حمى الله العراق..

 

 

طلال سلمان

يحمل المواطن عن العراق بعنوان بغداد صوراً متناقضة من الخليفة العباسي الاول المنصور إلى هارون الرشيد وحكاية الغيمة التي سيعود اليه خراجها حيث امطرت إلى ابي نواس وصراع الاخوين غير الشقيقين الأمين والمأمون ومذبحة البرامكة، ثم اغتيال الخليفة الامام علي ابي ابي طالب وهو يصلي الفجر في المسجد بالكوفة، وصولاً إلى مجزرة كربلاء واستشهاد الامام الحسين بن علي بن ابي طالب واخوته وابنائه وسبي نسائه ومن معه، صورة بلد الفواجع والنكبات وقسوة لا تمسحها نوبات البكاء حتى النحيب والتفجع والتحسر: “يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً”.

انها بلاد المطلق: في فرح السكر الذي يعقبه التفجع حزناً واستذكاراً لمأساة اهل البيت، ثم عراك السكارى وتضاربهم وتحطيم المقهى على الموجودين فيه.

وعبر تاريخه الطويل منذ السومريين والبابليين الحقت بالعراقيين سمات العنف المريع يعقبه البكاء ندما، والدخول من الكأس الاول في حالة سكر تستدر البكاء ثم العراك قبل الغرق في التفجع ندماً وتحسراً على ما فات.

لا وسط في سلوك العراقي: العنف حتى القتل، والشرب حتى السكر، والفرح حتى تكسير المقهى، ثم الانخراط في دوامة البكاء قبل الانطراح نوماً لا فرق في المكان، وهو داخل المقهى او في سيارة العودة.. بعد عراك مع السائق..

هو كريم حتى التفريط بثمن وجبة الغداء، وهو رقيق حتى البكاء فرحاً، اما في الحزن فهو الخنساء التي ستظل تبكي اخاها صخر حتى يوم القيامة.

منذ ثورة 14 تموز 1958 التي قام بها الجيش بقيادة اللواء عبد الكريم قاسم (ماكو زعيم الا كريم) ومعه العقيد عبد السلام عارف، تفجر العنف فكاد يدمر الوحدة الوطنية خصوصاً وقد اختلط الحابل بالنابل وعمت الفوضى واتهم الشيوعيين بتدبير التظاهرات، وجرت محاولة لاغتيال قاسم كان أحد ابطالها صدام حسين الذي اصيب خلالها بطلق ناري في ساقه، فاخرج شفرة من جيبه واخذ يعالج الجرح النازف مما أرعب سائق التاكسي فصرخ به “ابو عدي” قائلاً: هيا، التفت امامك واخرجني من هذا المكان قبل أن يصل رجال الشرطة.

بعد قاسم دخل حزب البعث إلى الحكم بعد انقلاب نفذه الجيش في بغداد فتسلم البعث (بالشراكة مع بعض ضباط الجيش) الحكم، وتم تعيين احمد حسن البكر رئيساً للدولة، في حين تولى صدام حسين نيابة الرئاسة في ظل شعارات البعث وأركانه.. على أن صدام، الذي أبقى “خاله” البكر رئيساً صار الرئيس المطلق والدكتاتور الذي لا يرحم، فسيطر الخوف على العراقيين بعد سلسلة من “موجات الاعدام” والاعتقالات حتى ساد الرعب العراق واستتب له الامر.

وخلال فترة حكمه الطويل أقدم صدام حسين على مغامرتين عسكريتين فاشلتين: الأولى بالحرب على إيران في ايلول 1980 التي كانت قد تفجرت بالثورة الاسلامية بقيادة الامام الخميني فخلعت الشاه محمد رضا بهلوي واعلنت قيام الجمهورية الاسلامية، وهي حرب استمرت حتى 20 اب 1988، وتوقفت بقرار مجلس الامن رقم 598 الذي قبله الطرفان والعودة إلى ما قبل الحرب التي حددتها اتفاقية الجزائر عام 1975.

ثم أن صدام حسين أقدم على مغامرة بائسة أخرى، فاحتل الكويت خلال ساعات… واستنفر ذلك العالم ضده، فنظم الاميركيون حلفاً عسكريا لإخراجه من الكويت، شاركت فيه فصائل من بعض الجيوش العربية، حتى “طردت” قواته من جنوب العراق التي احتلتها قوات اميركية (اواخر العام 1991) ثم تقدمت نحو بغداد فاحتلتها مع كامل مساحة العراق، وقبضت على صدام حسين وصورته مختبئاً في قبو في بستان، في بعض ضواحي بغداد، وسلمته إلى الغوغاء من الشيعة ـ زرعاً للفتنة ـ فاعدموه شنقاً بينما هو يلقي خطبة “قومية”، واقفاً بشجاعة، حتى عقد الحبل من حول عنقه فتدلى هامداً بينما الغوغاء تهينه بالشتائم والحركات المقذعة.

بعد ذلك تولى جنرالات الاحتلال الاميركي الحكم مباشرة، مع الاستعانة ببعض اصدقائهم من وجهاء الساسة العراقيين المستجدين الذين كانت غالبيتهم في المنافي، بعيدة وقريبة (واشنطن، لندن، بينما بقي اكثرهم في دمشق).

ولقد حدثت “انقلابات” عديدة داخل السلطة بعد جلاء العسكر الاميركي في حين بقي نفوذ واشنطن مهيمناً.. وهكذا فان العراق لم يستعد استقراره يوما، وظل شعبه يعيش حالة طوارئ، خصوصاً وقد “ظهر فجأة” تنظيم “داعش” الارهابي في الموصل، ومنها مد ظله الاسود نحو المناطق الاخرى لمدة عامين تقريباً قبل أن توجه اليه ضربات عسكرية قاسية تسببت في تشريد “المجاهدين” في هذا التنظيم الذين قصد بعضهم بعض نواحي غرب العراق في اتجاه سوريا، وصولاً إلى تركيا التي تعاملت معهم برفق، ولعلها استعانت ببعض مقاتليه في الحرب على سوريا، خصوصاً وانها لا تنكر “تعاطفها” مع مجاهديها!

ولقد تعاقب على حكم العراق ما بعد الاحتلال، الذي عدل في نظامه (على الطريقة اللبنانية) فصار رئيس الدولة “كرديا” سنياً، ورئيس الحكومة (الذي يملك القرار نظرياً) شيعيا، ورئيس المجلس النيابي سنيا، وبحسب القاعدة يتم تقاسم الحقائب الوزارية والمقاعد النيابية والوظائف العليا في الدولة.

ها هو العراق، ارض السوداء، يتفجر اليوم فقراً، ويخرج شعبه إلى الشوارع غاضبا، يشكو العنت والجوع وسوء الادارة، والسرطان الطائفي المذهبي الذي يدمر المجتمعات والدول.

حمى الله شعب العراق، بعربه وكرده، بالشيعة والسنة والأزيديين والكرد والصابئة والسريان، واعاده لأمته ليلعب دوره الذي لا بديل منه في خدمة اهله وتحقيق غدها الافضل..

كاتب ورئيس تحرير صحيفة السفير

Print Friendly, PDF & Email

11 تعليقات

  1. الاستاذ طلال سلمان صحفي نبيل ومخضرم، دون في حياته صفحة أعمال بفتخر بها كل عربي منصف.
    أما أنا مواطن عراقي، عشت حقبة صدام بأكملها، وأعرف العراقيين عن كثب، لانهم شعبي، عشت معهم، وخبرتهم عن قرب.

    بعد هذه المقدمة، أجد جملة “الغوغاء من الشيعة” ليس في محلها، هؤلاء قاسوا من نظام صدام ما لا تحتمله الجبال، وهمشوا تماما في المجتمع العراقي، في حين هم يشكلون غالبيته، وهؤلاء هم وقود حروب صدام العبثية، وهؤلاء هم نتاج سياسة صدام البدوية، بإمكاني ان اسطر عشرات (هؤلاء) في هذا الصدد، بإختصار هؤلاء نتاج سياسات صدام الغبية، لا يمكن أن نطلب منهم ان يكونوا حكماء، هكذا طلب مجحف وغير واقعي.

    عندما تغتصب بنتك او اختك من قبل جلاوزة صدام، وعندما يقدم جسد ابنك لك مثقبا بثلاثين طلقة وهو بعمر الزهور لانه غاب عن الجيش اسبوع، وعندما تجد أهلك دفنوا في المقابر الجماعية أحياء، وعندما يسرق شبابك وتحرم من حقوقك وخاصة التعليم وووو…الخ، فمن الصعب أن تكون حكيما يزن افعاله بميزان الأخلاق، بل سيسيطر عليك الانتقام ليس الا.

    أتمنى من الاستاذ طلال ان يكون أكثر انصافا، ويصف الحقائق بعيدا عن المزاج.

  2. الى من سمى نفسه قلب بغداد…..

    ايران لا تسيطر على دفة الحكم بالعراق …يا “فهمان”…
    ايران تدعم العراق المقاوم كما تدعم حزب الله في لبنان و حماس و الحهاد و …في فلسطين و أنصار الله في اليمن ….ضد الامبريالية و الصهيونية العالمية و الرجعية الأعرابية …
    و لا تتدخل في شؤون الدول الداخلية… و أعداء ايران يتدخلون و يمكرون و يفسدون ….من رعى الفساد في العراق… سواهم …من أدخل داعش سواهم …من يغذي المذهبية و الطائفية سواهم ….
    و ايران …أيها “الفهمان” ….هي العدو رقم واحد لامريكا في المنطقة…

  3. تلك علامات ارض الخير والبركات، تكالبت عليها الامم والصعاليك. كيف إذن نفهم تاريخها صفحاته كلها حضارات منها اطلقت امواج التحضر الى باقي اصقاع العالم.

    سلمية سلمية يا اخواننا بالعراق. كفى ما دفعته الجزائر وسوريا وليبا من نفس ونفيس. لا تكونوا العوبة في ايدي شياطين الغرب والشرق.

    حفظكم الله، لا تعودوا بنا ثلاثون سنة الى الوراء وتهدموا ما انجز التونسيون بالامس والجزائريون والسودانيون اليوم.

    والله ولي الذين ٱمنوا، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى ٱله وصحبه.

  4. للمعلق الحسين وعزي من المغرب..

    اراك القيت محاضره في تعليقك من دون ان تفهم ما قصدت اصلا.

    اولا كما يقال دائما: كما تكونوا يولى عليكم.

    الحكام العرب و ان جاؤوا بالقوه فهم في النهايه من نفس جنس شعوبهم و على شاكلتهم.

    كل ما جرى ويجري في الدول العربيه من العراق الى ليبيا و اليمن سوريا يثبت ما اقول.

    حين تستجدي الشعوب العربيه العالم لتحريرها من حكامها و ان انتهى الامر الى تدمير بلدانها كما حصل في العراق و ليبيا و حتى سوريا يثبت بالقطع ان المشكله الاساسيه هي مشكله شعوب لا تعرف دائها و هي بالتالي لا تعرف دوائها…

    احتفى قطاع كبير من الشعب العراقي بسقوط صدام و تحطيم التمثال و احتفلوا باعدامه والان الوضع اسوأ . احتفل الكثير من الليبيين بمقتل القذافي و التمثيل بجثته و الوضع الان اسوأ …

    حين تحتمي المعارضه السوريه بإسرائيل وتتهم الاسد بالعمالة للاستعمار في نفس الوقت فذلك يثبت ايضا ان المشكله هي مشكله شعوب.
    حين يطالب الشيخ القرضاوي امريكا بضرب سوريا بحجه الاطاحه بالاسد فذلك يثبت ان وضعنا كشعوب عربيه في حاله يرثى لها….

  5. شكرا لك على هذا السرد الذي لا يكتبه الا من عاش في العراق سيدي طلال سلمان
    احييك انا من هنا من بغداد ولا تقلق ابدا فكل شيء بخير وسيكون بخير …احييك من حدائق وضفاف دجلة في ابي نؤاس وحواري الكرادة والصالحية وحاناتها ..
    وهي كما هي

  6. إلى عربي في المهجر

    جاء في تعليقك التالي: (( الحكام الذين حكموا ويحكمون البلاد العربيه والاسلاميه جاءوا من نفس طينه الشعوب والتي ان لم تتغير سيستمر الوضع على ما هو عليه)). بخلاف ما تزعم، فإن أغلبية الحكام العرب مفروضون من طرف أمريكا ودولة العنصرية إسرائيل، ولا علاقة للشعوب العربية بهم، لدينا حكام تعتبرهم تل أبيب ذخرا استراتيجيا بالنسبة لها، والقواعد الأمريكية والفرنسية والإنجليزية المنتشرة في عدة جهات من المنطقة العربية تكاد تكون وظيفتها الرئيسية هي حماية عروش أولئك الحكام، فلماذا تقوم أنت بتلبيس الشعوب العربية تهمة احتيارها لحكامها الخونة والعملاء، إن لم تكن لديك الرغبة في الدفاع المبطن عن هؤلاء الحكام برمي التهم الكاذبة على الشعوب؟؟، ثم ما هو التغيير المطلوب الذي يبدو لك مناسبا ويتعين على الشعوب العربية اتباع سبيله؟ هل تريد منها التخلي غن لغتها وثقافتها وحضارتها وإرثها التاريخي، والدين الإسلامي لأغلبية سكانها، لكي تصبح شعوبا بلا هوية حقيقية، وبالتالي يسهل على أعدائها إقحامها في هويات غريبة عنها، لكي يقودوها إلى المسالخ؟؟؟ التذاكي أكثر من اللازم يصبح بلادة مفرطة..

  7. الانتماء الى البعث في ليبيا المملكة جنحة عقوبتها الحبس لمدة لاتزيد على ثلاث سنوات ..الانتماء الى البعث زمن معمر خيانة عظمى عقوبتها الاعدام .
    في يوم 22يوليو 1961 م بمحض الصدفة اكتشف الامن خلية حزبية بعثية اسسها ويديرها سعدون حمادي من العراق ( متزوج من سيدة ليبية ) و عامر الدغيس ومحمد حمي وسالم السوسي وابراهيم الهنقاري مع ليبين اخرين واتضح ان للتنظيم فروع وخلايا في بقية المدن الليبية الاخرى …انعقدت محكمة لهم نهاية العام فحكم على البعض بالحبس سنتان ونصف والبعض الاخر بالبراءة والاستاذ حمادي بالترحيل الى بيروت ….
    فيما يبدو نشط التظيم من جديد اوائل السبعينيات بعد يئس جماعة البكر وصدام من احتواء الانقلابيين الجدد في ليبيا خاصة بعد زيارات قام بها صالح مهدي عماش وصلاح العلي وصدام نفسه لطرابلس واتضح للجميع ان البوصلة تتجه ناحية مصر وعبدالناصر ( حرية . اشتراكية . وحدة ) وليست ( وحدة اشتراكية .حرية ) ..قبض على الدغيس وحمي وغيرهم وهرب من استطاع الافلات .. حكم على الجميع بالسجن المؤبد بداية ولكنها لم تقنع العقيد فأرسل من قتل محمد حمي في السجن سنة 1980م وعامرالدغيس سنة 1984م ..فلم يعد البعث بعث ولا العسكر عسكر ..

  8. طالما إيران و عملاء ايران يسيطرون على دفة الحكم بالعراق فسيبقى الشعب العراقي مقهورا مظلوما ،، لعام الكاتب الحشد الشعبي الايراني يستعد لحصد جميع المتظاهرين و سحلهم بالشوارع ،، ولا يجرؤ أي مسؤول عراقي على انتقاد إيران لأن الحشد الشعبي جاهز لإعدامه فورا ، و اعلم الكاتب امريكا و ايران حبايب بالعراق

  9. الخونة الذين حكموا العراق هم الفاسدين المفسدين
    على الشعب العراقي ان يكنسهم
    والمالكي هو المؤسس الحقيقي والاب الشرعي لداعش لغاية في نفس يعقوب
    ألم يكن هو القائد لما يسمى بالجيش العراقي

  10. إنه لمن الغباء المدمر والخيانة بأحقر أشكالها أن يتم العمل والأستمرار بالدستور الطائفي والمذهبي للعراق العربي والذي لا ينكر هويته العربية إلا من يريد و يقوم فعلاً بتدميره بحجج كاذبة و حاقدة بأن عروبة العراق تلغي تنوعه الإثني والحضاري و تُقصي بعض أبناءه رغم أن العكس تماماً هو الصحيح. كما أن إشراك بل و تسلط الدين على السياسة و الوطن و أبنائه جلب سيلاً من الكوارث نراها يومياً. بداية الحل هو فصل الدين عن السياسة و أن يكون الإنتماء للعراق العربي هو الأساس و ليس لكانتونات انعزالية مرتبطة بعصابات تحركها من إسرائيل وأمريكا والسعودية و إيران. عاش عراق العرب

  11. الخلاصه اذن ان الشعب العراقي كما حال باقي الشعوب العربيه عليه ان يقف مع نفسه و يحاسب و يراجع حاضره و تاريخه و يبحث عن طرق لاصلاح الذات !
    الحكام الذين حكموا و يحكمون البلاد العربيه و الاسلاميه جاءوا من نفس طينه الشعوب و التي ان لم تتغير سيستمر الوضع على ما هو عليه…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here