حمدي العطار: القاص هيثم بهنام بردى يقدم الموضوعية والصدق تحكم  القصص القصيرة في المجموعة الكاملة

بغداد – حمدي العطار:

جمع القاص “هيثم بهنام بردى” كل نتاجه في مجال القصة القصيرة في مجلد (الأعمال الكاملة) والصادر من دار امل للنشر والتوزيع – دمشق وصدر المجلد سنة 2019 ،ويقع في 375 صفحة ، ويحتوي على المجاميع القصصية الصادرة للمؤلف وهي (الوصية عام 2002، تليباثي عام 2008 ، نهر ذو لحية بيضاء 2011 ، أرض من عسل عام 2012 ، الطوفان عام 2016 ) كما احتوى الفصل الاخير من المجلد اشارة الى عناوين الكتب النقدية التي صدرت عن تجربة القاص هيثم بهنام بردى في كتابة (القصة القصيرة) وهي بعناوين (تجليات الفضاء السردي – اعداد وتقديم محمد صابر عبيد -عام 2012، شباط ما زال بعيدا -إعداد جوزيف حنا يشوع -عام 2013 ،الكون القصصي – تجليات السرد وآليات التمظهرعام  – محمد إبراهيم الجميلي – عام 2013 ، المهيمنات القرائية وفاعلية التشكيل السردي –إعداد وتقديم ومشاركة د. خليل شكري عباس – عام 2014 ، جماليات تشكيل الوصف في القصة القصيرة – الدكتور نبهان حسون السعدون – عام 2014 ، فاعلية الذاكرة في تليباثي بين اسطرة الواقع وسحر الخيال- إعداد وتقديم ومشاركة د. إيمان محمد العبيدي – عام 2017)

*لوحات وقعية

تتصف قصص “هيثم بهنام بردى “بالموضوعية والصدق ، وهي عبارة عن لوحات تشكيلية بلغة منسابة راقية تعبر عن مشاهد حياتية متنوعة من الواقع ، من ناحية التاريخ تبرز عنصر التسجيلية ولا تخلو من الانطباعية في وصف مظاهر الحياة الاجتماعية والوطنية ، معتمدا على امكانياته في دقة التصوير وقوة الملاحظة وقابليته في انتزاع اللقطات والمواقف الانسانية المؤثرة، وحينما يريد ان يكتب قصة عن (الخيانة) لا يجعل اسم القصة يشير الى تلك المفردة بشكل مباشر، لكنه يعمل على (تجميد الزمن) ليختار منه (اللحظة المقصودة) وفي اسلوب (دائري) يتلاعب بالزمن ويقدم لحظات غنية مثقلة بالمشاعر والاحاسيس، يهدف من ذلك تنشيط ملكات القارئ وذاكرته لكي يتجاوز التاريخ ويتخد موقفا معاصرا يدعو الى الفخر كما في قصة (الوصية).

*صياغة التوقعات

تبدأ قصة (الوصية) بموت الجد، هنا البعد التاريخي، السرد بلسان الحفيد (رمز المستقبل ) وبدلا من ان تكون الاضاءة معتمة بفعل الموت والحزن يقدمها لنا القاص مشرقة لتجسيد مدى الحزن وحجم الخسارة “تناهى إلى سمعي صوت خطواتهما الرتيبة، اتجهت نحو باب الغرفة وأطلت من عل نحو جسديهما المغتسلين بضياء القمر، لمحت سيماء وجه عمي، كان تعب السفر المضني يبدو جليا في عينيه وكأن السهاد قد امتص ضياؤهما أو ربما البكاء المتواصل”ص7 ، في هذه القصة يتوزع عنصر الوصف بين القمر والشمس حسب مدى التأثير الطبيعي على العناصر التاريخية (التسجيلي) ، نحن امام وصية يجب ان تسلم من الجد المتوفي (خضر) الى الحفيد (اسعد) ويكون ذلك قبل الدفن “هذا هو أرث جدك، وقد أوصاني وهو يحتضر بأن أسلمه لك”ص13 الارث ليس مالا ولا اراضي انه مفتاح كبير أكله الصدأ “تأملت المفتاح بدهشة المكتشف الجديد، وثمة هاجس أثيري يرتديني، وعرفت معزتي عند جدي، شعرت بالفخار، طال تأملي، بينما استطرد عمي بحزن أسيف- أنه مفتاح الخزانة الخشبية التي لا يعلم ما بها إلا الله تعالى، وجدك”ص13

*للتاريخ ذاكرة

استخدم القاص اسلوب (الفلاش باك) في استرجاع ذاكرة الحفيد وعلاقته بالجد الراحل والحكايات التي تخص الدفاع عن الوطن وشرف التضحية والشهادة وخسة (الخيانة)

“يقص حكايا رجال المقلوب والانكليز والخائن حتى يحلقني إلى عالمهم المندثر الحي في رأسه… أيام انسحاب الأتراك ودخول الشياطين ذوي العيون الزرق، والبيادر، والجبل”ص12

استخدام المتناقضين هنا (المندثر الحي) الاندثار يعني الاستهلاك او موت الشيء، ولكن في رأس الجد لا يزال له قيمة وحي يمكن إن درسا بليغا ، ومثلما يوجد الوطني الشريف في تاريخنا يوجد الخائن الخسيس “لقد باعنا نوح للانكليز” ويصف السارد ذلك الخائن (لآئذ بالصمت محني الطرف ينكش الأرض بعصاه” وعندما يصف يوسف الشهيد “بينما كان يوسف يزيت الغدارة بأناءة وهو يدندن ” وحتى ينقذ يوسف صديقه ، ويعلم الرجال من هو الخائن يضحي بنفسه ، ويقتل من قبل الانكليز “لكن الذي يحز في نفسي تلك الفعلة التي لا وصف لها البته والتي أسميت منذ غوابر الزمان بالخيانة”ص21 ، تتصاعد الدراما في قصة الجد للحفيد ، فقد احتل الانكليز بيت عيسى وسكنوه واصبح يعرف بالمخفر ويعد عيسى اول سجين عرفته القرية، ومثلما يقبل البعض ان يعيش مع الاحتلال فإن الجد وباقي الرجال الشرفاء يرفضون هذا الوضع بل يلجأون الى المقاطعة والمقاومة “لا نصب على أيديهم الماء، ولا نجلسهم في مضايفنا، ولكن أولئك الملاعين – الغرباء- تمكنوا من التسلل إلى قلوب هذا النفر القليل الطامع في عطاياهم”ص26، بعدها يخطط رجال القرية للانتقام من الانكليز واخذ ثأر الشهيد يوسف واطلاق سراح السجين عيسى ومعاقبة الخائن (نوح) “تقدم فاضل نحوه وبحركة سريعة كان عقال نوح تحت مداس فاضل – سأجز ناصيته ونطرده من القرية، ما رأيكم؟ – نحن موافقون .

الوصية

أنهمك الحفيد(أسعد) لمعرفة ما في الصندوق الخشبي، وما هي مضمون الوصية، ها نقطة التقاء النص بالقارئ حتى تتحقق للقصة وجوده ، وتعديل التوقعات في مجرى عملية القراءة “أ أدخل المفتاح في شق الباب الخشبي، يصر الباب كصراخ امرأة تطلق متهيئة للولادة، يتسلل ضوء الشمس الصباحية إلى احشاء الكوخ تبدأ الأشياء تتوضح تدريجيا … نفض عن الصندوق الخشبي  التراب فيتطاير الغبار منصهرا في حزمة شعاع الشمس الهابطة من  كوة صغيرة تعلو النافذة، أستنشق رائحة زكية تشبه الهيل…كان أول شيء رأيته بندقية قديمة جدا أكل الصدأ ماسورتها الحديدية ..وضعتها على الأرض وعمدت إلى الورقة وفضضتها، كانت تخصني..- بني أسعد .هذه البندقية التي بين يديك هي عينها التي اقتحمت بها مع الرجال المخفر، أرجو أن تعتني بها، وتبقيها ذكرى أبدية، عسى أن تشم رائحتي من خلالها صباح مساء كل يوم وتتذكر أجدادك”ص34 بعد ان يقبلها اسعد ، ينتقل الى القسم الثاني من الصندوق الخشبيي الذي احتوى على كتب ذات أوراق سمراء وصفراء ،وكتب على الورقة الثانية (أجدادك) ” أخذت أقرأ عناوينها تباعا، المهلهل، عنترة العبسي، سيرة بني هلال، المعلقات السبع، سيف بن ذي يزن، ديوان المتنبي، الطوفان، أساطير بابلية وحكم احيقار وكتب كثيرة أخرى”ص35 ، كما اوصى اسعد بإن يبلغ ابوه وعمه ليدفن في الجهة اليمنى لشجرة الزيتون وعلى بعد ذراعين من جذعها.

الخاتمة

تم اختيار قصة (الوصية) لأنها تمثل من الناحية الفنية مفهوم النص وسياقه الثقافي والادبي في قصص القاص”هيثم بهنام بردى” ، فتجد فيها الوصف بالجمل المقطرة المكثفة ، وحديث النفس الصامت ، وهي تنشط ملكات القارئ النقدية.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here