حمدي العطار: الروائي خضير فليح الزيديالرواية عنده جنس لعوب في “المدعو صدام حسين فرحان”

بغداد – حمدي العطار:

– لا يستقيم الامر في رواية تحمل عنوان (صدام حسين) ما لم تكن في مضمونها تتحدث عن كل ما يخص مرحلة تاريخية اشكالية لا زال العراقيون مختلفين على تقيمها، وما زاد الطين بله هي ما حدث بعد سقوط النظام على ايدي الاحتلال لتكون ولادة عملية سياسية (مشوهه) في طريقة الحكم وتقديم الخدمات وتوفير الامن والاستقرار مع خلق ازمات تخص سقوط مدن بيد الارهاب ومشاكل النازحين وانتشار الفساد وحدوث شرخ كبير وتعميق الهوة بين الشعب والطبقة السياسية، السارد المتناوب بين شخصين صاحب البيت المتقاعد (عبد الكريم قاسم) والذي تَوفيت زوجته وهجرة ابنه واصبح يعاني من الوحدة كان بحاجة إلى من يكلمه ويتكلم معه لذلك كتب. رقم هاتفه النقال على ورقة نقدية من فئة الف دينار وتبدأ به الاتصالات الى ان تصل الورقة النقدية عند شخصية اشكالية آخرى تبحث ايضا على اي انسان ليسمع قصته هذا الشخص هو السارد الثاني في الرَواية وهو (المدعو صدام حسين فرحان) وعن قصة هذا الاسم تدور الاحداث التاريخية لمرحلة تاريخية تعد من اكثر الفترات الزمنية تعقيدا وظلما مر فيها العراق بالحروب والاضطهاد السياسي والظلم وغياب العدالة والقهر والخوف. وفي جلسات المكاشفة والسرد من قبل (المدعو صدام) الذي يعد من الكارهين لصدام لعدة اسباب، كونه كان يحمل افكار شيوعية، ولان لعنة اسم صدام التصقت بحياته وقد عانى من هده التسمية في ظل النظام الصدامي وبعد سقوط نظام صدام، كما انه يكره ابيه (حسين فرحان ) الملقب بالوطني وهو الذي كان بعثيا قبل ان ينتمي وهو الذي اسماه صدام، وببدو ان المستمع الشخصية الثانية عبد الكريم قاسم يقدم نفسه بديلا عن المحبين لصدام حسين والحوار الفني بالرواية بين الشخصيتين كثيرا ما نسمعه يوميا منذ سقوط النظام حتى اليوم، ولو لا قدرة الروائي الذي يتعامل – دائما- مع السرد كجنس لعوب لا يستقر عنده على حال وان الرواية جنس حر قائم على الحرية لما استطاع التغلب عن المباشرة و قدم لنا رواية تسجيلية وسياسية وتاريخية ورمزية “كانت فكرتي في بداية المشوار في البحث عن لذة الحكاية التر اجيكوميدية التي ستخرجني من طقس الكآبة، وتبعدني عن همومي الذاتية”

قوة الملاحظة والنقد

الروائي “خضير فليح الزيدي” اهتم كثيرا في هذه السردية بالتفاصيل الصغيرة، وتبرز دور هذه التفاصيل في تطويع (المجاز السردي) من أجل (التعرية) وبما أن المجاز هنا ليست شخصية خيالية لذا فهو محط الكشف والفضح وليس التغطية، لنقل ان الروائي فعل عكس ما فعله الكثير من الكتاب والروائيين في زمن (صدام حسين) وما كانوا يكتبون عنه من عظمة وعبقرية خيالية، هنا السردية كانت نقدية وتلقائية ، يشخص فيها السارد العلة،وكانت شخصياته المحورية عبارة عن نماذج يومية وبالاخص (المدعو صدام حسين فرحان) شبيه الاسم ونقيض الفكر والسلوك” يبدو أنك من فريق الكارهين بالرغم من أنك حامل لواء اسمه؟” ص59 وهذا التشابه بالأسم جعل حتى الحزب الشيوعي الذي امن بأفكاره وتعرض الى كل انواع الملاحقة والمراقبة لم يوافق ان يمنحه العضوية ” إذن أنت وفق الافادة كنت شيوعيا؟ نعم أنا كذلك. لكن غير معترف بي في التنظيم رسميا، يعدني الرفاق صديقا للتنظيم. لكن أفكاري وروحي مع تلك الفكرة الرومانسية المثيرة”ص112 .

  • المؤشر الاسلوبي

يؤكد المؤشر الاسلوبي على أن نوعية الرواية سياسية بأمتياز فهي تنقل نقاشات الشارع العراقي ووجهات النظر المتناقضة في حوارات شخصيات الرواية ، وسوف يرى المتلقي ان بعض تلك الحوارات سمعها من الكثير ان لم يكن قد تعاطى معها كثيرا ” – الله يرحم الرئيس. مات شهيدا.\ – دعك من هذا. فكلامك فيه رائحة السياسة والضغينة والحقد والاستفزاز لمشاعري. الشهادة أمر خلافي بين فريق المحبين والكارهين، بين المتضررين والمنتفعين، بين الباحثين عن ذكريات الأمن النسبي في زمانه والخائفين من مستقبل اللحظة التي نعيشها الآن، بين كل المقارنات العجفاء لزمنين مختلفين. وأنا أتحدث عن وقائع رسمية حدثت لي شخصيا.” ص116 مثل هذه المداخلات بين شخصية عبد الكريم قاسم صاحب الدار مع المدعو صدام حسين فرحان سيجدها القارئ بشكل ملفت للنظر وهي تعبر عما يدور من نقاش متجدد حول المقارنة بين انلظام السياسي الحالي وسلبياته وبين ايجابيات نظام صدام دون التركيز على سلبياته ” دارت رحى الحرب الطاحنة لمدة ثماني سنوات بالتمام. وراح ضحيتها الشباب في ثلاثية الفقدان الرهيبة، الشهداء والأسرى والمفقودين. وما تزال الجماهير الزاحفة في المدن تصفق وترقص وتهز لسيادته، بل تشجعه للاستمرار من أجل النصر المزعوم” ص125 وفي حديث المدعو صدام عن تداعيات ما اصاب الحزب الشيوعي بعد انهيار الجبهة واندلاع الحرب ، يستعرض اسماء رفاقه وما جرى لهم منهم من استهدف وتعرض للتصفية ومنهم من خضع وتعرض للسقوط السياسي” تعرضنا لإبادة منظمة وناعمة…الثلاثة المتبقون فقد تم استمالتهم بطريقة الترغيب المنظم السلطوية، ودخلوا فيما سمي بمنظمة الصف الوطني، لا يعرفون ماذا يفعلون أمام حملة التصفية المنظمة بعد انهيار الجبهة المزيفة.. منهم أيضا من تبدل تبديلا تاما تحت اليأس وهاجس الخوف من الاغتيال والتصفية الجسدية، بعد أن خلع قميص الايدلوجية الأممية ولبس قميص القومية المزخرف وتحت سلطة النظام الشمولي.. اما انا فقد قدمت التنازل فعلا في لحظة ضعف رهيبة. وجدت نفسي خائنا له. وللخيانة طعم مر يبقى أمد العمر”ص144

  • المدعو رسام

جعل الروائي المدعو صدام ليس سياسيا شيوعيا فقط بل هو يملك موهبة الرسم، وفي ذلك الزمان الرسام (مبتلى) فكل من يعرف الرسم ويمارسه لا بد ان يرسم صورة القائد صدام حسين ! فكيف بالمدعو وهو بالجيش تبرع بنفسه ان يرسم جدارية للرئيس ، امر الوحدة يسخر منه “أخاف ترسمه بشكل يشبه لينين ههههه؟

  • بالعكس سيدي سأرسمه بالخوذة والبدلة العسكرية مطابقا للحقيقة..حدثت المشكلة عندما بدأت أرسم عيني الرئيس، إذ برزت لي أكثر من مشكلة، منها أن أزيل البقعة الحمراء في طرف كل عين. فقد اعترض آمر الفوج معتبرا تلك البقعة الحمراء مجرد دسيسة مني . بل هي من وحي شيوعيتي المقيتة: قال لا تنظف مطلقا من هذا الفكر حتى لو رسمت ال(الله يحفظه) أما تعلم يا قشمر، أن القائد هدية السماء للأمة العربية؟”ص148 وكثيرة هي المقاطع الساخرة المضحكة والمبكية في هذه الرواية خاصة عندما يتم طلب الاستخبارات العسكرية للمدعو صدام فيعتقد الجميع بأن الطلب يخص عقوبته او اعدامه لأنه شيوعي ومراقب في وحدته فيتم التعامل معه بمنتى القسوة والاذلال حتى يصل الى (اعلى الهرم) ” أهلا وسهلا … حيا الله الرجال أولاد الرجال.- نطقت العظمة كها. لا بشرفك . معقولة سيدي، أنت الرئيس وأنا الجندي التافه ورسام جدارياتك. انا الضئيل اقف أمام عظمتك هل يعقل ذلك؟ – استرح يابه،، شلون أحوالك.\ – الله يخليك سيدي\ – اسمك صدام حسين فرحان. هاهاها ه. لا يجوز لهذه الأمة العظيمة اثنان من صدام هييي. فالعمق السوقي للاسم سوف يتعرض مع تكتيك المرحلة، عليه قررنا تغيير اسمك. الامة لا يقودها إلا الرجل الواحد الأوحد، أسميك صداح باحاء لك،وبالميم لي.ها هههه\ – بكيفك سيدي من يدك اليمين إلى يدك الشمال. أفعل ما تراه مناسب.- – لالا أمزح معاك. لا تخف يا ولد، شاهدت من أيام في الجريدة رسمة لك كما اعتقد لعروس مندلي، اي عفية وعاشت ايدك. انت مقاتل شريف ورسام متميز من ضمن المتميزين في الأمة وعليه – يا الله . تفضل يابه هذا المظروف فيه مكافأتك. هذه ساعة الطيارين هدية لك. يا أهلا وسهلا وسلم لي على ابيك الوطني هههه،وعلى كل أخوتك في الجبهة. استلمت المظروف والساعة واديت لتحية فأنتفض رأس عضوي المحتقن عندما رفعت يدي وضربت بقدمي الأرض للتحية العسكرية كالجنود البواسل والفرسان. انفتح صمام الصنبور وتدفق البول على بنطلوني الجديد في منتصف قاعة الرئيس” ص208

  • * الخاتمة

عبر الروائي عن الموقف السياسي المرتبك للعراقي تجاه رئيس النظام السابق صدام حسين بروح انتقادية كما عبر ايضا عما اصاب العراق من جراء الاحتلال وتداعياته على الوضع الامني والخدمي وحالة عدم الاستقرار لم تخلو الرواية من المتعة والتشويق ونحن نتابع سردية المدعو صدام حسين فرحان والمفارقات التي صادفته بسبب تشابه الاسم، وضخ الروائي بعض المشاهد الرومانسية والعاطفية هنا وهناك، فهي رواية تاريخية وسياسية لا تشبه غيرها من الروايات.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here