حمدي العطار: محمد سعدون السباهي توثيق احداث شبه تاريخية

بغداد ـ حمدي العطار:

يبدو لي ان الروائي محمد سعدون السباهي يهتم كثيرا بالمهمشين في التاريخ ، ففي رواية (ثعالب من عسل) اصدار دار لارسا للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة سنة الاصدار 2019 وتقع الرواية في 200 صفحة من الحجم المتوسط، في هذه الرواية يربط بين موضوعين يمثلان اناس مهمشين،نزلاء السجون في فترة الحرب،والغجر،ويبدو لي الروائي يجيد التعامل مع هكذا شخصيات تعيش في المجتمع لكنها تمثل الوجوه التي اتعبها الظل فارتكبت الاخطاء او لم ترتكب اية جريمة من وجهة نظر قانونية لكن حظها العاثر جعلها  في مواجهة نظام بوليسي دكتاتوري لتنتهي الى السجون، والانسان السوي حينما يدخل الى السجن يعيش الجحيم او ما يماثله فكيف اذا دخل غجريا السجن، في هذه السردية فإن البطل يكون في السجن ولكنه ليس سجينا بل يعمل في صيدلية السجن (ينادونه دكتور)،وبذلك يستطيع ان يرصد الشخصيات والاحداث بشكل افضل مما لو كان سجينا ! لكنه حينما صادفه مشهد لا ينساه بعد ألف عام! ” القطيطة الشقراء تبدو غير مكترثة لواحدة من أفعال البشر الحمقى التي تدور أمامها، كانت تتثاءب القطة، فعلق احد الحراس الخبثاء وهو يضحك على نحو خليع ” لك ملعون! امطلعها تبياته؟ … سرعان ما تكشفت لي اسباب تلك الكوميديا السوداء:اذ بوشاية من احد السجناء  الى ادارة القسم، تم مسكه متلبسا بفعلته التي يمكن ايجازها، من ان المتهم كان قد عكف على تربية القطة وهي في اسبوعها الأول، يزقها الحليب مثلما تفعل الأمهات تماما، ومن جانب آخر، كان يقلع أسنانها في الخفاء، بمعدل سن كل ثلاثة أيام، حتى تأكد له قلع  أسنانها جميعا،وتماثل لثتها للشفاء، راح يخبئها ليلا بين فخذيه، لترضع له هذه المرة!”

السجن في محافظة الديوانية وسبب هذا الاختيار حتى يكون مبررا لتناول حياة الغجر في منطقة (الفوار) وحتى يلتقي البطل  بشيخ الغجر ابو صباح وما ينتج عن تعامله الانساني معه حينما يجعله يرتاح من مشاكسة السجناء،كما يقوم بايصال زوجات شيخ الغجر وبناته الى الفوار بعد كل زيارة للسجن.وحينما يخرج ابو صباح من السجن يقيم (الدكتور) مع الغجر ،ليتحدث عن عاداتهم، تقاليدهم، مهنتهم، عواطفهم..عن كل ما يخص الغجر، والجمهور الذي يبحث عن اللذة والمرح وسط مأساة الحروب!

*فلسفة المكان

ينطلق الروائي بشكل جميل في وصف الاماكن ويبدع في وصف مدينة (الفاو) حيث كان يعمل فيها قبل الحرب  لأن للفاو قصة في الحرب العراقية الايرانية!”مدينة ضغيرة طالما سميتها – غزالة الخليج- غافية على مهد هو جزء من نهر عريض، تتأرجح عرائش الأعشاب وأشجار الحناء والبمبر، أما زمان وقوع الكارثة فهو بداية أيار من عام 1986 احتلت القوات الايرانية مدينة الفاو العراقية الغزالة المخضبة بالحناء، المستحمة بالمياه اللازوردية، المزينة بقلائد المحار، المدللة، مدينة المراسي والبساتين والماء الوفير والسمروات المنقبات بنقاب شفاف امعانا بالغواية أو من دون نقاب، الرقيقات مثل اطراف الورد،واقعة في الأسر، مدماة منهوبة ومهدمة؟” ” السارد وعلى لسان صديقه د. عبد الحسين يستعرض الافكار الفلسفية للرواية  “الخطاب الديني لا يشجع على الحوار حتى وان هو تظاهر بذلك لا يهدف أبدا الى الاقناع بل الى اخضاع الآخر، واذا لم يستجيب اعتبره مارقا توجب جلده او حتى قتله”

خصوصية الغجر

يحتل واقع وخصوصية الغجر الجزء الاكبر من الرواية ،وبما ان الروائي يؤمن بخصوصية كل اقلية معينة فهو يدافع عن وجود الغجر في المجتمع العراقي ولا يوافق على اندماجهم قسرا ، او اعتبارهم مثل (البدو) ومن خصوصية الغجر كما يراها السارد هي ان (اجسادهم للعرض فقط وليس للبيع مثل العاهرات) لكنه يستدرك بأن الغجر يمكن ان يندمجوا في المجتمع الاشتراكي (الشيوعي) بششكل طوعي كما يقول صديقه “د. عبد الحسين” اعتقد انك قرأت كيف حل (ستالين) أوضاع الغجر هناك، لقد جاء بهم الى المدن بنى لهم المساكن وادخلهم المدارس حيث أوجد اول مرة، ابجدية لغوية لهم، ولأقوام أخرى مهمشة مثلهم، يوم لم يكن لهم أبجدية، لقد راهن على الزمن وليس على الاكراه والنبذ والتهديد… لذا اعتقد ان بالامكان دمج الغجر بالمجتمع فيما لو توفر لذلك المجتمع نظام اشتراكي بالمعنى الماركسي، أذ أن الاشتراكية العلمية وحدها التي تعمل على تحرير المجتمع بأسره، بغض النظر عن تنوع شرائحه عرقيا واثنيا”

تجارب السفر

الروائي محمد سعدون من الرحالة ويمارس كتابة ادب الرحلات وفي هذه الرواية يضخ عبر حوار السارد مع د. عبد الحسين بعض تلك التجارب التي تتولد من السفر لتكون فرصة لتناول موضوع الاثارة والجنس في الرواية فضلا عما يدرجه من علاقة السارد بالغجريات ومحاولتهم اغراءه لممارسة الجنس “ذات مرة ما أن هبطت الى بار تحت الارض في منطقة بايزيد في اسطنبول، حتى طالعني ثمانية وعشرون فما انثويا صارخا.تمنيت لو جمعتهم في فم واحد، أقبله واستريح.. ثم ثمانية وعشرون زوجا من سيقان الصبايا، تلمع تحت وهج المصابيح وهي تتزاحم عند بوابة مرقص في براغ…ثم هناك المئات تحمل مظلاتها تحت المطر على أمل الحصول على بطاقة دخول الى مسرح بوخارست حيث تعرض مسرحية برخت… ثم هذا المنظر الذي لن انساه بعد مئة عام: بولونية صغيرة شقراء في مقهى شمبانسكي، وسط وارشو وهي ممسكة بذراع زنجي طويل مخافة أن يفلت منها!!” انها تجربة السارد في (خمسة واربعون يوما استمرت رحلته) ويعطي توصيف الى دول اوربا الشرقية باسوب ساحر “صوفيا سميتها المراهقة البشوش… براغ، فاتنة مهيبة جيدها التلعاء مثقلة بباقات القرنفل، برلين الشرقية، طاسة من ذهب طافحة بالخمرة..بوادبست، سلة من أغصان الرمان،ملأى برطب البصرة وتين اثينا وفستق حلب.. بخارست، عجوز تنبت بين كتفيها حدبة مضحكة..زغرب، قطار خارج عن السكة..وارشو، أمرأة في الاربعين ذات عينان خضراوان… اما اسطنبول فمثل بغدادنا تماما، شجرة هرمة في واد أجرد، وفوق هذا مكللة بالغربان..”

الرواية تحمل الكثير من التوثيق لكنها لا تفتقر الى الخيال،والحوار في السرد يكون في لغة غير نمطية ويحتاج من المتلقي الى  درجة عالية من التركيز.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here