حمدي العطار: القاص رياض داخل يقدم:  قصصا تتجاوز الواقع والخيال في مجموعته (دعابل)

 

بغداد – حمدي العطار:

قصص رياض داخل لا يمكن ان تضع لها  مقايس تقليدية فهي يمكن ان تنتمي الى اللامعقول او الرمزية وهي بالتأكيد تنتمي الى السخرية السوداء التي تجعل المتلقي يبتسم ابتسامة صفراء وكأنه يضحك على نفسه! ويسخر منها ، كما ان بعض قصص المجموعة تنتمي الى (الأنسني) وهي تعني بث الحياة الانسانية في غير الانسان! واستخدامها يجسد أدبية النص وتحسين نزعة السارد  العاطفية والانفعالية ، فنرى الشخصية عنده يمكن ان تكون جمادا كما في قصصص (نعل ودعابل او الكرسي والسرير)  وسوف  نتوقف عند مفهوم الانسنة  في قصة (نعل) التي تطرح مجموعة من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية .

ولكن قبل ذلك لا بد من الحديث عن شخصية القاص (رياض داخل) ، وقد تكون معرفتنا الشخصية به تؤثر على حيادية الناقد ونحن لأول مرة نتناول منجزه الأبداعي ، لكنني كلما ابعدت الصورة من اجل دراسة النص اجد نفسي اشاهده في المتنبي وهو يبتسم لكل الناس ويرحب بهم ولكل الكتاب والادباء عنده كلام يخص ابداعاتهم ، يحمل معه في الحقيبة نتاجات الاصدقاء ويتحدث عنهم وعن ما تتصف به منجزاتهم من مواصفات ويتمنى لهم النجاح والتوفيق! ولا يتكلم عن نفسه ابدا! يمكن يقدم ملتقى السرد على نفسه، تشعر من اول لقاء معه بإنه متمكن من ادوات تشكيله الجمالي والمجازات والرموز، نتابعه في جلسات الملتقى كل يوم يطرح شيئا جديدا يخص القصة والرواية والنقد خط سير رحلته مع الادب تتلمس مدى بحثه وتعمقه في العموم والمطلق، وتجنبه ان يحصر نفسه في الضيق السهل التناول.

مجموعته قصص قصيرة (دعابل) الصادرة من دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع سنة الاصدار 2021 تقع في 88 صفحة وتحتوي على 20 قصة قصيرة ، في كل قصة هناك عنصر رمزي ونهاية صادمة ففي قصة (دعابل) التي تحمل المجموعة اسمها، هنا الجماد لا يعبر عن نفسه ووظيفته فيمكن ان يكون الاسقاط عن علاقة المواطنين بالطبقة السياسية ، ومن سوف يخرج الاخر من (الخطة) ليعلن فوز (الشياطين) وترجع الدعابل الى العلبة المظلمة، وقد يرفض البعض هذا القدر فيكون مصيره(سيارة تسحقه في الشارع) او (تموت اخرى من حرارة الشمس) وقطعة (في الحديقة وبين جذوع الشجرة)،، في قصة ليلة القبض على السرير يؤكد القاص المزاوجة بين الخبرة الذاتية وعمق المشاعر الوطنية (هل نخرج مع الهاربين الخونة\ – اريد ان أخرج لكن من أين وإلى اين؟\ إلى المجد إلى اهلنا.. لكن خيبة الامل تلغي فرصة الانعتاق (- انا اعرف أهلي لكنني رأيتهم الان، دخلوا مع العسكر الأمريكي وسرقوا سريري)رياض داخل في كل المجموعة (الهم الزائف- الغرف المظلمة- موعد – مقهى العتبة الخمسينية- وغيرها) كلها تشير الى قوة الخيال ، وهو لا يؤمن الا  بإرتباط القضية الاجتماعية بالفكر السياسي!

القراءة النقدية لقصة (نعل)

الشخصيات البشرية في هذه القصة تأتي في المرتبة الثانية من ناحية السرد وبالمرتبة الاولى انسانيا  لأن الظلم يقع عليها بالنهاية، ولكن للجماد عند القاص روح ولسان واحساس ووعي ، هنا الانسنة للجماد (الاسوار البلاستيكية أوالنعل الاسود) هما يقودان السرد ويعدان متن واسع وثري في الربط ما بين المادي والخيالي ! في القصة مجموعة من المؤشرات قد يكون الفساد في وزارة التجارة والحصة التموينية اولها ( كيس اسود حط بجواري هاربا من رز الحصة التموينية) ثم ينتقل القاص ليجعل النعل  في حوار مع الكيس الاسود  الذي كان سابقا  اسوار بلاستكية  بيد فتاة جميلة ،  الانعطافة الاولى بالقصة هو ان الفتاة تستبدل الاسوار البلاستك بآخرى  من الذهب بعد زواجها من جواد (رمتني) ، الانعطافة الثانية هي ان يصبح خردة ومادة عتيقة ليكون مصيره الى معمل التدوير ، فيذوب من حرارة النار ليكون نصيبه ووضعه الجديد(نعال اسود) لا يزال مخلص ويقبل ان تشتريه الفتاة الفاتنة وبدلا ان يكون في يدها ينزل مرتبة ليكون في قدمها!

 امتازت القصة بأسلوب رشيق يتصاعد مع الحدث ، وتقنيات ورؤى حديثة ، متفاعلة مع تواتر الاحداث وتصاعدها، وتضمنت  اللقطات تعابير تشبه إلى حد كبير اللوحة التشكيلية في رصدها للأحداث وتجديد نسيجها ضمن التبدلات والتغيرات ،،  مكونات القصة، اللقطة الاولى: نعال اسود بجانب الكيس الاسود ، اللقطة الثانية الاسوار بيد الفتاة الجميلة وهي تقبل حبيبها بينما يد جواد تضغط على الاسوار والانفاس الكريهة تتطاير من فم جواد، اللقطة الثالثة : تحويل وتدوير البلاستك بالنار ليصبح الاسوار نعل اسود، اللقطة الرابعة: شراء امام الجامع للنعل! اللقطة الخامسة: سرقة جواد لنعل امام الجامع، اللقطةالاخيرة : بعدما كنت أسوارا في يديها أصبحت نعلا يضرب بي على وجهها كلما عاد – زوجها جواد- سكرانا.

قصص “رياض داخل” في مجموعته (دعابل) ليست قصص تقليدية تبدأ (بموقف وتتطور الى عقدة وتنتهي الى حل) القصص كما هي الحياة الموقف فيها مفقود والعقدة تسبق الحدث والحلول غير متاحة، وعلى المتلقي ان يعيد ترتيب السردية بما يملك من قدرة على التأويل وحل الغاز عنصر الرمزية في هذه القصص التي تعطي صورا تفوق الواقع والخيال.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here