حماد صبح: ما كان لمصر أن تغير الصورة في فيديو إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات

حماد صبح

من المألوف والمفهوم أن تتستر الدول على حقائق هزيمتها وخسائرها في الحرب، ومتعارف عليه أن الأرقام  التي تبثها الدول عن قتلاها وجرحاها خلال الحرب في الغالب ليست حقيقية حفاظا على معنويات القوات المحاربة والشعب وربما يتواصل التستر إلى ما لانهاية.

أما في الانتصارات فلا تستر من يتستر على نجاحه؟! لا أحد هذه بديهة سلوكية منطقية. مصر تصرفت منذ أيام خلاف هذه البديهية  حين نشر المتحدث العسكري المصري تامر الرفاعي فيديو للمدمرة الإسرائيلية إيلات التي أغرقتها البحرية المصرية في 21 أكتوبر 1967؛ بمناسبة الاختفال باليوم البحري العالمي بالإسكندرية. واضطر المتحدث سريعا إلى حذف العلم الإسرائيلي من صورة المدمرة، وواضح أن الحذف وقع بعد احتجاج إسرائيلي رسمي، وعبر عنه الإعلام الإسرائيلي في غضب شديد ، فطالب جاكي خوجي مخلل الشئون العربية في إذاعة الجيش الإسرائيلي رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع جانتس بالرد على نشر الفيديو وإلا فإنهما سيكونان مثل الكشاف الذي نام  خلال حراسته. ولم يأتِ على بال خوجي ما قاله نتنياهو في الذكرى السابعة والأربعين لحرب 1973 من انتصار إسرائيل في تلك الحرب على الأعداء، وأن الجيش الإسرائيلي كان قادرا على الوصول إلى القاهرة.

ولا نتوقع من خوجي العدو أن يأتي على باله كلام رئيس وزرائه المستفز لمصر والعرب. المتوقع والطبيعي كان ألا يغير أحد في مصر  صورة المدمرة إيلات في الفيديو بحذف العلم الإسرائيلي منها لتصبح مدمرة مجهولة. مصر بذلك تتستر على انتصار كبير لبحريتها ولجيشها ولذاتها. لم يكن تدمير إيلات مهمة سهلة بعد أربعة أشهر من انتصار إسرائيل الخاطف في 5 يونيو 1967، وفي جو عربدة الجيش الإسرائيلي، والإلحاح المتصل على معنويات العرب بأنه لا سبيل لقهر هذا الجيش، وأن العرب لن تهب لهم ريح قبل مائة عام مثلما قال ديان وزير دفاع إسرائيل في ذلك الزمان. وكانت قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على المسارعة لحماية إيلات التي دأبت بعد الحرب على دخول المياه المصرية شمال شرقي بورسعيد ؛ مانعا كبيرا في مهاجمة البحرية المصرية  أو سلاح الجو المصري لها. ومن استفزازات إيلات للقوات المصرية إطلاق نيرانها على الزوارق الحربية المصرية ليلة 11 / 12 يوليو.

وأخيرا قررت البحرية المصرية الانتقام منها، وإنهاء عربدتها، و”تفسحها “في المياه المصرية مثلما سمى جمال عبد الناصر تلك العربدة . فتحرك زورقان مصريان بقيادة النقيب أحمد شاكر من نوع كومر السوفيتي الصنع ، ويحمل كل زورق صاروخين من نوع ستيكس، سطح / سطح ، واقتربا منها مسافة 5 أميال بحرية   ، وأطلق أحدهما  صاروخا أصاب  خاصرتها ، فمالت ، وثني بصاروخ آخر  ، فغرقت ، وقتل 47 وجرح 91 من بحارتها الذين كان بينهم متدربون من الكلية البحرية الإسرائيلية يشرح وجودهم عمق الثقة والطمأنينة التي  يشعر بها سلاح البحرية الإسرائيلية تجاه عجز القوات المصرية عن المس بإيلات.

وهز تدميرها وإغراقها إسرائيل، وسمحت لها مصر بانتشال قتلاها وجرحاها ، وسحبها ، فردت جميل مصر بقصف من مدفعبتها المتمركزة شرقي القناة لمصافي النفط في الزيتية بالسويس محدثة خسائر قدرت ب 100 مليون جنيه مصري بقيمتها العالية في  ذلك الزمان . وفي الجانب المصري والعربي ، كان تدمير إيلات عيدا وطنيا وقوميا ، وتخاطف الناس صحف الصباح في المدن المصرية مبتهجين بالنصر المبين الذي شعروا بحجمه الكبير بعد شهور من مرارة الهزيمة الموجعة المذلة . وطلبت إسرائيل من فرنسا الإسراع في تصنيع الاثني عشر زورقا من نوع ساعرالتي تعاقدت على شرائها منها لاستعمالها في استفزازاتها وقتالها البحري دون تعريض المدمرة الثانية ” يافا ” التي لا تملك سواها إلى مآل إيلات .

وفي الحرب البحرية ، كان تدمير إيلات نقلة نوعية واسعة تمثل في استخدام الزوارق البحرية في هذه الحرب . وتدمير إيلات منجز كبيرفي تاريخ البحرية المصرية لها أن تفخر به لا أن تخفيه خضوعا لرغبة ونزوة عدو،  يظل عدوا مهما أسرف في الحديث عن السلام بينه وبين العرب. وهو إذ يتحدث عن السلام معهم يقصد استسلامهم لقوته وهيمنته . ودهش ، وله  أن يدهش ، روعي كييس مراسل الشئون االعربية في الإذاعة الإسرائيلية من سرعة تغيير مصر لصورة الفيديو بحذف العلم الإسرائيلي من فوق المدمرة لتبدو مجهولة الهوية . وإسرائيل من ناحيتها لا تتوقف  بين حين وآخر عن كشف منجزات مخابراتها وجيشها ضد العرب ، وأكثرها  جرائم  وحشية لا إنسانية فيها مثل قتل عالم عربي نووي أو قتل سياسي أو حتى كاتب. فلم تبدو مصر كأنها تعتذر لإسرائيل عن نشر تلك الصورة لانتصار بحري مصري مشرف ، لا جريمة فيه؟!

لا حدود لطلبات إسرائيل بوجوب ابتعاد العرب عن كل ما تقدره مسيئا لها مهما صغر وتفُه ؛ في الإعلام وفي المناهج التعليمية وفي الكلام الشفوي وفي الأغاني والأدب حتى نصبح أشباحا لا تلبث أن تختفي في قفار الجغرافيا وظلمات التاريخ لتزدهر هي وتسود على أنقاضنا. نحن في صراع مصيري  مع عدو مختلف عما عرفه تاريخنا من أعداء مثل التتار والصليبيين وإن تحالف مع أحفاد الصليبيين واستصدر  منهم أكثر عناصر قوته .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

6 تعليقات

  1. كيف لشمعة اضائتها البحرية المصرية في ذاك الزمان ان تنطفئ في هذا الزمان وهي لن تنطفئ على مر التاريخ فهي مضيئة في قلوب المصريين ويجب أن يراها هذا الجيل الذي لم يشاهد مرارة تلك الأيام.
    حياك الله استاذ حمادة صبح

  2. شكرا للاخ كاتب المقال..واحب ان اقول المصريين دايما متناسيين وبيتعمدوا يخفوا اي عمل شجاع قام به الزعيم عبد الناصر..هم معتبرين عبد الناصر سبب هزايمهم وانه سبب فقرهم لانه ساعد الثورة الجزائرية واليمنية والفلسطينية..وكل حركات التحرر في العالم..وهذا ماتبجح به السيسي مؤخرا .نسوا اوبيخفوا كل انجازات الزعيم عبدالناصر ابتداء من تأميم قناة السويس وبناء المصانع السيارات والصلب والحديد والانتاج الحربي وقانون الاصلاح الزراعي ومجانؤة التعليم والعلاج المجاني وحرب الستنزاف التي بدأها بع اسابيع من هزيمة حزيران وتم فيها تدمير المدمرة أيلات وغيره .فقط هم المصريين فاكرين انجازات ااسادات في اكتوبر 73..مع ان خطة الحرب وضعها عبد الناصر .لكن وافاه الاجل فبل احدوث حرب اكتوبر وعبور القنال.
    وبعدين ختمها السادات بمعاهدة الاستسلام اوكامب ديفيد كما يسموها.
    لذا لانستغرب من اخفاء غرق المدمرة ايلات..يمكن بعد فترة نشاهد عودة شركق قناة السويس للانجليز والفرنسيين واليهود بعد ان تم في فترة الانفتاح بيع القطاع العام وخصخصته باسم الاستثمار.
    الله يرحمك جمال عبدالناصر .رحلت ورحلت معك الكرامة والشهامة والرجولة واالاستقامة. ووصل بالعرب الحال الى الانبطاح للصهاينة ..بموتك ماتت العروبة والقومية والنخوة..

  3. السيد حماد صبح الفاضل… !!
    ماذا كنت تتوقع من النظام المصرى غير ذلك ؟؟؟ و خاصة أن من أمرهم بذلك الصهيونى المحتل ؟؟؟ الذين صدعوا رؤوسنا بدعمه للقضية المركزية للأمة العربية.. قضية فلسطين… و مازال هذا النظام يحاصر قطاع غزة و يذل الفلسطينيين شيوخا و نساء و أطفالا… طلابا و مقيمين فى الخارج و مرضى و معتمرين و حجاج و زائرين على معبر رفح … سواء أكانوا قادمين أو مغاديرين… هاى الشاطرين فيه فقط…!!.
    و ليش يحتفلوا بنصر أكتوبر… الذى جعل السادات من هذا النصر أكبر هزيمة لمصر و الأمة العربية باتفاقيات كامب ديفيد … و مازالت مصر حتى الآن مرتمية بأحضان الأمريكيين و الصهاينة .. و عرابة مشاريع و مخططات التصفية للقضية الفلسطينية…
    ألم يبارك السيسى إتفاقيات التطبيع الاماراتى و البحريني و السودانى مع الكيان الصهيونى الغاصب في فلسطين قبل أيام… ؟؟؟!!! ألم يصل الدين العام فى عهد الرئيس السيسى الى اكثر من 110 مليارات دولار فى حين قبل استلامه السلطة لم تتجاوز 40 مليار دولار.. او كم أصبح سعر الدولار مقابل الجنيه …؟؟؟ أو ما نسبة الفقر أو البطالة الآن فى مصر؟؟؟… فعن أي انتصارات تحتفل مصر…؟؟؟.
    من الممكن أن تحتفل مصر بفوز الأهلى على الوداد أو الزمالك على الرجاء المغربيين فى كرة القدم فى بطولة ابطال افريقيا… هذا هو فقط المسموح به يا سيدى الكريم..
    احترامى و تقديرى لك و لقلمك المبدع…

  4. إلى الأستاذ : حماد صبح
    مقالك رائع وملاحظاتك فى الصميم، وأطمئنك والسادة القراء أن التزوير أو التلاعب فى الصور لن بغبر من حقائق التاريخ أى شىء ، فالتاريخ بالمرصاد للمطبعين وامنبطحين ووإن السحاب العابرلن يعزل نور الشمس.

  5. لو كان على رأس أم الدنيا رجل يشبه جمال عبد الناصر تحت عنوان الكرامة والتحدي وبعد النظر وفهم التاريخ عندها ما كانت ستخجل أو تتراجع عن نشر الفيديو المذكور كاملا لتحتفل أمة عربية كاملة ترى في مصر أخا كبيرا حكيما قويا.. ولكن للأسف لا وجود لهذا الرجل الشبيه منذ رحل المشبه به..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here