حماد صبح: لا قيمة عملية لتخلي فلسطين عن رئاسة مجلس الجامعة العربية

 حماد صبح

 

وسائل الدفاع عن الأوطان واستعادة حقوق الشعوب لا حصر لها ، ومنها الدبلوماسية . ويجب الحذر من طغيان إحدى هذه الوسائل على سواها من الوسائل الأخرى ، والحذر أوجب إذا كان هذا الطغيان تهربا من العجز عن تفعيل الوسائل التي أصابها ضرره . الصدمة الكبرى ، والإخفاق الأكبر،  أن هذا ما حدث في الحالة الفلسطينية المتفردة في ما ابتليت به في قضيتها الوطنية التي تتعدد فيها المؤثرات فلسطينيا وإسرائيليا وعربيا ودوليا في تشابك متعقد مرهق يصعب كثيرا السير في دهاليزه  المظلمة وممراته المتعددة الالتواءات ، والزاخرة بالمفاجآت السيئة الخارجة عن التوقعات المسبقة . الوسيلة التي طغت على ما سواها في الحالة الفلسطينية هي الوسيلة الدبلوماسية منذ أن اختار أبو عمار في مثل هذا الشهر، سبتمبر ،  في 1974 غصن الزيتون على البندقية ، وترسخ هذا الاختيار في مؤتمر الجزائر في نوفمبر 1988 الذي أعلن فيه بيان الاستقلال الفلسطيني  والدولة الفلسطينية ، واتسع  وصار الوحيد بمقتضى اتفاق  أوسلو1993  الذي اشترطت فيه إسرائيل على منظمة التحرير محاربة ما سمته الإرهاب في الضفة وغزة ، وتنفيذا لهذا الاشتراط كان أول ما بادرت  إليه السلطة الفلسطينية التي ظهرت في الضفة وغزة بعد الاتفاق ؛ جمع ما كان من سلاح قليل في المنطقتين . طغيان الدبلوماسية في الحالة الفلسطينية جعل السفارات والممثليات الفلسطينية تزيد على نظيرتها الإسرائيلية ، ولا ننسى مكاتب حركة فتح التي عمليا هي منظمة التحرير والسلطة معا . كثرة السفارات والممثليات الفلسطينية خلقت حالة فريدة في تاريخ السياسة والدبلوماسية لم تعرف من قبل :  سفارات وممثليات بلا دولة حقيقية ، وكل دبلوماسيها من لون واحد هو حركة فتح ما حرم الأداء الدبلوماسي الفلسطيني من كفاءات وخبرات ماهرة ومخلصة يزخر بها الشعب الفلسطيني في كل مواطن وجوده ، وفتح الأبواب واسعة لفساد متنوع في السلك الدبلوماسي الفلسطيني ، وصار هذا السلك مضرب المثل في الفشل والعجز واللانفع حتى في تقديم الخدمات العادية للمواطنين الفلسطينيين ، فما الحال في المنجزات الدبلوماسية التي تتحول إلى سياسية تفيد القضية ؟ وبضاف إلى هذه السلبيات صيرورته عبئا ماديا كبيرا على الشعب الفلسطيني .

في ضوء هذه الحقائق القاسية المؤلمة عن الدبلوماسية الفلسطينية يحسن أن نفهم ما حدث في 9 سبتمبر الحالي حين رفض وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم العادي بمقر الجامعة  إدانة تطبيع الإمارات مع إسرائيل الأمر الذي فتح الباب  عربيا لأي دولة من دول الجامعة للسير على حطا الإمارات التي سارعت البحرين للحاق بها . تقصير فلسطيني دبلوماسي قاتل سبق هذا الاجتماع لوزراء الخارجية العرب رغم كل رداءة الجامعة العربية المؤلفة من دول رديئة فاشلة . مثلا : هل بادرت فلسطين إلى الاتصال بأي دولة عربية دبلوماسيا للتأثير إيجابيا على موقفها من الطلب الفلسطيني الداعي لإدانة تطبيع الإمارات وكل تطبيع يليه ؟! المؤكد لا ، فالمبادرات الفعالة ذات النتائج الإيجابية ليست من صفات  الدبلوماسية الفلسطينية ، وقد لا يكون الطلب في ذاته جادا لكون السلطة الفلسطينية التي تدير كل شيء فلسطيني ثاني   المطبعين العرب بعد مصر ، وهي الآن مطبع كبير مع إسرائيل ، ولا ترى لها مستقبلا إلا في هذا التطبيع ذي القيمة الحيوية الكبيرة لإسرائيل خاصة في وظيفته الأمنية . والآن هي تتخلى باسم دولة فلسطين عن رئاستها الدورية لمجلس الجامعة . ونتذكر أنها بذات الاسم تخلت عن هذه الرئاسة في 2011 ، والأدق القول إنها باعتها إلى قطر ب 30 مليون دولار حين كانت قطر تصول وتجول في خيلاء تعاظم مفاجىء متوهم ، واستغلت الرئاسة في جمع عدد كاف من أصوات الدول  في الجامعة لتجميد عضوية سوريا فيها . ولا أدري بأي شرعية قانونية تم البيع . ولن يكون لتخلي فلسطين عن رئاسة المجلس أي قيمة فعلية مثلما أن مجمل الأداء الدبلوماسي الفلسطيني لا قيمة له في خدمة القضية الفلسطينية . فهذه الرئاسة الروتينية جزء من طغيان  الوسيلة الدبلوماسية على الوسائل الأخرى لاستعادة الحقوق الفلسطينية ، وهو تهرب من الوسائل الأخرى الفعالة التي يجب أن تتركز وتتكثف في الأرض الفلسطينية حيث يكون أي فعل نضالي حاسما مهما صغر ، مثل منع المستوطنين والدولة الإسرائيلية من الاستيلاء على قطعة أرض في الضفة أو هدم بيت لمواطن أو اقتلاع أشجار وإتلاف مزروعات  ، وتمتين  تماسك لحمة المجتمع الفلسطيني ، وتحسين ظروف معيشة الناس في غزة والضفة ، وتوثيق الصلة بفلسطينيي 1948 ، وابتداع كيانية سياسية فلسطينية فعالة تحرك  كل قوى الشعب الفلسطيني وطنا وشتاتا ، وما بقي وسائل مساندة ، ومنها العمل الدبلوماسي . ما فعلته منظمة التحرير وذراعها التنفيذية السلطة قلب المعادلة ، فأنتج كل هذه الإخفاقات الفلسطينية التي تقابلها نجاحات إسرائيلية فائقة باقية الأثر . لا يمكنك أن تسلك سلوكا مخطئا  وتتوقع نتائج صحيحة . حصادك من جنس مزروعك.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. فاقد الشيء لا يعطيه..
    السلطة الفلسطينية لاتتقن سوى لغة الاستجداء والتكتيكات الفاشلة والرهانات الخاسرة. والأمثلة على ذلك كثيرة. منها ماذا استفادت هذه السلطة الفلسطينية من تأييد حرب التحالف السعودي الأمريكي على اليمن وتخريبه؟
    وماذا استفادت من التنسيق الأمني مع الصهاينة الذين يرسلون مستوطنيهم لتدنيس حرمة المسجد الأقصى المبارك أو ليحرقوا بيت الدوابشة أو يقطعوا أشجار الزيتون الفلسطينية..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here