حمزة الخنسا: صدى وارسو في بيروت: صراع في لبنان وعليه

 

حمزة الخنسا

انتهى مؤتمر وارسو الذي خطّطت له الإدارة الأميركية طويلاً، إلى لا نتائج مؤثّرة مرجوة. على الأقل هذا ما خلص إليه الإعلام العبري. وهذا أيضاً ما توصّل إليه المستهدفون في طهران. لكن المؤتمر الذي كانت تأمل واشنطن أن يكون خالصاً ضدّ إيران، رأت فيه إدارة ترامب فرصة جيّدة لجمع العرب و«إسرائيل» على طاولة واحدة، وحول طبق واحد. صورة يُمكنها استغلالها في الحملات الإعلامية والدبلوماسية المكثّفة التي تقوم بها حكومة نتنياهو، لجرّ السعودية وفريقها العربي إلى علاقات علنية مع تل أبيب.

نأت بيروت بنفسها عن مؤتمر وارسو، لكن صداه يُسمع في أروقتها بشكل واضح. الحركة الدبلوماسية الكثيفة التي شهدتها العاصمة اللبنانية قُبيل تشكيل الحكومة وبُعيدها، كانت تنشط على خطّ رسم معالم جديدة لمرحلة ما بعد حكومة «إلى العمل» الحريرية.

النشاط السعودي الملحوظ في لبنان، عبر السفير وليد البخاري، شكّل رافعة أساسية للقوى الحليفة للغرب. وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل، زار لبنان منتصف الشهر الماضي. شدّد المبعوث الأميركي أمام مَن التقاهم على قلق الولايات المتحدة من أنشطة حزب الله المزعزعة للاستقرار في لبنان والمنطقة. ربطاً بمؤتمر وارسو الذي أرادته واشنطن ناقوس إنذار تجمع حوله حلفاءها ضد إيران.

لاحقاً، حطّ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في بيروت. تبعه المستشار في الديوان الملكي السعودي نزار العلولا بعد ساعات، محاولاً تطويق أية تداعيات لزيارته. العارفون بخبايا اللقاءات يتحدثون عن «كباش» دولي – إقليمي على لبنان تكشّفت عنه تلك الزيارات. الضغط على حزب الله من بوابة سلاحه، كان على رأس المطالب التي أُلقيت على مسامع حلفاء السعودية والولايات المتحدة في بيروت.

لا حديث عن إعادة إحياء الأحلاف القديمة، مثل حلف 14 آذار، لكن الضغط الكبير مورس من أجل رأب التصدّعات الناجمة عن تشكيل الحكومة، خصوصاً بين الرئيس سعد الحريري والنائب السابق وليد جنبلاط وسمير جعجع. في هذه النقطة بالتحديد، تكشف المعلومات عن «تنسيق سعودي أميركي من أجل هندسة الخطوات المقبلة». التنسيق أفضى إلى إبعاد «تيار المستقبل» ورئيسه سعد الحريري عن المواجهة المباشرة مع حزب الله. شدّد الرجل إبّان احتجازه في «الريتز» على عدم قدرته على المواجهة. اقتنع ولي العهد السعودي محمد ابن سليمان أخيراً بالأمر. وعملاً بالخطة «B» المنسّقة مع الأميركيين، أوكلت هذه المهمة إلى «صقور» مسيحيي 14 آذار.

تقول المعلومات إن عمليات استنهاض شاملة تجري حالياً لإعادة تفعيل دور النائبين سامي ونديم الجميّل، وكذلك دور فارس سعيد وبعض الإعلاميين والمحلّلين. تمّ حجز أماكن دورية لهم على الشاشات. الخطة تقتضي بتولي حلفاء واشنطن – الرياض المسيحيين دور الهجوم على حزب الله لتحقيق ثلاثة أهداف.

يتمثّل الهدف الأول في إحراج الحزب أمام حليفة التيار الوطني الحرّ، خصوصاً إن أقدم الحزب على أية ردّة فعل كتلك التي حصلت في مجلس النواب أثناء جلسات مناقشة البيان الوزاري. فيما يتمثّل الهدف الثاني في جذب التيار الوطني الحر صوب تيّار المستقبل أكثر فأكثر، خصوصاً مع تحييد الرئيس الحريري عن المواجهة مع حليفه حزب الله. أما الهدف الثالث فيتمثّل بمحاولة تعميق أي تباين أو اختلاف بين حزب الله وحركة أمل، خصوصاً من بوابة التناقض بين الطرفين حيال العلاقة بالتيّار الوطني الحرّ، تمهيداً لعزل الحزب في بيئته أولاً، وفي الساحة الوطنية ثانياً.

تحييد المستقبل وتقديم مسيحيي 14 آذار لا يتعلّق فقط بجزئية إحراج حزب الله أمام حليفة المسيحي الأقوى المتمثل بالتيار الوطني الحر، ولا فقط بضرورات متعلّقة بالساحة اللبنانية حصراً. تقول المعلومات إن السعوديين رصدوا إشارات عديدة على محاولات تركية – قطرية للتواصل مع حزب الله. وفي هذا السياق، سُجّل لقاء بعيد عن الإعلام بين السفارة التركية في بيروت ومسؤولين في الحزب. كما سُجّل خطاب تركي متقدّم متعلّق بوحدة الأراضي العربية، والحق في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

هذه التحرّكات تقرأها السعودية بنفس اللغة التي تقرأ عبرها الصراع الخليجي – القطري. وهي ترى فيها محاولات لـ«المحور السُنّي الآخر» للتوغّل داخل ساحتها اللبنانية. وربطاً بما تم الكشف عنه مؤخراً في وسائل الإعلام الغربية، عن لقاء سعودي إماراتي «إسرائيلي» خلُص إلى اعتبار تركيا عدواً أساسياً بعد احتواء إيران، تعمل الرياض على عدم تسعير أي خلاف سُنّي سُنّي، على الأقل في مرحلة ما قبل بدء تنفيذ «مخطّط احتواء إيران»، التي كان مؤملاً إطلاقه من وارسو.

 كاتب لبناني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here