حماد صبح: قصة كلبين رفضا الخضوع لأوامر الاحتلال الاسرائيلي

 حماد صبح

حدثت وقائع هذه القصة _التي أترك وصفها إلى ما سيكشفه سياقها من هذا الوصف _ في منطقة القرارة شمال شرقي خانيونس ، وجنوب شرقي دير البلح ،قرب بوابة كيسوفيم (  الحنين  بالعبرية ) ، عند خط التحديد بين قطاع غزة وبقية الوطن المغتصب . اقترب شاب عشريني من السلك الشائك ، وأجال بصره حوله ، ثم انسل إلى داخله من ثغرة صغيرة أسفله خلفتها  سيول الشتاء المنحدرة غربا ، ومنها ومن  مثلها  تنتقل الثعالب والأرانب البرية بين المنطقتين . وفي لمحة البرق  برز عدد من حرس الحدود الإسرائيلي من موقع ومعهم كلبان ، أطلقوا عليه أحدهما ، وصعقوا لما حدث ! رقد الكلب ساكنا وديعا واضعا خطمه على ذراعيه  المبسوطتين أمام الشاب الذي توقف مرتاعا من الكلب الضخم البادي الضراوة ، ولم يكن هو، الشاب ،  أقل انصعاقا وتفاجؤا من الجنود  لما حدث . واتصلوا بالكلب عبر الهاتف المثبت على جسده طالبين منه العودة ، فلم يستجب  ما ضاعف انصعاقهم وحيرتهم ، فأطلقوا الكلب الثاني ، وانفجر انصعاقهم حين رأوه يفعل ما فعل الكلب الأول ، واتصلوا به ليعود ، فلم يستجب . ولم يعد لديهم طاقة للانصعاق والذهول والحيرة وتخيل السبب المجهول  الذي أرقد الكلبين ساكنين وديعين أمام الشاب . عندئذ أمروه بخلع قميصه وبنطاله والتقدم نحوهم رافعا يديه ، فنفذ الأمر ، فانقضوا عليه هلعين صارخين سائلين : ” ماذا تحمل ؟! معك سلاح ؟! ماذا معك ؟! ” ، ونقبوا في كل جزء من جسده  العاري ، نبشوا شعره القصير ، ولم يجدوا شيئا .

فسأله الضابط : ” ماذا فعلت للكلبين ؟! كيف سكنا أمامك ، ولم يعضاك  ؟! ” ، وما كانت به داعية ليقول لهم إنه ليس معه ما أثر به على الكلبين . وفجأة بدا على وجهه المتخوف أنه يريد أن يتذكر شيئا ، فتعلقت عيونهم به متلهفين . تذكر ما فعله قبل مجيئه بساعة ، ودون تأكد واضح راسخ من علاقته بما حدث للكلبين ، وإن كان هو الأقرب لتفسيره تيقناً  أوتَظنياً  ؛ قال لهم إنه نقل جراء كلبة ولدت هذا الصباح من مكان إلى آخر آمن وأظل لها ولأمها ، ولعل رائحة منها علقت به ، وأثرت على الكلبين ، والكلاب معروفة بحدة حاسة شمها وقوتها ، وأن تلك الرائحة ربما شلت ضراوتهما لسر يعلمه الله . تراسل الجنود نظرات الاستغراب ، لكنهم كانوا أميل إلى الاقتناع بتأثير تلك الرائحة على الكلبين ، ونقلوه إلى الداخل ، وبعد التحقيق معه ومحاكمته  حكم عليه بالسجن ستة أشهر ، وعند خروجه روى تلك القصة الغريبة حقا ، والشاهدة على عجائب الله _ سبحانه _ في خلقه .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. سبحان من قسم الرحمة بين مخلوقاته من البشر وباقي المخلوقات وشكرا للكاتب الكريم لعل هذه القصة تغير في سلوك من يقرؤها للاحسن

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here