حمدات لحسن: المغرب بين التقويم والتعويم

hamdat lahsan

حمدات لحسن

عرف المغرب في بداية الثمانينات من القرن الماضي سياسة اقتصادية سميت آنذاك” بالتقويم الهيكلي ” ارتكزتعلى سياسة التقشف كارتفاع رسوم التسجيل في قطاع التعليم وارتفاع الضرائب على القيمة المُضافة للموادالغدائية وضريبة “التضامن الوطني ” وتخفيض تكاليف الاستثمار وخفض المناصب المالية المخصصة للتشغيل والدعم لصندوق المقاصة ،ولعل هذه الوضعية سببها راجع بالأساس إلى سنوات الجفاف العجاف التي مرت منهاالمملكة اضافة إلى الفساد والبيروقراطية التي تنخر جسم البلد علاوة على ارتفاع سعر الدولار وتكاليف المديونية الخارجية ثم حرب الصحراء وتكاليف حجم الإنفاق العسكري ،كل هذه المسببات وغيرها زادت من إتساع رقعةالإحتقان الإجتماعي وسادت الإحتجاجات وسط المدن والأرياف خصوصا منطقة الشمال والوسط كالناظوروالحسيمة وتطوان ومراكش وغيرها إنتهت بالقمع والسجن وحظر التجوال عرفت بعد ذلك بسنوات الجمروالرصاص.

بعد هذه المرحلة المقلقة والصعبة التي دامت حوالي عشر سنوات عرف فيها إقتصاد البلاد مراحل كثيرة وتقلباتإقتصادية كبيرة تدخلت فيها الدولة بمجموعة من الخطط والإستراتيجيات الاقتصادية وبعض الإصلاحات البنيوية ،وكان ذلك في منتصف الألفية الثالثة كالتفكير في تطوير وتقوية العملة المغربية عن طريق ” حل الإرتباط ” معالعملات الأجنبية كاليورو والدولار الأمريكي أو مايعرف ” بتعويم الدرهم “أو تحريره والإستغناء عن سعر “الصرف الثابت ” الذي كان يثقل كاهل البنك المركزي في تخصيصه إحتياطيا دائما من العملة الصعبة للحفاظ علىالتوازن والثبات أمام سلة من العملات الأجنبية .

كما يشهد الإقتصاد المغربي منذ الإستقلال تذبذبا كبيرا كغيره من دول العالم الثالث بسبب إرتباطه بالخارج وارتفاعحجم الواردات من المواد الأولية كالبترول والقمح وغيرها في المقابل ضعف الصادرات المغربية كالفوسفاتوالخضروات ومواد الفلاحة ، علاوة على العجز الدائم للميزان التجاري وميزان الأداءات وإنفاذ إحتياطي العملةالصعبة ناهيك عن الأسباب التي أسلفنا ذكرها آنفا .

فهذا النظام الصرفي العائم يحدده التوازن بين قانون” العرض والطلب ” ويدفع الدولة والفاعلين الاقتصاديين إلىمحاربة التضخم والرفع من ضبط السياسة النقدية وتوجيهها الى حماية الصناعات المحلية وتقويتها وتشجيع الإستثماروتدعيم البنية التحتية وتنويع موارد الإقتصاد الوطني وتوسيع هامش الحريات العامة ذات طبيعة إقتصادية وترسيخالشفافية والتهرب الضريبي من طرف بعض رجال الأعمال .

وإجمالا إختلفت الآراء حول إيجابية الخطوة وسلبيتها ،حيث هناك من يرى أن سياسة ” تعويم الدرهم” هي خطوة محفوفة بالتحديات والمخاطر كإرتفاع أسعار البترول العالمية والمواد الأولية المستوردة وإستنزاف خزينة الدولة منالعملة الصعبة التي لاتتجاوز خمسة وعشرون مليار دولار حاليا وإحتياطي الذهب في الخزينة العامة للمملكة الذي لايتجاوز هو الآخر ألفين طن وهو ماسيدفع بالدولة إلى الإستدانة الخارجية وتزيد الطينة بلة .

فالمغرب يوصف بأنه ” تلميذ نجيب لصندوق النقد الدولي الذي يفرض عليه شروطا تكون مجحفة أحيانا ولا تراعيالبعد الإجتماعي ولا الإقتصادي لهذه السياسات المالية ولعل هذه الخطوة المغامرة غير المحسوبة المخاطر ستكونآثارها سلبية كحالة “جمهورية مصر العربية ” الذي إرتفع فيها الدولار الأمريكي إلى عشرين جنيه بعدماكان سبعة جنيهات ، وهناك من يرى أن هذه الخطوة التي ستطبقها المملكة بشكل تدريجي طيلة عقد من الزمن ستكون لهاإنعكاسات جد إيجابية خصوصا على مستوى المواطن العادي ثم محاربة التضخم ومستوى الإستثمار وإنعاش مجالالتشغيل وتشجيع السياحة وضبط التوازنات الماكروإقتصادية وخلق تنافسية بين المقاولة الوطنية واستعادة الثقةللفاعلين الإقتصاديين والمتدخلين الماليين والشركات الكبرى المغربية وبالتالي إنتعاش الإقتصاد الوطني.

عموما يجب أن تقوم الدولة بإجراءات إحترازية ووقائية وإستباقية لكي تنجح الخطة كالبحث عن أسواق جديدة خاصة بعد عودة المغرب للإتحاد الإفريقي وتكون مسؤولة عن خطوة ” التعويم والتحرير ” أمام المواطن كمراقبةالسوق وتوفير السيولة وميزان الآداءات ومواكبة كل تدخلات البنك المركزي ومكتب الصرف كإعداد تقارير سنويةلتقويم الإعوجاج وسرعة التدخل من طرف البنك المركزي لحماية كل الإختلالات المُحتملة وكذلك يستوجب توفير “حاضنة ملائمة” لهذه التقنية كمحاربة المافيا وسماسرة العملة الصعبة وتهريبها أو المضاربة عليها ،علاوة علىالإهتمام بالبنية التحتية لجلب الإستثمار خصوصا أن عاهل البلاد دعا في إحدى خطبه السامية الأخيرة إلى إصلاحمراكز الإستثمار الجهوية إضافة إلى خطة محاربة الفساد .

وفي الأخير يبقى سعر “الصرف العائم ” خاضع لتقلبات السوق العالمية ويبقى المواطن في حيرة من أمره وتيه واضح بهذا القرار المفاجئ الذي لا يعرف عواقبه ولم يستشار في إتخاذه آصلا ،

وليس لدى المواطن إلا إبتداع النكت والسخرية من التعويم في هذا الجو البارد .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here