حماد صبح: هل أخطأ الفلسطينيون بعدم مشاركتهم في مباحثات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل؟!

حماد صبح

لمناسبة انقضاء 40 عاما على توقيع اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في 17 سبتمبر 1978 التي صودق عليها نهائيا في مارس 1979 ؛ ظهرت مقالات كثيرة عنها ، ومنها ما كتبه الباحث الإسرائيلي أنزسكا في ” نيويورك تايمز” والذي صدرله مؤخرا كتاب “منع فلسطين: تاريخ سياسي من كامب ديفيد إلى أوسلو”، ويبين أنزسكا في مقاله كيف نجح بيجن رئيس وزراء إسرائيل حينئذ في فرض رؤيته في الموضوع الفلسطيني في الاتفاق ، فلم يُنَص فيه إلا على حكم ذاتي دون إشارة واضحة إلى حق تقرير المصير. ويكاد الكاتب يقع في تقرير أن السادات تساهل في الموضوع الفلسطيني ، ونقول ” يكاد ” ؛ لأنه يشير في نفس الوقت إلى أن السادات ” كان مدافعا قويا عن الفلسطينيين”، وأنه ” فتح المجال دون قصد لاتفاق ثنائي”.

ومن زاويتنا نرى أن منظمة التحرير الفتحاوية الهيمنة أخطأت حين رفضت المشاركة في تلك المباحثات بعد أن وضع لوفدها مقعد بعلم في قاعة الاجتماعات بفندق مينا هاوس بالقاهرة بإصرار مصري وأميركي أمام رفض إسرائيلي مبدئي لكون مصر وأميركا في ذلك الحين كانتا لا تتصوران إمكان عقد مباحثات وإبرام اتفاقات بين مصر وإسرائيل بالقفز على الموضوع الفلسطيني ، وفي وجه رفض بقية العرب وإن كان رفض بعضهم كذبا ونفاقا . رفض منظمة التحرير المشاركة في المباحثات قدم لإسرائيل  كل ما تريده : تغييب الطرف الفلسطيني وقضيته ، فانفتح الباب أمامها للاستفراد بالموقف المصري . كانت مصر في ضائقة اقتصادية طاحنة جسدها السادات بكلماته : ” نحن نأكل من لحمنا”.

وقصد دولة خليجية طلبا لدعمها المالي، وانتقل إلى دولة خليجية ثانية ، وفي الطريق ، ويبدو أن ذلك حدث بالتقاط مكالمة بين حاكم الدولة التي انتقل منها إلى حاكم الدولة التي انتقل إليها ، قال حاكم الدولة الأولى لحاكم الدولة الثانية: “جاءكم الشحاد”، فغضب السادات ، وله كل الحق ، غضبا عارما ، وكانت تلك من بين الدوافع الكثيرة والكبيرة التي أثرت على قراره بالاتجاه إلى المصالحة مع إسرائيل العدو التاريخي اللدود . لم يكن السادات ، ولا مصر كلها دولة وشعبا ، يريدون صلحا منفردا مع إسرائيل . كانوا يريدون إنهاء الصراع معها بحل مناسب للقضية الفلسطينية . وأثناء المباحثات أصر  السادات على رفض العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل إلا بعد 25 عاما من توقيع الاتفاق ، وكانت هي تعرف نقاط ضعفه لوجوده وحيدا بعيدا عن العالم العربي ، فشددت الضغط عليه ، وكان لها ما أرادت في الاتفاق ، وأكثر مما أرادت.

لو أن الفلسطينيين والعرب وقفوا صادقين وراءه لما استطاعت إسرائيل الاستفراد به . سلم الفلسطينيون والعرب ورقة مصر الكبيرة إلى إسرائيل بكل تهاون وحماقة وانعدام مسئولية ، ولم يستغلوا تلهف إسرائيل الناري على إخراج مصر من معادلة الصراع العربي معها . وقال عرفات عن الحكم الذاتي للضفة وغزة الذي جلبته مصر مبدئيا ، ولم تستكمل مباحثاته ، إن الفلسطينيين لا يقبلون أن يكونوا مسئولين عن الصرف الصحي فقط في بلادهم ، وهو ما قبلوه بعد ذلك في اتفاق أوسلو الذي وقعوه بأنفسهم .

وأوضحت إسرائيل عند عودة عرفات إلى الأراضي الفلسطينية أنه لن يكون أكثر من رئيس بلدية ، وكان في الحق أقل من ذلك . وعنوان كتاب الباحث الإسرائيلي أنزسكا يبين أن فلسطين ضيعت في كامب ديفيد وضيعت في أوسلو ، وفي رأينا أن ضياعها في أوسلو كان أشد وأخطر.  ونعتقد أن الحكم الذاتي الذي جاء به السادات وفاوض عليه وسط صيحات استهجان منظمة التحرير الفلسطينية أفضل من الحكم الذاتي الذي جلبته المنظمة في أوسلو ، وأهم عناصر أفضليته أن الفلسطينيين لم يقدموا  فيه أي تنازل لإسرائيل مثلما فعلوا في أوسلو الذي أقروا لها فيه بشرعية امتلاكها 78 % من أرضهم، وأن الباقي منها أرض متنازع عليها . ومن عناصر أفضليته كذلك أن مصر كانت ملتزمة بتنفيذه ، وهي دولة تحسب لها إسرائيل كل حساب ، وتتجنب عداوتها وإغضابها ، أي كان من صالح القضية الفلسطينية أن تظل ملتصقة بالموقف المصري ، وضيع هذا بمعارضة منظمة التحرير للمباحثات وللاتفاق النهائي . وفي الحكم الذاتي الذي جاء به السادات بند ينص على أن للفلسطينيين حق الاعتراض على ما لا يقبلون به عند تقرير الوضع النهائي للأرض الفلسطينية المحتلة.

وكان كارتر مؤيدا لدولة فلسطينية ذات سيادة في الضفة وغزة ، وأضحت الإدارة الأميركية لبيجن عند زيارته واشنطون في ذلك الحين ضمن وثيقة مبادىء سلام : ” فيما يتعلق بيهودا والسامرة وغزة فإن موقفنا هو عدم بقائهما تحت حكم أو سيادة أجنبية ” .

معارضة منظمة التحرير الفلسطينية لمباحثات كامب ديفيد ، واضطرارها لمفاوضة إسرائيل بعد ذلك وهي في أسوأ أحوالها ضعفا ، أوصلانا إلى الهاوية الحالية التي سقطت فيها القضية الفلسطينية ، وصارت فيها ثانوية جدا في الاهتمام العربي والعالمي لكثرة ما تفجر من قضايا ومشكلات عالمية خطيرة وملحة ، ولضراوة الخلافات بين الفلسطينيين أنفسهم , وما تقدر على أخذه في زمن قد تعجز عن أخذ ما هو أقل منه في زمن تالٍ ، وقطار التاريخ لا ينتظر من يتجاهل مواعيد سفره . سأل جمال عبد الناصر ياسر عرفات بعد تصدي المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي عن الزمن الذي يمكن أن تحرر فيه المقاومة الضفة وغزة ، فأجابه أن التحرير قد يتحقق بعد 25 عاما ، فسأله : وهل تضمن بقاء الأرض فلسطينية بعد تلك السنين ؟! كان _ رحمه الله _ نافذ النظر .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here