حمدي العطار: الروائي سعيد شامايا يقدكم :- شخصيات من الواقعية الشديدة في رواية “معلم من تلك القرية”

بغداد – حمدي العطار:

تعتمد الواقعية الشديدة على قوة المتابعة والرصد والملاحظة للتعبير عن الواقع بشكل صادق ، ويمكن هذا النوع من الواقعية جاء كرد فعل للرومانسية، وبدأ في مجال الرسم والفنون التشكيلية، حيث بدأ الرسام يقلد الصورة الفوتوغرفية بحيث المتلقي لا يفرق بينهما من شدة التشابه، في مجال الرواية تدخل الروايات السياسية (الثورية) في هذا التوصيف، ويرى البعض ان رواية (الام) للروائي الروسي مكسيم غوركي ، الذي تحدث فيها عن الظروف التي احاطت بروسيا خلال ثورة اكتوبر، وكانت ايقونة البطلة الام (نيلاجي سلوفيا) بمثابة ثقافة الوعي لليسار الشيوعي وهي تتحول من امرأة ضعيفة تقبل الاهانات والمذلة الى أمرأة متعلمة واعية ومناضلة، تبحث عن ابنها (بوفلي سفون) الذي هو الاخر قد تحول من رجل سكير الى قائد ثوري، في رحلة البحث الام عن ابنها تصل الى قناعة بإنها لا تدافع فقط عن ابنها بل عن كل العمال والفلاحين والفقراء المظلومين! كذلك تدخل رواية عبد الرحمن منيف (الان هنا) او (شرق المتوسط) بمجال الواقعية الشديدة، في افريقيا صدرت مجموعة من روايات الواقعية الشديدة التي تدين التمييز العنصري وحققت النجاح الفني والجماهيري وحصدت جوائز كبيرة، نذكر منها (رواية في انتظار البرابرة) للروائي من جنوب افريقيا (جوي ماكسويل) ورواية (زجاج مكسور) وهو اسم البطل (معلم متقاعد) يزور البيوت للاستماع الى حكايات الحياة اليومية في الكونغوللروائي  (الان مايانكو) ، وفي مصر كتب لتيار الواقعية الشديدة (انيس منصور) في رواية (الذين هاجروا) يتناول فيها حكايات الشباب المصري وسفرهم من اجل لقمة العيش الى خارج مصر وصعوبات الغربة، وعلى الرغم من ان انيس منصور قدمها كمقالات ،لكن وحدة الموضوع وواقعية واسلوب السرد تقترب من الرواية، الروائي “مصطفى نصر ” قدم رواية في هذا الاتجاه بعنوان (يهود الاسكندرية)، والاكثر تعبيرا عن هذا الاتجاه من الواقعية هو الروائي الاردني – الفلسطيني “إبراهيم نصر الله” الذي قدم فهم عميق للشخصيات وتفسير مقنع لتصرفاتهم ومواقفهم ودوافعهم في رواياته الواقعية الشديدة ( حرب الكلب الثانية) و(براري الحمى) ورواية (ارواح كليمنجارو)و( زمن الخيول البيضاء) ففي روايته الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية  عام 2018 (حرب الكلب الثانية)والتي تتحدث عن وحشية الانسان ، وعن تحول البطل من (معارض سياسي )الى (متطرف فاسد)

*واقعية سعيد شامايا

يقول غوركي (اذا اردت ان تسمع كلماتك عليك ان تغمسها بالدم) وفي رواية (معلم في تلك القرية) للروائي “سعيد شامايا” وهي تذكرني برواية (معلم في القرية) للروائي “علي محمد الشبيبي” والتي تكلم فيها عن تجربته كمعلم في القرى العراقية ،وكتبها عام 1934 وتحدث عن الاستغلال الذي يعاني منه الفلاحين والنظام الاقطاعي القاسي وتدهور التعليم! وتأتي رواية شامايا للتحدث عن هذه المفردات لكن بطريقة مختلفة ، لقد اختار السارد قرية (السوالم) وهي عشيرة تسكن احدى قرى الجنوب وفيها قلعة لشيخ القرية (صكر السوالم) الذي تمتد علاقاته الى العاصمة بغداد ومع رجال السلك الدبلوماسي وايسفراء الاجانب ، لذلك يصف السارد الجناح الملكي في القلعة “لم يفتح هذا الجناح ما عدا خمس مرات منذ تأسيسه قبل خمس وثلاثين سنة، اعد خصيصا لصاحب السمو الوصي وولي العهد المعظم .. البار الملحق بالأجنحة الحديثة والذي جمع فيه الشيخ كافة الأنواع الفاخرة من المشروبات والخمور المعتقة ليلبي طلب أي زائر يحل عليه.. وقد استعان بفنانين فرنسيين وايطاليين لهندسة وتصميم ذلك الجناح وتزينه، لقد حل سموه ثلاث مرات  اما الاخريتين يوم فتح لينزل فيه سفير بريطانيا العظمى مع بعض الزائرين المرسلين من قبل صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا، كما افتتح للمرة الخامسة أمام مدير النقطة الرابعة الأمريكي بدعوة من حكومة الباشا لأجل التنسيق والتعاون”ص8 هذا الاستعراض السردي عن المكان لم يكن عفويا لو اضيف له معرفة اولاد الشيخ وحتى اسم احدهم (فيصل) على اسم الملك، اما الابن الكبير فهو (صيهود) الذي يجهز نفسه ليكون الشيخ بدلا من والده، كما هناك ابن ثالث يدعى (العباس) لم يعكر صفو ومزاج الشيخ صكر الوالم الا ثورة (العبيد) كما يصفهم الشيخ (ثورة 14 تموز 1958) وقد جند لها ابنه (العباس) الذي رحل للعاصمة لدراسة الحقوق وفشل “تعرف العباس على نخبة من علية القوم المجروحين في كرامتهم كما كانوا يسمون أنفسهم جراء الحوادث التي عصفت بالبلاد ..فلم يجد الشيخ في تلك العلاقات ما يسيء الى مركزهم لا بل اكتشف انها تعوضهم المركز والهيبة التي تقلصت الى داخل القصر يشح بها اولئك العبيد والاتباع الذين ربطوا مصيرهم”ص11 والشيخ ليس غبيا ليكشف عداوته للثورة وزعيمها (فاللين والمداهنة وترديد أقوال الزعيم عفا الله عما سلف وحياة جديدة وإخوة جديدة، كل تلك الأساليب كانت تستعد لأعادة المياه إلى مجاريها.) فيصل يتحرك مع القوميين، وصهيود يحكم قبضته على الفلاحين، هذه هي عائلة الشيخ لو اضفنا لها شخصية نسائية اشكالية هي (نعيمة) جميلة القرية وزوجة الشيخ الصغيرة، والحاشية سيكون لها دورا في السرد واعمال الاقطاع وعودة جبروتهم بعد سقوط الزعيم وثورته وهم (الملا شاجور، الشيخ عبد السادة ،والسائق حاتم، ومطيع كتوم رجل القهوة، والعبد مرزوك )

الجانب الاخر

لكل صراع طرفين، لذلك كان هناك الطرف الاخر ويضم  (معلم القرية) –عناد- وهو ابن القرية وابوه كان صاحب القهوة في مضيف الشيخ، لكن عناد رحل للعاصمة ودرس في معهد المعليمن  وتكونت افكاره اليسارية- الشيوعية- المعادية للظلم والاقطاع والاستغلال ، لذلك كان مترددا للعمل في مدرسة القرية خشية ان يصبح من اعوان وعبيد الشيخ ، لكن الحزب له رأي آخر”الأفضل أن تعود إلى القرية أيها الرفيق، هناك أيضا هم بحاجة إليك وأنت معلم تستطيع خلال سنة واحدة ان تثقف منهم العشرات. لكنهم أهلي اعرفهم سيزرعون الإبر في طريقي.. ومتى كان طريقنا مزروعا بالورد؟ ماذا اقول لهم كيف اشرح لهم وضع السوالم(أبوه يرقص بالدلة على صوت الفناجين) ام التجيء الى أبناء الشيوخ لأكسبهم إلى صفوفنا؟

ومنذ اول يوم يشتد الصراع (الخفي) و(المعلن) بين عناد معلم القرية واعوان الشيخ وابنه صهيود، لكن الشيخ يريد ان يستغل عناد ، فيبدي له الحب والاحترام ويدخلة الى القصر بل الى (غرفة نوم العروسة الجميلة نعيمة) لأنها ترغب بالتعليم ولا يمكن ارسالها الى المدرسة وعلى المعلم عناد تدريسها في غرفة النوم ” كل شيء في الغرفة يثير الغريزة ويستصرخ الجنس فما بال العمة الجميلة بهذا الهندام، وتلك الحشمة..لفت انتباهها أنه يدقق النظر في ملابسها” فكان عناد بعد ملامسة من نعيمة يكلم نفسه( ارسلوك لتناضل فإذا بك تمارس نضالك في غرفة عبقة برائحة الجنس، ماذا ستقول لهم انك اصبت الشيخ في الصميم اهنت كبرياؤه ثأرت للمغلوبين اعدت لهم ارضهم قضيت على الاقطاع؟”ص59

شخصيات تتغير

العمل السياسي وبالذات في الظروف السرية او شبه العلنية، يستوجب ان يقوم فيه بالمناضل بتغير المكان، والشكل الخارجي للشحصية، والمهنة ، والاسم ايضا، وهو اجراء طبيعي دفاعي لتجنب الاعتقال والتصفية او حتى السقوط السياسي.وهذا ما كان عليه من تغير في شخصية (عناد عبد) في الرواية.

حاول الروائي (سعيد شامايا) وهو يقدم شخصية البطل ، معلم القرية (عناد) بواقعية شديدة، على الرغم من التعاطف الكبير بين السارد (لروائي) وبطله (عناد) الا انه يوجه اليه الانتقاد واللوم احيانا ويطلق عليه (برجوازي صغير) يتصف ب (متردد وخائف) حتى لا يتقذ حب حياته (خضرة) وهذا اللوم والتقريع لا يسلم منه (الحزب الشيوعي) الذي ارتضى التحالف مع حزب البعث في الجبهة وهو يعلم ان هذا الحرب من طبعه الغدر والتنكيل ، ويجعل النقد والتقريع يكون على لسان شخصياته الشيوعية في الرواية  (عناد عبدعلي وجويسم وحسون واخرون) ” احذروا  الخنجر وصاحب الخنجر ..اسالوهم اين الرجعيىة واين الاقطاع الجميع تابوا ولبسوا ثوب الوطنية وملأوا الاستمارات ودخلوا الجنة افواجا ووحدانا، اصبحوا الابناء البررة للثورة دون ان يشهر بوجههم الخنجر..ان لكم وحدكم انتم يا من تمنيتم قيام الجبهة يامن استرخصتم كل شيء من اجل الجبهة..يجب ان تستمر.. يجب ان نحافظ على المكاسب.. تمر الايام وحسون وعناد وجويسم ومن على شاكلتهم يرون كل شيء يراقبون الغدر ويراقبون كل شيء ويعرفون كل شيء!!”ص79

*النساء في الرواية

من المهم التوقف عند الشخصيات النسائية في الرواية، وجعل السارد ارتباطهن بالبطل (عناد) (نعيمة وسوسن وخضرة ونوال) نعيمة الزوجة المدللة للشيخ صكر السوالم، ترجع علاقتها مع عناد عندما كانوا صغار يلعبون معا (هي وابن الشيخ فيصل وعناد) لم تعد براءة الاطفال حاضرة في غرفة نوم نعيمة ” نعيمة.. الشهوة تستصرخ كل ذرة من جسمها، الجنس تقرأه في عينها والرغبة في شفتيها فيها العطش الطويل، تعرض نفسها بشكل سهل لا يحتاج الى اقدام أو مغامرة ، ترضى باللمسة أو البسمة صبرها طويل واملها كبير في ان تصل الى مبتغاها، – لم نعد اطفالا يا نعيمة فالتعب يأخذ منا بسرعة، احيانا لا نقوى على حمل اجسامنا\ ودون ان تعطيه اية فرصة تفاجئه، تطوقه من خصره وتعمل على رفعه الى الاعلى فيلتصق جسمها به وينطبق صدرها على صدره وتشده بقوة”ص70 اما (خضرة) حبيبته الرقيقة، والتي تبادله نفس المشاعر لكن قصة العشق بينهما تصبح من اشاعة الى فضيحة وتعد نقطة ضعف عناد في القرية ” تشع من عينيها الطهارة والصدق ووجهها كتاب سهل، حروفه واضحة تقرأ فيه البراءة ينبئك بما في مضامينه من معان، لا يجيد الطلاء أو التمثيل تلازمه سحابة من الكآبة فرضها شظف العيش وقسوة الحياة”ص71 لم يظفر بها عناد لتكون زوجته بعد ان تشوهت سمعتها على الرغم من نيته الزواج بها بعد هروبه من القرية واقامته في بغداد، لكنها في اليوم الذي تخطط السفر الى بغداد تتعرض للخطف والقتل خنقا”ماتت عذراء طاهرة ولكنها مخنوقة وليس غرقا ويعتقل الشاب المسكين اخوها والكل يصيح انه بريء\- لقد قتلها الكلاب، واغتالوها والصقوا التهمة بغيرهم”ص217 هذه الحادثة جعلت عناد يفقد اتزانه ، ويهمل نفسه، ويلومها لأنه فرط بخضرة حب حياته، (سوسن) زميلته في المعهد ورفيقته في الحزب، تملك الجراءة والمرح وتحب الجميع، لا يملك عناد الشجاعة الكافية لمصارحتها بإعجابه بها لذلك تقتصر علاقته معها على الاحلام فقط” كانت سوسن الحلم الذي عشته طويلا، زرت معها مدنا واماكن جميلة لا تعرف اسماءها واستقبلت الفاتحين واتعبت في مدحك القصائد والكلمات وانت تبتسم ثم تختصر جولاتك قائلا لسوسن ( كفى ما اخذناه لا نفسنا لنعد الى الوطن، لنعد الى العمل) تبتسم سوسن لك وتقول :بخيل حتى في احلامك لأنك تقطع الطريق وتعلم أنك لم تحقق شيئا”ص164 الفتاة الرابعة في حياة عناد هي (نوال) عندما يهرب عناد من قريته خوفا على حياته يصبح له اسم آخر (حسين عباس السلمان) ومهنته (صباغ) يسكن مع صديقه (صويحب) يحذرونه من اقامة علاقات مع الجيران وبالاخص مع احد البيوت لرجل بالجهاز الامني، لكن الاقدار تضع طفل امامه كادت السيارة ان تصطدمه لكن عناد يرمي نفسه مخاطرا بحياته لأنقاذ هذا الطفل (دريد)  الذي كان قد هرب من عمته (نوال) وهي شقيقة ضابط الامن(سامي محمود الدليمي) وتشكره نوال وتعجب به كما يدعوه الضابط الى بيته ويذهب معه مجبرا ليلتقي بأم دريد ونوال ويرى بيتهم الذي يبعث على الراحة والاطمئنان والتنسيق بالاثاث والنظافة”لقد استقبلتني زوجته وشقيقته هذه بأدب ورقة، لم يكن الامر معي فقط، ايضا تعاملهم مع بعضهم بالحب والحنان، اي نوع من الناس هؤلاء! كيف يتسنى لهذا المخلوق ان يمضغ هذه الازدواجية  أو سلوكه هذا في بيت ووجهه البشع ذاك في تلك المسالخ البشرية، هل بإمكانه ان ينفصم كليا عن شخصيته دون ان تؤثر احداهما بالاخرى؟ كيف يقوى على الاتيان بتلك القدرة ليجيد كلا الدورين:ص145  ، تحاول (نوال) اقامة علاقة مع حسين او عناد لكنه يتهرب سريعا خوفا من انكشاف شخصيته امام شقيقها ضابط الامن.

الخاتمة

رواية (معلم في تلك القرية) حاولت السردية بيان محاولة المعلم في القرية بناء تنظيم يدافع عن حقوق الفلاحين عن طريق لجمعيات التعاونية لكن نظام البعث سرق تلك الفافكار وشكل جمعيات تعاونية يقودها الاقطاع متثل بأن الشيخ صكر (صيهود) وحاشيته وأصبح أصحاب الفكرة في مصاف الأعدء!  الحقبة الزمنية التي تناولتها الرواية تعد مهمة ومفصلية  من تاريخ العراق، كان الصراع فيها طبقي بين القوى والاحزاب السياسية مع النظام الملكي والقوى الرجعية والقطاع، ثم جاءت ثورة 14 تموز 1958 ليتحول فيها العراق الى جمهورية ويتغير الصراع بين الشيوعيين والقوميين تحت غلافه السميك يوجد صراع طبقي، اما بعد انقلاب 8 شباط 1963 تحالف البعث مع الاقطاع والاغنياء وجعل العدو المشترك هوم الشيوعيين، وبعد انقلاب تموز 1968 وسيطرت البعث على السلطة اللعب بشكل مختلف واختار هذه المرة غطاء الجبهة الوطنية مع الشيوعيين للتنكيل بهم،  تنتهي الرواية في قناعة (عناد عبد) بإن العراق والشعب بحاجة اليهم ، وخضرة لم تمت سيجدها في عيون كل فتاة ” سأطلق الشمعة يا سوسن والحق بكما :نعم يا خضرة سأكمل الشوط الذي بدأته وكنت انت قربانا له”ص224

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here