حمدي العطار: الحضارة وفلسفة التاريخ للدكتور “محسن محمد حسين”

بغداد – حمدي العطار

كتابة التاريخ أو أعادة كتابة التاريخ

– قبل أن ابدي أعجابي بأراء الدكتور “محسن محمد حسين” وبذكاء من أجرى الحوار معه (سعدون هليل) بودي أن اتكلم عن التاريخ اولا كمنهج يدرس في المدارس لغاية الثانوية ويسمى (بالتاريخ الرسمي) وهذا النوع من المادة التاريخية يكتب من قبل السلطة ويظهر كل ما هو ايجابي ومفيد لوحدة المجتمع والحفاظ على النسيج الاجتماعي ويعزز روح الوطنية وحب الوطن والاعتزاز بالاصول او الجذور ،كما اتقبل اخفاء والتستر على العيوب والسلبيات والفظائع التاريخية من خلال عدم التركيز عليها لأنها قد تخلق الفرقة والتمزق المجتمعي وعدم التماسك! ثانيا التاريخ الذي يدرس في الجامعات ويسمى (التاريخ الاكاديمي) في هذا النوع يكون الطفل والصبي والمراهق قد أصبح ناضجا فلا بأس أن تحتوي مادة التاريخ كل ما تم أخفاؤه في مراحل الدراسة الاساسية،ومن الافضل أن يكون التاريخ ساحة مفتوحة لكشف وتصويب كل السلبيات والفظائع والخصومات ليس لأحياء العداوة والاخذ بالثأر بل لغرض الاستفادة من تجارب التاريخ ! وهناك نوعا ثالثا من التاريخ المؤثر يسمى (الذاكرة الجمعية) وهي غالبا شفاهية ونسمعها من أناس نثق بهم ونحبهم وهذه هي الخطورة في السرديات التي تنتمي لظاهرة الذاكرة الجمعية لأن الراوي لم يدرس التاريخ ولن يفهمه، هو فقط او يتكلم عن وجهة نظره أو عن حادثة عابرة لا يمكن الاعتماد عليها او التحقق من صحتها،غالبا ما نسمع من أبائنا وأجدادنا بأن مثلا (نوري السعيد) كان شخصية طيبة ومتواضع وطيب، بينما التاريخ يكتب صفات أخرى لهذه الشخصية!

*  القراءات التاريخية المتعددة

لازلت بحاجة الى توضيح تلك القراءات الخاطئ منها والصائب،فالمدرسة المثالية كانت ترى تطور التاريخ هو عبارة عن سلسلة من الأحداث تحملها الافكار الشخصية ،بينما ترى المدرسة المادية الماركسية (جدل المادية التاريخية) على أن التاريخ تشكيلة أقتصادية وأجتماعية ،وسائل الانتاج تمثل البنى التحتية، وعلاقات الانتاج تمثل البنى الفوقية (الفن – الفلسفة القوانين- أنظمة الحكم – السياسة) الجلية ترقى الى مستوى اليقين ،وهي من وجهة نظر ماركس التاريخ يتقدم الى الامام ولا يرجع الى الخلف، ولنضرب مثلا فأمريكا لا يمكن الى تعود الى النظام الاقطاعي لأن التشكيلية الاقتصادية والاجتماعية تغييرت جذريا بما لا يتناسب ووجود نظام متخلف كالنظام الاقطاعي!

أما عيوب القراءات التاريخية (الثلاث) فهي، التاريخ المدرسي (الرسمي) طالما يتجاهل بعض الحقائق التاريخية فهي قراءة فيها فجوات وفراغات، اما قراءة التاريخ عبر (الذاكرة الجمعية) فهي تنشط انفعاليا عند التغييرات السياسية والهزات الاجتماعية فتقوم بتسليط الاضواء على التاريخ (الاسود) للشعوب وتتنكر الى الجانب المشرق منه،كما أنها تثير الصراعات تحت رايات قديمة خطيرة!

ما تبقى هو (التاريخ الاكاديمي)  الذي من المفروض أن يكون افضل القراءات ،ومن هذا المنفذ دخل الدكتور (محسن محمد حسين) حول نتاجه في التاريخ والفكر اكاديميا عند نيل شهادة الدكتواره، ومن خلال تأليف الكثير من الكتب التي تتناول (تاريخ اربيل-جيش صلاح الدين يوسف في اطروحة- ابن شداد ورسائل القائد – طبيعة المعرفة التاريخية وفلسفة التاريخ- التاريخ وهل هو ضمن الاداب- توينبي يسأل- تينبي يجيب)

*سعدون هليل محاور ذكي

صدر عن دار الجواهري للنشر والتوزيع  – المتنبي – ودار العودة للنشر والتوزيع بيروت – لبنان كتاب (الحضارة وفلسفة التاريخ) حوارات مع الدكتور “محسن محمد حسين ” أجراها سعدون هليل،ويقع الكتاب في 327 صفحة من الحجم المتوسط،وجاء في مقدمة الكتاب بقلم سعدون هليل “في الخطبة التي القاها انجلز في مأتم ماركس قائلا (وكما أكتشف دارون قانون تطور الطبيعة العضوية،فقد أكتشف ماركس قانون تطور التاريخ لانساني) لذلك نقول أن :- (التاريخ ما هو ألا الانسان الساعي وراء أهدافه)

*الاسقاطات التاريخية المعاصرة

الاسقاطات للشخصيات التاريخية وعصرنتها وأنعكاسها على الوضع الحالي يمثل منتهى الخطورة،فمن أتخذ موقفا قبل مئات السنين  ضمن معطيات ذلك الزمان علينا ان لا نقلده ونفكر بعقليته ولا نلومه ونحاسب من يتشابه معه ببعض الملامح العقائدية، فالموقف من صلاح الدين الايوبي والذي كان موضوعا لأطروحة الدكتور “محسن محمد حسين” وكان مثيرا للجدل المخفي قوميا واسلاميا لا يمثل الموقف وقت مناقشة الاطروحة سنة 1981 بل كان له اسقاطات من الماضي البعيد عندما كان صلاح الدين يقود حملته في الحروب الصليبية ليحرر اراضي عربية وهو كان كرديا،ولا يستحق لوم الاكراد لصلاح الدين الايوبي لأنه لم يحقق لهم أمنيتهم القومية، متناسين عدم وجود (وعي قومي)في ذلك الوقت وكان الولاء فقط للخليفة،حتى المغولي وغير العربي عليه أن يلبس الزي العربي والاسلامي ،والتفكير بهذا الاسلوب يعد مغالطة تاريخية كبيرة!!كما أن التحفظ الذي يبديه بعض العرب المتعصبين عند الحديث على صلاح الدين الايوبي لا يمكن قبوله لأنه ليس مطروحا في زمانه قضية (التعريب) للعناصر غير العربية،بل كان الاسلام أمميا!

*اصول الكتابة التاريخية

أنصار الفكر الديني لا يرون في التاريخ الا مرآة للاحداث والشخصيات الدينية (تاريخ الاديان) هو اصل التاريخ، لكن الفكر الديني البسيط أو دين التوحيد كان يملك نظرة للكون ومحاولة لتفسير كل الظواهر التاريخية من ارتباطها بالالهة او الله، فكان يرى بالبراكين والزلازل والفيضانات  والحروب ما هي ألا عقوبات الهية وغضب يمكن تلافيه بالايمان والعبادة، كما يؤمن بأن ارواح تسكن الاشجار والرياح وكل شيء،وهناك من يرجح بأن التاريخ جزء من الادب الا اننا اطلعنا على التاريخ مثلا الاسلامي من الطبري وهذا لايكتب التاريخ بشكل جنس ادبي بل يقوم بسرد متسلسل زمنيا للاحداث وأخبار الموتى والحروب وغيرها، على الرغم من روايات جورجي زيدان وهي 30 رواية من التاريخ الاسلامي وكذلك روايات نجيب محفوظ عن تاريخ مصر الفرعونية ومسرحيات احمد شوقي وكتابات صلاح عبد الصبور عن الحلاج الا انها روايات استمدت المعلومات من التاريخ،واعادة صياغتها ادبيا.

*التاريخ ليس هو تاريخ الاديان

يرى الباحث ان اصحاب ضم التاريخ الى العقيدة الدينية ، يرون أن “أهتمام الانسان بالتاريخ خاضع للمؤثرات الدينية، وكان التاريخ يقع ضمن هذه المعتقدات ،وكانت حوادثه التي سجلت تبدو وكأنها ليست من صنع البشر،وأبطال القصص كلهم من الالهة، والدين الظاهرة الوحيدة الجديرة بالتسجيل ..أو أن التاريخ مسرحية ألفها الله ويمثلها الانسان” وجاء الاغريق واعلنوا ان (التاريخ ليس من قبيل الأساطير) –بل اسئلة تتعلق بشؤون الأنسان، كما أنه ليس بالتاريخ الديني، وأنما هو تاريخ بني البشر، والمشاكل ليست من الالهة.

*موقع التاريخ من الادب والعلم

بعض المعنيين اعدوا التاريخ أدبا، يوضح الباحث هذه الاشكالية”ان طريقة عرض وتدوين احداث التاريخ كونه يعتمد على التعبير الكتابي الجذاب ..وأن من تصدى لتدوين الاخبار كانوا من رجال الاداب والعلوم ،ففي التاريخ الاسلامي هناك الجاحظ وابن قتيبة والدينسوري والعماد الكاتب الاصفهاني وابن المستوفي،ممن جمعوا بين الكتابة الادبية الفنية وبين عرض الاحداث التاريخية… ولم يكتب الخلود للشاعر الاغريقي العظيم هوميروس ولكتابه الملحمي “الالياذة” الا لأنه جعل من قصائده الاسطورية ولا سيما عن حرب طروادة مصدرا ثرا في دراسة تاريخ الاغريق اضافة إلى دراسة آدابهم وأساطيرهم ودياناتهم ولغتهم.

ويرى الدكتور بأن “هذه الامثلة لا تقف دليلا على أن التاريخ أدب،فالانسان قد يجد في كتابات بعض المؤرخين شيئا من خصائص الآداب وروعة البيان وعذوبة التعبير،إلا أن هذه المسألة تتعلق بالشكل المطلوب والاسلوب وليس بالمضمون” اما علاقة التاريخ بالعلوم، فالبعض يرى بأن من الممكن ان يغدو التاريخ علما من حيث انه مجموعة من المعلومات المنظمة، ويطبق منهجا علميا، ويتبع النقد النزيه والدقيق، وهو قد يكون على غرار علم النفس وعلم الاجتماع، ويرى الباحث بأن التاريخ “ليس علما مجردا،بل علم مشخص له مواصفاته المغايرة،فهو لا ينتمي بمعرفة عامة،بل بمعرفة بالحقائق المفردة،وأشار الباحث الى “أن الماركسيين قد جعلوا التاريخ علما يخضع لقانون يتحتم تطبيقه، هو قانون حركة المجتمع،ويفسرون التاريخ بجعل تطور المجتمعات من نظام اقتصادي الى آخر أكثر تطورا عبر الصراع الطبقي، وتطور نمط الانتاج عبر تطور وسائل الانتاج عبر العصور” ويأتي الدكتور بمقولات لمفكرين يرفضون اعتبار التاريخ علما،وما مقولة هيجل عن التاريخ في أن(الشيء الوحيد الذي يتعلمه المرء من التاريخ هو أن احدا لا يتعلم ابدا اي شيء منه) ويلخص الكاتب وجهة نظره قائلا “اننا وجدنا نفحات من العقيدة الدينية،وشذرات من الادب والفن الكتابي او الكتابة الفنية،وبهما وجدنا الاستعداد لكتابته بصياغة لا تختلف عن صياغة النظريات العلمية، اضافة إلى تفسير احداثه تفسيرا علميا فيما يسمى ب (فلسفة التاريخ) بتنظير تلك الاحداث،ألا أن التاريخ يبقى ليعلن أنه ليس ضمن العقيدة ولا الادب ولا العلم”

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here