار اللامرئي، و اللاصوري بالصورة، يعطي للون الاسود اهمية كبيرة، يستخدم الظلام لمسح بعض أجزاء الصورة، او لتشويه الديكور و اقصائه كما نلاحظ في فيلم” الجميلة و الوحش” ففي قصر الوحش نحن داخل فضاء ميتافيزيقي و غرائبي بديكوراته الساحرة، توزيع الشموع و التماثيل التي يتصاعد منها دخان ابيض، المدخنة، هذه الاشياء ليست مجرد عناصر للاضاءة هي ايضا مجموعة من الاستعارات بدلالات متعددة، هي ايضاً عناصر اساسية تساهم في دعم خلق مونتاج شعري، الفيلم بالنسبة إلى هذا الفنان اشبه بالتراتيل الدينية التي عندما نسمعها تنقلنا الى عالم اسطوري يتفوق على الواقع، يجب ان يكون التأثير بالنسبة إلى الفيلم باستخدام الصور الساحرة البليغة القادرة على اثارة المتفرج و منحه الحلم.

 السينما اداة فكرية اسلوب تعبيري لما يدور بدواخل المخرج، الفيلم الشعري قادر على اظهار حقيقة اللاواقع و اللامعقول، هو فعل يربط بين المتفرج و الصورة، كل قطعة ديكور او اكسسوار هي استعارة لمنع وجود معنى واحد محدد للقطة، هذا التشويش يدفع المتفرج الى الانتباه و التأمل و استخدام الخيال للفهم والاحساس و ادراك المعاني المتعددة. تتميز افلام كوكتو بروعة و جمال و عمق الحقل، فالبعيد بالعمق قد يكون هو الاهم و المقصود، يشتغل كوكتو ايضاً على الفراغ فاظهار مكان فارغ من دون حدث و عرضه ليس مجرد أسلوب للانتقال من مشهد الى اخر، هو إجراء مقصود قد يكون جزأ من ذكريات المخرج او حلما من احلامه الشخصية او تشويش مقصود لارباك التسلسل الدرامي.

 روبيرت بريسون في كتابه “ملاحظات حول السينماتوغراف” يوكد “أن حقيقة السينما لا يمكن ان تكون حقيقة المسرح، ليس حقيقة الرواية، ليس حقيقة الرسم، كون السينما تمسك بالحقيقة بواسطة ادواتها الخاصة فهي اذاً لا يمكن ان تكون مسرحا، رواية او رسما كون هذه الفنون تمسك بالحقيقة بادواتها الخاصة”.

 كما يوكد “أن الفيلم عندما تكون الصور فيه معادلة للكلمات بالقاموس، هذه الصور ليس لديها قدرة او قيمة الا بحسب وضعيتها و علاقاتها”.

نذكر هذا الرأي كي نوضح ان كوكتو يميل للاسلوب المسرحي و التشكيلي، لكنه مخرج عبقري متمكن من استخدام اللغة السينمائية مثل اختيار حجم ونوع اللقطة، وضعية و زاوية الكاميرا و حركتها، توزيع الاضاءة، تحريك الممثل، اختيار الديكور، خلق تكوين سينمائي و غيرها.

 الفيلم الشعري بالنسبة إليه ليس تراكم مشاهد مسرحية ثم عرض لوحات تشكيلية و مشاهد سينمائية، المشهد بل كل لقطة و صورة يمكن تذوقها كلوحات شعرية  تشكيلية و الاحساس بها كمسرح صوري، لكن اللغة الشعرية السينمائية هي المستخدمة هي من يخلق ايحاء و احساسًا بوجود جميع الفنون الجميلة كوننا امام سينمائي شاعر متمكن من الخلق و الابداع الفني و الشعري مستخدماً الضوء.

الصورة في افلام كوكتو لا يمكننا ان نعادلها بكلمات، اللقطة ليست عبارة ادبية هي أشبه ببيت شعري يقذف بنا في محيط صاخب و عنيف.

خلاصة الصورة في افلام كوكتو لا تشرح شيئًا واحدا و لا تحمل معنى محددا، هي ليست وسيلة نقل لشيء واحد، هي ليست شيئا في اطار مغلق، ما يوجد خارج الكادر قد يكون اكثر اهمية من الموجود الواضح دائما يوجد جزء من الكادر مطموس او مبهم، ما يوجد داخل الكادر مجموعة من الاشارات وظيفتها التنبيه لما يوجد خارج الكادر. في سينما كوكتو، العلاقات بين الصور لها نسق و ايقاع شعري خاص، لكل صورة سينمائية عالمها و استقلاليتها قد تملك معاني مفهومة و لكن اغلبها غامضة، كل صورة فعل مفتوح الافاق، لكل صورة رد فعل و تأثير خاص لدى المتفرج، الصور التي تحمل معاني محدودة هي غير صالحة لا مكان لها في الفيلم. الفيلم الشعري بالنسبة إلى هذا الفنان يتحقق بواسطة ربط الشخصيات بعضها ببعض و ربطها بالطبيعة و الاشياء داخل الكادر و خارجه .

 في افلام كوكتو، عالم واقعي محسوس و عالم خيالي ميتافيزيقي، لكن هذا لا يعني ان العالم الواقعي سهل الوصول اليه و فهمه، يتعمد المخرج بحشوه بعناصر من العالم الاخر الميتافيزيقي، اي يجعله جزأ من الخيال مثلاً في فيلم “الجميلة و الوحش” هناك مشاهد تدور في بيت الجميلة و اخرى في قصر الوحش، نرى بعض الاشياء من عالم الوحش موجودة في بيت الجميلة لكن اسلوب عرضها يختلف، اي يحدث تصادم و صراع بين الواقع و ما وراء الواقع، كل عالم يحاول اختراق الاخر يكون الانتصار للخيال. الصورة السينمائية الشعرية ليست بحاجة لصورة اخرى لشرحها، هي بمفردها قادرة على الحديث عن نفسها، هي عالم كبير بذاتها تُظهر ما تريد و تُخفي ما تريد، يجد المتفرج لذة في مشاهدتها و الغوص فيها و الجدل معها.

الصور بالفيلم الشعري لا تسير بالاِتجاه نفسه ، كل صورة تعمل لوحدها و تسير في الاتجاه الذي تريده، كل صورة تنتظر دورها أي انها ليست بحاجة للتعريف او التمهيد أو التعقيب من صورة اخرى.

 اذاً الصورة السينمائية شعرية في سينما كوكتو، كون المخرج يستخدم البلاغة و عناصر اللغة الشعرية مثل الاستعارة، الايجاز و التكثيف، الحذف و غيرها من الفنون الشعرية، بحيث تحقق المتعة البصرية الجذابة و كسر المألوف لتجاوز الواقع لخلق الادهاش الشعري بما يحويه من جمال ساحر و كونها تكسر و تتحدى افق توقع المتفرج. هي ايضاً تحمل افكارا شعرية، فلسفية، روحية و انسانية مثل التعمق في عالم الموت و الملائكة و تثير اسئلة و جدلا حول الحقائق المطلقة مثل وجود الاله و الحياة بعد الموت و ماهية الحياة، السعادة و الحب و غيرها.

هي أيضاً أي الصورة السينمائية الشعرية تعبر عن الفنان الذي يستغلها لعرض سيرته الذاتيه، عالمه الاسطوري، أحلامه، قلقه و هواجسه الجنونية واضطرابه الداخلي و علاقته بهذا الوجود المرئي و غير المرئي. جان كوكتو يمنحنا فرصة من خلال افلامه كي نحس بجمالية الفن السينمائي، كي نبحر في عالم الاسطورة و الفكر و الروح الشعرية، نحن هنا في حضرة الشعر بكل سحره، بكل مجده و عظمته، بكل سحره و جنونه الرائع الممتع و المدهش.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here