حمدي العطار: “عبد الزهرة علي” روائي فنطازي

 

بغداد ـ حمدي العطار:

كثيرة هي الاشياء التي ساعدت مخيلة الروائي العراقي على التحديث والتجريب في مجالات السرد الروائية،والرمزية في كتابة الرواية تكون مبررة حينما يملك الروائي خبرة وفهم لتقنيات اللعب على الموضوع الرئيسي حتى لا تكون الرواية نسخة مكررة من اعمال اخرى!وهذا يعتمد – ايضا- على قوة اللغة وتوفر عنصر الخيال،ومن الادب العالمي ابدع كافكا في رواية (المسخ) حينما تحول البطل الى (صرصار)

*اولاد كلب

رواية للروائي “عبد الزهرة علي” صادرة من دار لارسا سنة 2018 تقع في 186 صفحة ،أستخدم فيها الروائي الاسلوب الاستقصائي لرصد ما يجري في (العشوائيات) كمكان مناسب لرواية (مصل الجمال اولاد كلب)”صور وأحداث أجمعها من قارعة الطريق تتزاحم في داخلي وتمور،تخنقني الكلمات فأقذف بما في جوفي،ربما لا تميلون لها، لكن عزائي في تدوينها، اعتقادي بأنها الحقيقة”

الفنطازيا بالتفاصيل

حرص الروائي على تأطير السردية بتفاصيل دقيقة عن حياة العشوائيات في دقة وصف المكان وتأثيره على الشخصيات،عملهم الاقتصادي،امراضهم، حاجتهم، مكرهم وحيلهم للحصول على المال،حياتهم الجنسية، مكانتهم الاجتماعية، وفي السردية هناك ما يطلق عليه بالفنطازية “أجمع ما تبقى من أوراق جدي الحكواتي العمارتلي الذي جعل لحكاياته جاذبية أكثر، حيث كان حريصا على ايراد تفاصيل فنطازية، خيالية، اسطورية”

الشخصيات الممسوخة

حاول الروائي ان يجعل المتلقي يتوهم بإن (اولاد كلب) هي شتيمة شعبية نستخدمها للتعبير عن نذالة اي سلوك غير اخلاقي،لذلك جعل من ممارسة الجنس بين الانسان والحيوان (الكلب) ينتج عنه مخرجات لأناس جسدهم انسان وسلوكهم مثل الكلاب،معتمدا على اسطورة اقتبسها من اوراق جده المحفوظة في صندوق خشبي، تشير قديما بأن الاب اذا مات تنتقل الام لتكون زوجة لأحد الابناء، وحينما مات احدهم ولا يملك اولاد ولديه كلب، فاصبحت زوجته ملكا مباح للكلب ” في أحد الأيام وبينما كانت الزوجة الارملة نائمة على وسادة صوفية، في خيمة فرشت أرضيتها بسجادة مزخرفة بألوان جميلة متناسقة،ناعمة الملمس،وقد اسرجت قنديلا معدنيا،شع نوره في جوانب الخيمة، كان ابيض ثوبها الشفيف،ولها فخذين مبهرين …. في ذلك الزمان،كانت النسوة لا يرتدين سراويل داخلية، هبت ريح رفعت رداءها الواسع الى سرتها، فبانت سوءتها،كان الكلب باسطا يديه يراقب، وعندما وقعت عيناه على مهبل المرأة …..بعد أربعة اشهر ولدت المرأة ذكرا،عاش الطفل بين المرأة الارملة والكلب، حتى اصبح شابا، جميل الوجه، قوي البنية….عندما ضاجع نسوة اخريات، زرع فيهن جيناته المختلطة،فتكاثر صنف ذلك الشاب، وأصبح في الحياة ناس تراهم بشرا ولكن في دواخلهم خصال حيوان”ومنذ ذلك الحين تكاثرت بفعل الجنيات هذه الانواع من العلاقات المختلطة ،حتى وصلت الى (بدرية زوجة جلاب)” التي تعيش بالقرب من السارد وبجوار المتجاوزين!

تفاجأت المرأة،اخذتها أحزان خفية انبعثت من باطنها،الرجل الذي عاشرها ما هو إلا كلب يتوارى خارج الباب الموارب ..قلت مع نفسي ربما (جلاب الذي تحول إلى كلب)

الأوصاف السردية

بينما البعض يعد الاماكن الجميلة مصدرا مهما لجمال السرد لتلعب دورا جماليا للتزين، في هذه الرواية وظيفة المكان (العشوائيات) هي للبناء النفسي للمتجاوزين!ولذلك اجتهد الروائي في استخدام الاوصاف السردية بشكل مفصل وبليغ للاشارة الى المعاناة التي تسحق انسانية الناس المقيمين في هذا المكان، على الرغم من ان بعض المتجاوزين هناك من يملك دارا سكنية قريبة واتخذ من هذا المكان سبيلا للحصول على تعويض”أبواب بيوتهم مغطاة ببطانيات وسخة، صفائح صدئة تسيجها، اطفالهم يلعبون في البرك المنتشرة في الأزقة الترابية وهم شبه عراة،مخاطهم يسيل الى أفواههم، لكنهم سعداء وهو يتقافزون خلف كرة في بركة آسنة، اجسادهم النحيلة تشبه اجساد الكلاب الرابضة خلف الجدران..غالبا لا يموتون، وإذا مات أحدهم خلفه ثان وثالث، وهكذا.. الرزق على الله، هو من يعطي وهو من يأخذ”

مصل الجمال 

حينما تحدثنا في القسم الاول من القراءة النقدية عن سردية الرواية ،كان تركيزنا على جزء مهم من الرواية (اولاد كلب) ينتمي الى (فنطازيا) الثيمة التي ربطت بين البعد الدرامي والتوثيق التاريخي،بحيث جعلنا الكاتب ان نتعايش مع (الاسلوب الذي تشير به للملاحظات اليومية) واذا كان في ذلك الجزء تشخيص لأمراض المجتمع العراقي في الماضي والحاضر ومؤهل هذا المجتمع المريض الذي يتفاقم فيه العذاب والتخلف ليصل هذا القبح والمرض الى فئة المثقفين”لم اكن أعلم أن هذه الجلسة التي طالت بنا الى وقت بعيد سوف تحول نظرتي عن المثقفين، حيث كنت أراهم أناسا قديسين ونماذج سماوية،إلا أني عرفت بعد ذلك ما هم إلا نتاج مجتمع،الكثير منهم اشجار خاوية بلا ظل يحمينا من قسوة القيظ” ومن هنا حتى لا تصبح وظيفة الرواية هي دفع المتلقي الى اليأس والكآبة بل لا بد من وجود (مصل وقائي) ليس طبي بل اخلاقي وثقافي وفني ،ينتشل شخصيات الرواية والمجتمع والبيئة من القيبح الى الجمال اطلق عليه الروائي (مصل الجمال)!

*المخيلة الابداعية

ليس غريبا في مثل هذه الروايات التوثيقية الدرامية يحق للكاتب ان يتصرف متجاوزا حرفية الاحداث التاريخية متلاعبا بالمكان والزمان ومصير الشخصيات لكننا تلمسنا الجماليات الابداعية في الرواية من خلال واقعية المواقف والاحداث وقوة الاسلوب هي من جعل الواقع احيانا اشد تعبيرا من المخيلة الابداعية!

وهذا ما نجده عند (المهبول، ثائر، بدرية، ابو تحسين) كيف والواقع اغرب من الخيال ومن المفارقات (أمسك الشرطي الواقف في نقطة السيطرة، الكيس الذي بيده، وبعد الامتناع والجذب، سقط الكيس على الأرض،أندلق سائل أبيض ذو رائحة نفاذة، صاح به الشرطي غاضبا – خمر يا أبن الكلب في عاشوراء

أنهالت العصى على كل أجزاء جسده، لكنه رغم كل ذلك لم يمتنع من البحث عن بقايا العرق في الزجاج المنثور ويطالبهم بحركات هيسترية أن يعيدوا إليه بطل العرق …..لكن بعد برهة من الزمن جاءت سيارة ذات دفع رباعي، اوقفها الشرطي ذاته، سأل سائقها..ها أستاذ وين رايح/ والله عندي خرفان، أوديهن الى المصلخ/ ونهن ….بعد توقف سيارة ذات دفع رباعي، جر خطواته ليعبر الشارع، فإذا بنظره يقع على حوض السيارة الخلفي ويرى الشرطي يمد رأسه ويبحلق في ثلاثة وجوه فزعة، أفواههم مكممة، وأياديهم معقوفة الى الخلف، أحولت عيونهم وبدا خوفهم واضحا وهو يدنو منهم. تراجع وكأنه لم ير شيئا. أستأنف الأستاذ سيره وهو يلوح للشرطي شاكرا”.

الخاتمة

كما هو متوقع لا بد من وجود ضوء في آخر النفق،وفي الرويات كان ينتصر البطل (الخير) وينهزم (الشرير) في الروايات الحديثة لا وجود للبطل كفرد ،بل البطل هو ا(الجهد الجماعي) وبما ان الوضع خطير جدا فلا بد من تحضير المصل واقناع الناس على تناوله لانتهاء العذابات”في دورق كبير، جمع ثائر قصاصات الشعر، وجمل النثر، وقطع من أشرطة الغناء، وأجزاء من لوحات فنية. ثم أضاف أليها أوراق شجرة السدر، وأزهار الحديقة العامة، سكب عليها ماء فاترا مذابا فيه عسل نحل، ثم قام بتسخين المواد كلها على نار هادئة…بعدها بدأ بتقطير المحلول الناتج منه، حصل على مصل ذي لون بنفسجي، لقد غطا لون الأحبار على لون العسل، أسماه مصل الجمال، غمرتني فرحة واسعة ونحن نتوصل الى صنع مصل الجمال الذي يكافح الافات التي جاءت بها الوجوه الغريبة”

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here