حمدوك يبهر العالم.. لماذا يجب على السودانيين جميعاً أن يدعموه؟

محمد مصطفى جامع

“أقف أمامكم هنا اليوم، ممثلاً لإرادة شعبي الأبي، فخوراً بها وبه، وهو يمضي بخطىً واثقة وثابتة في طريقه نحو المستقبل، صديقاً وشريكاً متساوي الشراكة مع كل شعوب العالم المحبة للسلام”.. بهذه الكلمات استهلّ رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك خطابه أمام الدورة 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة الذي ألقاه فجر اليوم السبت، وانتظره السودانيون بلهفةٍ منقطعة النظير، فلأول مرةٍ منذ 3 عقود  يجد السودانيون أنفسهم ملتفين حول قائدٍ سياسي يفتخرون به ويتابعون خطواته أول بأول، بل لا أُبالغ إذا قلت إن الإجماع والسند الشعبي الذي وجده رئيس الوزراء الانتقالي عبدالله حمدوك لم يحظَ به أي زعيم سوداني في التاريخ الحديث، فقد كان الرجل نجم الجمعية العامة للأمم المتحدة أذ أجرى أكثر من 40 لقاءً مع زعماء وقادة عالميين، ووجوده دفع الرئيس الفرنسي إلى الإشادة بالثورة السودانية ونضال الشعب السوداني وصموده من أجل الحرية وإزالة نظام الطاغية.

رغم عِظم التحديات والمسؤوليات وقِصر مدة الفترة الانتقالية، فإن الأمل والتفاؤل يظللان الغالبية العظمى من أطياف الشعب السوداني الذي استبشر خيراً بإسقاط نظام الدكتاتور عمر البشير بثورةٍ شعبيةٍ تغزّل فيها العالم أجمع لصمودها وسلميتها التامة لأشهرٍ طويلةٍ، رغم أنها قُوبلت بوحشيةٍ منقطعة النظير من أمن النظام البائد وأجهزته الباطشة.

حتى بعد أن سقط نظام المخلوع البشير في ال11 من أبريل/ نيسان الماضي، حاول قادة المجلس العسكري المحلول الذي خلع البشير، الالتفاف على مطالب الثورة بدعمٍ من المحور العربي المناهض للثورات “السعودية والإمارات ومصر”، بعدة أساليب أغلبها كان استنساخاً لتجربة النظام البائد في الحشود الجماهيرية المصنوعة، والإكثار من نظرية “المؤامرة” التي زعموا أن البلاد تتعرض إليها، وأنه من الضروري أن تظل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في صدارة المشهد السوداني خلال الفترة القادمة.

وعقب زيارات قام بها رئيس المجلس العسكري المحلول عبدالفتاح البرهان ونائبه حميدتي إلى عواصم تلك الدول، تورّط المجلس وقادته باعتراف المتحدث باسمه شمس الدين كباشي ــ في مذبحة القيادة العامة التي راح ضحيتها نحو 130 من الشباب، وخلّفت مئات الجرحى وعشرات الفتيات المغتصبات، ولا تفسير للمجزرة الدموية الصادمة سوى أن مجلس البرهان وحميدتي تلقّى تعليمات من قادة هذه الدول بفض الاعتصام حتى يخلو لهم الجو وينفردوا بحكم البلاد كما فعل الرئيس عبدالفتاح السيسي بمصر عقب مجزرة رابعة.

لكن ما حدث في السودان خيّب آمال الجنرالات، فقد حققت مليونية 30 يونيو التي دعا إليها الثوار نجاحاً هائلاً رغم قرار قطع خدمة الإنترنت الذي تم منذ يوم المجزرة “3 يونيو” حتى لا تتسرب الصور والفيديوهات للفظائع التي ارتكبتها مليشيا الجنجويد بقيادة حميدتي بحق المعتصمين في نهار رمضان، وتردد آنذاك، أن المجلس العسكري ذُهل تماماً من الأعداد المهولة التي خرجت في يوم المليونية بعدما كان يرتب للانقلاب على قوى الحرية والتغيير بتشكيل حكومة من اختياره والانفراد بقيادة البلاد وفقاً لنصائح زودته به الدول التي ترعى الثورات المضادة، ولكن المليونية أربكت حساباتهم جميعاً ووجدوا أنه لا مفر إلا بتقديم تنازلات حقيقية لقوى الحرية والتغيير، وهو ما تم لاحقاً بتوقيع اتفاق تاريخي قضى بتقاسم السلطة السيادية بين العساكر والمدنيين مع منح قوى الحرية أغلبية بسيطة في المجلس السيادي، إضافةً إلى تشكيلها حكومة مدنية يقودها رئيس وزراء بكل الصلاحيات التنفيذية، إلى جانب استحواذها “الحرية والتغيير” على نسبة 67% من المجلس التشريعي الانتقالي.

وبعد أدائه اليمين الدستورية وتشكيله للحكومة الجديدة، حددّ رئيس الوزراء عبدالله حمدوك معالم سياساته الداخلية والخارجية لتتمثل في إعطاء الأولوية لرفع اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب الذي اعتبره مفتاحاً أساسياً لجذب الاستثمارات الأجنبية والسماح للبلاد بالحصول على حزمة إنقاذ مالية مطلوبة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

واستحوذت قضية رفع اسم السودان من القائمة الأميركية على معظم نقاشات حمدوك، فقد جاء في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فجر اليوم السبت، أن “الشعب السوداني لم يكن راعياً أو داعماً للارهاب”، وقَطَع بأن “نظام المخلوع عمر البشير الذي انتفض وثار عليه الشعب حتى خلعه هو من كان داعماً للإرهاب”. ودعا رئيس الوزراء، الولايات المتحدة الأمريكية  إلى رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب وعدم مواصلة عقاب “شعب السودان بجريرة نظام كان هو المتضرر الأول منه والفاعل الرئيسي في الإطاحة به وتخليص العالم من شروره”.

مشاركة حمدوك في فعاليات الدورة 74 من الجمعية العامة للأمم المتحدة كانت محط فخرٍ وإعزازٍ كبيرين للمواطنين السودانيين، الذين عانوا من العزلة الدولية طيلة سنوات النظام البائد، فقد كانت آخر مشاركة سودانية على مستوى رفيع عام 2010 عندما خاطب الجمعية العامة نائب الرئيس المعزول “آنذاك” علي عثمان طه غير أنها لم تحظَ ولا بنسبة 1% من الاهتمام الذي وجدته مشاركة حمدوك في هذه الدورة.

على المستوى الداخلي، يبدو رئيس الوزراء السوداني أكثر اهتماماً بالشأن الاقتصادي، لتخصصه فيه ولأنه كان المحرك الأول للثورة ضد نظام البشير إذ تردت الأوضاع الاقتصادية جراء الفساد والمحسوبية والظلم بصورةٍ لم يعد يحتملها أحد، واستعصى على المواطنين الحصول على الاحتياجات الغذائية الأساسية. وإلى جانب الشأن الاقصادي تواجه حكومة حمدوك عدد من التحديات أهمها تحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في مجزرة القيادة العامة، وكل الجرائم المرتكبة في حق الشباب منذ اندلاع الثورة فضلاً عن محاكمة رموز النظام البائد واسترداد الأموال المنهوبة.

على الصعيد الخارجي لا يبدو رئيس الوزراء السوداني مهتماً  بالانضمام إلى أحد المحاور الإقليمية الموجودة حالياً.. لا المحور السعودي الإماراتي ولا المحور القطري التركي، فهو قد أوضح من اليوم الأول انفتاحه على علاقات متوازنة مع جميع دول العالم، تراعي مصلحة السودان وشعبه، وهذه كانت إحدى المبادئ التي قامت عليها الثورة السودانية، وقد وردت بالنص في إعلان الحرية والتغيير الذي توافقت عليه قوى الحراك الثوري. وجدد حمدوك التأكيد على هذا الالتزام في خطابه أمام الجمعية العامة عندما قال “نؤمن بأن العلاقات بين الدول ينبغي ان تُبنى على أساس خدمة المصالح المشتركة والتعاون الايجابي من أجل مصلحة الشعوب”. ومن المؤكد أن هذه الرؤية تتصادم مع أهداف المحور السعودي الإماراتي فهو يتبنى سياسةً تقوم على عزل المحور الآخر.. تشويه صورة قطر أمام العالم ودمغها بالإرهاب والتطرف لدفع أكبر عدد ممكن من الدول على الانضمام إلى الدول المقاطعة لها، بينما تهتم أنقرة والدوحة فقط بالحفاظ على مصالحها مع دول العالم من دون أن تطلب من أحد قطع العلاقات مع هذه الدولة أو تلك.

قلنا، إن حمدوك يحظى بشعبية غير مسبوقة في التاريخ السوداني الحديث، لكنه في الوقت ذاته يواجه حملةً شعواء من منسوبي النظام البائد والمتحالفين معه من تيارات الإسلام السياسي كحزب المؤتمر الشعبي وتيار نصرة الشريعة والإصلاح الآن، رغم ترحيب بعض قادة هذه الأحزاب بتشكيل حكومة حمدوك، إلا أن المتأمل للمشهد الإسفيري السوداني يجد حملةً منظمةً واضحة تقوم بها الأذرع الإعلامية والكتائب الإلكترونية للنظام البائد بهدف بث الشائعات السالبة وتشويه صورة الحكومة الجديدة أمام الرأي العام السوداني والعمل على إفشال خططها. فمعظم هذه الأقلام تلعب على وتر “علمانية الحكومة الجديدة” وأن أعضائها أعداء للدين الإسلامي، في محاولة منهم لاستدرار عواطف الشعب السوداني رغم أن الحكومة الجديدة “انتقالية” مهمتها فقط تسيير الدولة حتى كتابة الدستور الدائم وقيام الانتخابات التي تحدد وضع السودان مستقبلاً، صحيح هناك تصريحات مستفزة وغير موفقة خرجت من بعض الوزراء الحاليين لكن علمانية الدولة من إسلاميتها أمرٌ غير مطروح للنقاش في الوقت الراهن، وحمدوك أذكى من أن يورط نفسه في قضايا جدلية في وقتٍ حساسٍ كهذا.

وبخلاف ذلك، يواجه رئيس الوزراء حمدوك تحدياً داخلياً من الجنرالات العسكريين الذين لن يعجبهم حتماً سحب الأضواء منهم والالتفاف الشعبي الكبير حول رئيس الحكومة  والدعم الدولي الذي وجده، ففي هذا كبح جماح لطموحاتهم التي كانت ترمي إلى الاستئثار بالسلطة، وتطبيق نظام حكم دكتاتوري جديد في السودان، كما أن لديهم هواجس متنامية من إمكانية الملاحقة القانونية فهُم يدركون أنهم متورطون في مجزرة القيادة العامة التي تم التخطيط لها باجتماعاتٍ متصلةٍ حسبما أفاد المتحدث الرسمي باسم المجلس العسكري المحلول شمس الدين كباشي في اعتراف مسجل بالصوت والصورة، وقضية المحاسبة الجنائية للمتورطين في المجزرة يشكل تحدياً إضافياً لعبدالله حمدوك ليس أمام العسكريين فقط بل أمام الشعب أيضاً،  فالجنرالات ــ في نظر السودانيين ــ متهمون بإعطاء التعليمات لفض الاعتصام وبالتالي هم مسؤولون عن كل ما حدث من قتلٍ وتعذيبٍ واغتصاب.

لذلك نقول، إن التحديات الجسام التي يواجهها رئيس الوزراء حمدوك تتطلب استمرار الالتفاف الشعبي حوله، والصبر على الأوضاع التي ما تزال سيئة إلى حد كبير، فكأنّ لسان حاله يقول “استمد قوتي ــ بعد الله ــ منكم ومن دعمكم وتشجيعكم.. لا تتركوني وحيداً”.

نعم.. لدينا ملاحظات عديدة على الاتفاق مع المجلس العسكري المحلول، وأولها فكرة الشراكة مع الجنرالات الذين كانوا مقربين من البشير، ووجودهم أعضاءً بالمجلس السيادي أكبر دليل على عدم اكتمال أهداف الثورة، لكن طالما أن الأمر أصبح واقعاً أليماً، ليس لدينا خيار غير دعم حمدوك والالتفاف حول حكومته حتى تصل بنا إلى بر الأمان، رغم أنها “الحكومة” تضم أشخاصاً ليسوا قدر التحدي، فالبديل في حال فشل حمدوك أو فقد الثقة الجماهيرية، سيكون حدوث انقلاب جديد “ليس بالضرورة أن يكون عسكرياً” بدعمٍ من الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة، وحينها سيعود حمدوك إلى مسكنه الراقي في ضاحية ساربيت بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وتعود بلادنا إلى عهد شموليّ مظلم من جديد لنقول حينها وداعاً للتحول الديمقراطي المنشود.

كاتب وصحفي سوداني مهتم بالشؤون الأفريقية

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. يبدو أنك من مواطني إحدى دول الجوار المتأثرين بإعلام نظام المخلوع.. كان البشير يرفع شعارات الاسلام وهو أبعد ما يكون عن تعاليمه السمحة.. يسرق ويقتل ويعذب ويفسد في الأرض باسم الاسلام وأنت تعلم انه يحاكم اليوم بتهمة 25 مليون دولار تلقاها رشوة شخصية من ابن سلمان والملايين من أبناء الشعب السوداني يتضورون جوعا!! فهل الاسلام يرضى بذلك؟
    دعك من جرائم الإبادة الجماعية وقتل المتظاهرين والإفساد في الأرض هذه كلها قضايا تنتظره وتنتظر كل أعوانه “الإسلاميين” في الحزب البائد.
    كلنا قرأنا الإعلان الدستوري وليس به ما يشين، أما قضية الشريعة التي يتاجر بها المخلوع وفلول النظام البائد فأقول لك كما قال الكاتب.. الوضع الحالي لن يتغير في الفترة الانتقالية ولن أقول لك الشريعة لأنني ومعظم أبناء الشعب مقتنعون أن الشريعة الاسلامية لم تكن مطبقة أبدا في السودان بل كانت تسوده شريعة الغاب والظلم والقتل والفساد باسم الدين وديننا الحنيف منهم براء.
    رضيت أم غضبت.. حمدوك الآن يمثل رجل المرحلة بخلقه وكفاءته وأدبه الجم شتان ما بينه وبين مجرم جاهل غبي يخدع الناس باسم الدين!
    لن ينجح أذيال النظام البائد ولا المغرر بهم في تشويه صورة رئيس الوزراء حمدوك بمزاعم الشيوعية والعلمانية وغيرها فهذه فزاعة تجاوزها الشعب السوداني من انطلاقة الثورة المجيدة في ديسمبر 2018!!

  2. (انا للله و انا اليه راجعون )
    يعني انت فرحان جدا بحمدوك و سردوك و البقية الشيوعية !!؟؟ يبدو والله انك و انهم خارج تغطية بحيث لم تدركوا ما حدث للسودان و لشعبه المغرر به !!؟
    هل قرات الاعلان الدستوري ؟ ام فرحان بالالعب النارية في العيد ؟ والله انتم اسبحتم مضحكة ..! القو الاجنبية املت عليكم ارادتها و فرضت هدا الاعلان الدستوري الدي هو شر لكم و البشير ارحم بكثير من حمدوك او دموك .!
    شكرا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here