حمدي العطار: القاص حنون مجيد اساليب جديدة للتعبير عن الواقع العراقي

بغداد – حمدي العطار:

 استغرقت المجموعة القصصية للروائي والقاص “حنون مجيد” المعنونة (بصيرة البلبل) – قصص قصيرة جدا، الصادرة في القاهرة من دار غراب للنشر والتوزيع ، وتقع في  80 صفحة وتحتوي على121 قصة قصيرة جدا، اقول استغرقت في قراءة هذه المجموعة اكثر مما اصرفه من وقت في قراءة رواية ضخمة جدا! والسبب هو خطورة هذا الجنس الادبي وما يحتويه من اختزال وتكثيف في الكلمات وقوة في المعنى العميق لأن “حنون مجيد” يجيد الغوص في بحر المعاني التي تعد وظيفة هذا النوع من القصص، القصة القصيرة جدا لا تتطلب من القاص اي تمهيد مطلوب الدخول مباشرة للشخصية والموضوع، الايقاع السريع لا يعني ان القصة القصيرة جدا كتبت بسرعة يجعلها تكون غير ناضجة والاختزال في اللغة لا يعني ان القاص لا يملك ثروة لغوية ، صفات وتسميات كثيرة حددت معالم القصة القصيرة جدا، فالبعض يرى فيها (القصة البرقية) أو (القصة الصريحة) او هي (قصص السطور الثلاثة) وهي قد تكون (الشظية، اللوحة، المشهد، الومضة ) ويمكن ان نسميها (المقطع والخاطرة والشفرة) على ان لا يخلو هذا النوع من القصة من المفارقة الساخرة سواء اكانت مفرحة او حزينة! وقدم الكاتب الكبير (أرنست همنجواي) قصة قصيرة جدا تكونت من 5 كلمات فقط ، قال عنها انها أفضل ما كتبه “للبيع، حذاء لطفل، لم يلبس قط” لاحظ كم الاسئلة التي تثيرها هذه القصة وتحتاج الى وقت لأستيعاب المغزى، قد يذهب المتلقي الى (موت الطفل) وقد يكتشف ان الموت بسبب (الفقر) ، يقول القاص “حنون مجيد” في مقابلة صحفية حول مبررات كتابته القصة القصيرة جدا قائلا”أن وسائل التعبير القديمة التي ذهبت مع قديمها، ضاقت بما يحصل أمامها من تغيرات صارت تتطلب طرائق جديدة وحديثة، لتؤدي وظيفتها على وجه أفضل”

*معاناة خاطفة

في قصة (الصقيع) وهنا المعنى في العنوان قاس جدا، فالقاص لم يستخدم الرومانسية في العنوان مثلا (ليلة باردة) ليوحي بأنها لا بد ان تكون بفعل الحب ليلة دافئة! لنتابع هذه القصة (في غرفة نومهما، يتعريان تماما كل بزاوية ليغيرا كامل ملابسهما، لا ينظر أي منهما إلى أي جزء من عري صاحبه، إنما يبتسم كل للآخر ابتسامة باردة، وينصرفان، هي إلى مطبخها تعد الفطور، وهو إلى مكتبه يقرأ في جريدته”ص60

عند اعادة قراءة القصة لمرات عديدة نرى دقة اختيار الكلمات ، فهو يبدا بجملة تحدد المكان الاكثر اثارة (غرفة النوم) ويأتي الفعل الاشد فضولا لأي رجل وامراة وهو (رؤية الاخر عاريا تماما) لكنه حدد مكان كل منهما وحرص ان يكونا بعيدين (كل بزاوية) ، الان يأتي دور( الموقف ) الذي يعبر عن اللامبالاة او (تجنب) كلا منهما النظر للاخر يمكن لعدم اكتشاف العيوب التي تصيب الجسد بسبب العمر (لا ينظر أي منهما ) لو قال للاخر سوف لا يكون قويا بالتعبير والاشارة بل قال (إلى أي جزء من عري صاحبه) أي لم يبقى في كل جسديهما ما يستحق ان ينظر اليه بلذة واشتهاء! لنرى انعكاس هذا التجاهل المتبادل (إنما يبتسم كل للاخر ) ولو اكتفى بهذه العبارة لكانت تعني شيئا يختلف ان يضيف اليها نوع الابتسامة (ابتسامة باردة) والابتسامة الباردة هي الابتسامة الصفراء الميته التي لا تعني الرضا والأشتياق، وتنتهي القصة ايضا بنوع من الافتراق اليومي (ينصرفان، هي الى مطبخها تعد الفطور، وهو الى مكتبه يقرأ في جريدته)  ساد المشهد الذي يمثل بالزمن لحظة ما (دقائق) ونوع المكان(غرفة النوم) والفعل (العري الكامل لتغيير الملابس فقط)

ونوع التواصل (ابتسامة صفراء) وانتهاء المشهد (الافتراق) ساده الصمت ، فلا وجود للتحية الصباحية ولا قبلة عابرة، انه خريف العمر ، الذي تتجمد فيه المشاعر لتكون بمثابة (الصقيع) وهو عنوان القصة.يد

*محاكاة الواقع العراقي

توزعت قصص المجموعة على نسيج الواقع السياسي والاجتماعي والهموم الذاتية وكذلك الوفاء لأصدقاء القاص وذكرياتهم، ففي اكثر من قصة تكون الشخصيات هي من الادباء الذين يرتبطون بعلاقات اجتماعية وادبية بالقاص ، امثال (عبد الستار إبراهيم في قصة صوت الآخر) وهو صاحب مجلة “صوت الآخر”

“كان يلازمه داء خبيث استعصى عليه. كان يشعر أن صوتا آخر مريبا غير صوت مجلته يستدعيه أليه “ص8 ،هنا القاص يضع مفارقة غرائبية معتمدا على تشابه مصطلح (صوت الآخر) متمثلة بالحياة والعطاء والابداع في (مجلته) واسمها، والصوت الثاني متمثل (بالمرض الخبيث ) ورغم المقاومة تنتهي حياة عبد الستار ابراهيم بالصورة التي تجسدها هذه القصة المهداة الى روح صديق القاص عبد الستار إبراهيم انه الوفاء”فظل يقاومه، مثلما يقاوم جندي عدوا له، فلما نفد عتاده وما يزال العدو شاهرا سلاحه، رفع ذراعيه قائلا، كفى.. كفى.. ها أنا قادم إليك”ص8 وسنجد الموت يتكرر في اكثر من قصة (عبد الله لذكراه البعيده)

وكذلك الهجرة في قصة  (سركون) “ينفض سركون بولص تراب منفاه البعيد وينثر أوراقه في الريح ويغني “انا من باع حياته ليشتري عينين وفيتين” أهتف ما أبهى صوتك سركون! يرد وما لي لا أسمع صوتك حنون، أقول أعرني نايك المسحور قديسي”ص29

*الهموم الذاتية

تلقي بعض القصص الضوء على الهموم الذاتية للقاص، وتجسدها المشاهد اليومية التي فيها الطرافة من خلال علاقة الجد بالاحفاد مثل قصة(الجد في خلوته) وقصة (إنابه) التي تتناول حرمان الجد بسبب مرض السكري من تناول حبات العنب فينوب عنه الحفيد “كان لعاب الجد يسيل، وقلبه يخفق، وحفيده يشتد، وكان بنظر حسير يرى العنب يتوهج في صحنه والحفيد مقبل عليه أي أقبال، فلا يستطيع منع لعابه من السيلان، وجسده الذاوي من الإرتعاش، هو المريض بالسكري حتى النخاع”ص 46 وتتنوع اساليب السرد عند حنون مجيد فترى احيانا تقترب بعض قصصه من الشعر مثل في قصة (يقظة اللحظة النائمة) ” تناثرت أوراق الشاعر على هبة ريح، وعبثا حاول لمها وهي تحلق للأعلى، حتى هام أخيرا معها. كانت هنالك طيور بيض تطرز صفحة السماء، يتابعها طفل بفرح عات وصفير حاد ويهش عليها بعصاه”ص49

*في هموم الوطن

لا تخلو المجموعة من الهم الوطن والمواطن الذي ابتلى برجال سياسة ظالمون وفاسدون ، تجعل القاص يعبر عن غضب الجماهير بقصة(إنه يعود هذا اليوم) “البطل الذي هجم “بمكواره ” على الدبابة البريطانية إبان ثورة العشرين، يعود هذه الأيام إلى الحياة. يقول : سأعيدها ولكن هذه المرة على المنطقة الخضراء، فهنا اشفى لنفسي!

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. الاديبة والصحفية الدكتورة سليمة مليزي الاديبة والصحفية الدكتورة سليمة مليزي

    تحية طيبة لكم استاذ حمدي العطار ، اقصة القصيرة جدا ( الصقيع ) فيها الكثير من الدهشة ، وايضا الخلفيات التي تركها القاص من اجل ان يكملها القارئ هكذا انا اكتب للقارئ الذكي ان يكمل القصة حسب تخيله
    للاحداث التي تحدث للانسان ، اعتقد تحليلك في ما يخص انه خريف العمر ولا احد يهتم بالاخر ، وخاصة في لحظة عري الاثنان امام بعضهما ، عند البعض حتى في خريف العمر ليزال الحب والاشتهاء ، والانسان هو الذي يصنع هذا الفرح ، وانفصال الزوجين في خريف العمر وايضا تحدث مشاطل وشرخ في العلاقة الزوجية ، لاسباب كثيرة ، منها الرجل عندما يتقاعد ويبقى في البيت ، يجد نسف بلا عمل بلا سلطة ، فراغ يقتله يوميا ، فيشفي غليله في زودته المسكينة ؟ بينما عند الغرب خريف العمر يعيشنا حياة عاطفية رومنسية ويتسمتعون بحياتهم في السفر والمرح ….
    شكرا لك قراءة قيمة
    الاديبة والصحفية الدكتورة سليمة مليزي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here