حمد نزال: الإصلاح في الأردن بين مطرقة النفوذ الاجنبي وسنديان الوقت الضائع

حمد نزال

لأسباب ذات شأن بطبيعة تشكله وغاية وجوده، كان الاردن منذ لحظة ولادته ملاذا آمنا في منطقة مضطربة، ومرآة تعكس تفاهمات دولية على اقتسام المصالح والامتيازات.

تزامن مع ذلك جني عوائد مادية دسمة أسهمت- جنبا لجنب مع كد وصبر الاردنيين المعروف- ليس فقط في انتعاشات اقتصادية، بل وفي تشكل طبقة وسطى أمست اليوم منهكة شبه منهارة بفضل عقيدة جباية ظالمة.

وفقت مرارا عمان في الحفاظ على تأييد الناس لشكل الحكم (الملكية) حتى وهم يطالبون بتغير مفصلي ردا على إخفاق حكومي تام،  وتراجع تنموي وقيمي وحضاري خطيرعلى كل الأصعدة.

لم يشفي علل البلاد الإدعاء فصيح اللسان مائع الفكر بالرخاء.. ولم  ينتقل الاردن لعصر التقدم بالخداع، ولم يفلح التزييف في اخفاء إنحطاط التعليم والصحة وفشل الخدمات العامة وبيع الفالح منها، والسمسرة في المقدسات واللاجئين والبيئة والطاقة النظيفة والتسويق الجاهل للنووي المميت…

سكوت الجمهور على سرقة معظم جهد الشعب عن طريق الفساد والضرائب المتوالدة والرشى، وعلى المواقف العديدة التي تفلت السلطة فيها من العقاب اعتمادا على التخويف؛ هو جزء واحد من معادلة متشابكة يجب أن تشتمل –عند البحث عن حل – على تحفيز وعي الأثرياء الوطنيين بأهمية الوصول لإصلاح محسوس يضمن استمرارية أمنهم المالي وانتقال إرثهم لابنائهم بسلام.

بات واضحا أن قوى معادية تتحكم في مسار الاردن وتساهم بقسوة في إنهاك الجموع الغفيرة ورهن قوتها للكروش “الجربة” العابرة للقارات.

كما العديد من النخب الحاكمة المجاورة، يواجه البلد اليوم مأزقه الاصيل المتمثل بالإتكاء على دعم عواصم أجنبية عوضا عن التعويل على ثقة الشعب والارتكاز عليها كمصدر وحيد للسيادة.

الحكومة الجديدة ووزيرها الأول هي مسكن شحيح المليغرام كونها امتداد لنهج مجرب (تعين نخبوي بلا تفويض شعبي) بقصد امتصاص أزمة طارئة. المطالبون بمنحها فرصة حالمون لا يدركون أن الوحش (ثنائية الفقر والغلاء) قد كبر، وبأن الوقت قد نفذ، وبأن الرتق قد اتسع.

إنها كسابقاتها لا تمتلك أدنى فرصة لمجرد تشخيص العلة؛ ناهيك عن علاجها.

استمرار العمل بعقيدة الدولة المتجذرة القائمة على السرية؛ وخلق المشكلة وحلها؛ والتجهيل؛ والإلهاء؛ والتجويع؛ والتعذيب؛ والمسرحيات الانتخابية؛ والتمثيليات الأمنية هي الوصفة المجربة التي ستقود للهاوية.

الإصلاح السياسي الجذري الذي يؤسس لدولة مدنية علمانية يتساوى فيها الجميع امام قوة القانون الذي يكون متماهيا مع الإرادة الشعبية الحرة.. هو وحده المنقذ والدرب المتين الذي سيقود إلى بر الأمان ويحقق الكرامة.

الوصول إلى هذه “المعجزة” أي الدولة المدنية، يستدعي ملاحظة وتقليد ذاك السيل العتيد من الدول المتقدمة الناجحة التي تقف شامخة امام أعيننا منذ مئات السنين. بلدان –غير مسلمة بالمجمل- توصلت إلى أعلى درجات الرفاه والامن والصحة والتعليم والمسكن والعمل والكرامة لجميع مواطنيها كتحصيل حاصل وبلا كلل أو منة .

سيترتب على الجهات الوطنية الصادقة مواصلة مسيرتها تجاه التغير؛ وأن تنتقي مدخلا ذكيا يقود الى لجم كافة القوى المستفيدة من راهن الوضع..

كما يتوجب أن تربط تحركات الدوار الرابع 2018 مع احتجاجات الجنوب وذيبان والمناطق الاخرى الاكثر تضررا وشجاعة وأن تصب كلها مستقبلا في منتصف الشريان في قلب عمان لكي تكون أوسع صدى.

ثمة ثمن للتغير، ولكنه سيكون أقل فداحة لو تحركت الجماهير الحريصة على وطنها اليوم بدلا من تأجيل ما هو مصيري ليوم اخر ربما يكون ثمن الخروج فيه الى الشوارع أكثر رعبا.

 صحفي مستقل مقيم في واشنطن

Print Friendly, PDF & Email

8 تعليقات

  1. صديقي حمد : سأعلق باختصار شديد
    مشكلتنا الرئيسية التي ادت الى ما نحن عليه واضحة يعرفها القاصي والداني هناك عدة اسباب كلها تصب في تفاقم مشكلتنا وهي
    التربية ثم التعليم .. التوازن بين العقيدة والحياة الاجتماعية … عدم فصل الدين عن الدولة (الدين لله وحده والوطن للجميع) وهذا الرابط يؤدي الى تهميش الاقليات في البلد الواحد لان الدين لا يعترف بدولة وإذا اعترف بدولة دينية فهو يخالف الشريعة … عدم وعي الاغلبية عن ماهية الامور الواجب اتباعها لإقامة دولة حديثة تقدمية .
    ساعطيك مثالا عن غبائنا بترديد كلمات يقبلها كل شعبك الاردني ويرددها بإستمرار وتكاد تكون شعار للاردن مثل (( الاردن اولاً )) فلو قلت لأي واحد اين الله من ذلك لقال راسا (( الله اولاً)) ونسي الاردن.
    ولا ننسى ارتباط الدينار الاردني بالدولار فهذا وحده شأن .

  2. مقال ممتاز كتابة هامة لكناا لا تلقى صدى نحن امة لا تقرا،.. كل التقدير لهذا القلم الفذ والصوت الصارخ في

  3. أبدعت الوصف الاستاذ حمد نزال وضعت يدك على موقع الخلل …ووجدت الحل ….إذا لم ينزع
    فتيل الأزمة اليوم لن يكون الحل متاحا في الآجل .بدون دماء ……اعتقد جازما بأنك قدمت وصفا وتحليلا قل نظيره….

  4. ما يغفل عنه المواطن العربي ان مصيره وعمر دولته خطه وحدده من اقام لهم هذه الاوطان وهذه الكيانات لها عمر افتراضي تم تحديده مسبقا ونحن كمواطنين عرب ما زالت عقولنا ومنطقنا عنزة ولو طارت

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here