حماد صبح: قانون التعريب القطري قانون عظيم سليم

حماد صبح

قانون عظيم سليم هذا الذي أصدره أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثانٍ يلزم فيه المدارس والجامعات في البلاد باعتماد اللغة العربية في التعليم بها ، ويجعلها لغة  توقيع الاتفاقات والمعاهدات الدولية مع قطر ، ويفرض استعمالها في الوزارات والأجهزة والهيئات والمؤسسات العامة في اجتماعاتها ومناقشاتها ، وفي ما تصدره من قرارات ولوائح تنظيمية وتعليمات ووثائق وعقود ومراسلات ، وباختصار : تعريب شامل لكل جوانب الحياة في البلاد مع استثناءات  تتعلق بتدريس بعض المقررات في المدارس والجامعات بلغة أخرى وفق الضرورة . ومع حكمة وواقعية هذه الاستثناءات نرى وجوب الحذر من اتخاذها ثغرة للنفوذ منها والالتفاف  على القانون الذي نتوقع أن يواجه معارضة ممن يرونه ضارا بوظائفهم ومصالحهم ومعاملاتهم. والحزم الصادق في تطبيقه يكفي للتغلب على هذه المعارضة ولو تدرجا وترويا .

القانون عظيم بحق ، وكان أوفق في التأثير والتفاعل الإعلامي معه صدوره في 18 ديسمبر المنقضي ، في العيد العالمي للغة العربية ، وعدم صدوره في ذلك اليوم لا يقلل من عظمته وفوائده الكبيرة التي ستؤول  إلى اللغة العربية ، وإلى قطر بمؤثرات إيجابية في شخصية مواطنيها ومجتمعها وثقافتها ، وفي منزلتها في العالم العربي والإسلامي ، وفي بقية دول العالم التي تحترم من يحترم لغته لما في احترامه هذا من برهان قوي ساطع على احترامه لذاته ولثقافته . بالقانون الجديد تصبح قطر ثاني دولة عربية بعد سوريا تعرب تعليمها وشئونها الأخرى ، وللسودان سعي في هذه الناحية . ولست في حاجة ملحة للحديث بتوسع عن فوائد اتخاذ العربية لغة كل شيء في البلاد العربية ، وقد كتب وما زال يكتب وسيكتب الكثير عن هذه الفوائد ، وبالموجز أقول : إن أهم هذه الفوائد توثيق صلة الإنسان العربي بينابيع عقيدته وتراثه الأدبي والفكري والثقافي ، فتتقوى وتصح شخصيته في نواحيها الروحية وطرائقها السلوكية ؛ لأنه  لا يمكن إتقان العربية إتقانا سويا والنفوذ إلى عمق أصالة روحها بعيدا عن مصادرها الثلاثة ، وهي القرآن الكريم والحديث الشريف والشعر العربي في عصوره المتلاحقة . ومن يأخذ بنصيب وافٍ من هذه المصادر الثلاثة القويمة النقية للغة العربية _ على تفاوت بينها في هاتين الصفتين _ تتكون له شخصية قوية مؤمنة ، متوثقة من قيمة  ذاتها ومن قيمة أمتها . وهذه الشخصية هي التي يخشاها أعداؤنا لكونها مقتدرة على حرمانهم من مجاشعهم في بلادنا ، وفي التسلط علينا حتى تسفلنا إلى هذا الحضيص من الانحطاط المذل الفردي والقومي الذي سهل لدولة مهاجرين صغيرة مغتصبة الهيمنة علينا في 70 عاما من عمرها متغلبة على دول عربية تباهي بأن عمرها 7000 عام . الخشية من الشخصية العربية القوية التي تؤسس المجتمع القوي كانت محرك المحاولات الاستعمارية لهجر اللغة العربية وإضعافها ناعتة لها بالتحجر والتخلف عن روح العصر الذي لا تناسبه في زعم أصحاب هذه المحاولات إلا لغاتهم خاصة الإنجليزية والفرنسية . إنهم يعلمون الصلة الموثقة للغة العربية بالدين الإسلامي بصفتها لغة كتابه ولغة سنته ، وهجرها وإضعافها هجر للدين الإسلامي وإضعاف له . وأسرعت الدول العربية باستثناء سوريا أمام ريح تلك المحاولات الاستعمارية مغلوبة بشعور الدونية الشاملة أمام القوى الاستعمارية ، فاستعملت الإنجليزية والفرنسية في بعض مراحل التعليم العام ، وفي التعليم الجامعي بإفراط أبعد اللغة العربية إبعادا تاما في بعض الدول العربية خاصة في علوم الطبيعة .

وطلعت أجيال متلاحقة من المتعلمين العرب لا تحسن كثرتها الغالبة أيا من اللغات الثلاث ، وأنتج هذا شخصية مشوهة لغويا وقوميا وسلوكيا ، والذين أتقنوا الإنجليزية والفرنسية قلة صغيرة ، وغالبا ما جاء إتقانهم لهما أو لإحداهما تضحية بالعربية ، فلم يفيدوا أمتهم  بشيء ملموس ، وخير من أفادها الذين أتقنوا العربية وأتقنوا الإنجليزية أو الفرنسية أو الاثنتين معا دون أن يشعروا بأي دونية لغوية أو ثقافية تستولد دونية قومية . إنهم يرون لغتهم القومية لغة عظيمة خصبة ، ويحترمون اللغتين الأخريين . وهذه حقيقة علمية قبل أن تكون فضيلة خلقية ، فمن يتقن العربية  ويتقن لغة أخرى يكتشف عظمة العربية دون عنصرية مقيتة حمقاء ، واللغات في النهاية لها تعريف واحد ، هو أنها أصوات ذات دلالات اصطلح عليها وتوارثها أهل كل لغة ، والتفاضل بينها مصدره مزايا ومعايير أخرى يعرفها علماء اللغة وكبار كتابها .

والراحل إدوارد سعيد ، الكاتب الأميركي الفلسطيني المقدسي الأرومة الذي أتقن الإنجليزية ودرس بها في أميركا وكتب بها هو الذي قال إن النظام النحوي العربي أعظم نظام نحوي في كل لغات  العالم ، وما كان في مقدرته اكتشاف هذه الحقيقة المبهرة  إلا بتعمقه في الإنجليزية ، ودراسته  لخصائص النحو في اللغات العالمية الكبرى . وبتواضع خالص صادق أقول إنني أقرأ الإنجليزية والفرنسية ، وأترجم منهما وعبرهما ، ولا تدهمني ذرة إحساس بتفوقهما على لغتي التي أجدها ثرية  مطواعا مقتدرة على نقل ما أريده إليها من هاتين اللغتين ، بل يبدو فيها أكثر جمالا منهما ، وهذا بداهة يعتمد على الفرق في البراعة الأدبية بين صاحب النص الأصلي وصاحب النص المترجم ، وهذه قضية معروفة في الترجمة . في لغتنا أعظم كتاب في الأداء البياني اللغوي ، هو القرآن الكريم الحكيم ، إنه كلام خالق الكون _ سبحانه وتعالى _ والبون بين كلام الله وكلام الناس مثل البون بين الله والناس ، بين الخالق والمخلوق .

وشعرنا في عصوره المتلاحقة أعظم شعر في العالم ، ويشهد له بهذا كل من قرأه بفهم وتذوق  وإنصاف من غير العرب ، وقيل عنه إنه الشعر الوحيد في العالم الذي تكاملت فيه الخصائص الفنية الشعرية . والمحافظة على العربية من الإيمان ، ويوضح هذه الحقيقة القول القرآني القويم : ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ”  ( الحجر : 9 ) ، والمحافظة على القرآن محافظة على العربية في أصفى تجلياتها البيانية ، ومن يسهم في هذه المحافظة يكن مؤمنا . الله حفظ العربية بحفظه لكتابه ، فكيف لا نسهم في هذا الحفظ ؟! ومن أقوى الشواهد على صناعة اللغة لهوية الأمة ما نتج عن اعتماد أميركا ، الدولة ذات الجذور البشرية الأوروبية تأسيسا ، للغة الإنجليزية لغة قومية بعد أن تغلب محبذوها على محبذي اللغة الألمانية بفارق صغير في التصويت . اعتماد الإنجليزية لغة  للأمة الجديدة ربطها بالثقافة والأدب  البريطانيين بداية ، وبالسياسة البريطانية تاليا ، وابتعد بها عن ألمانيا في الثقافة والأدب والسياسة ، وحملة نورماندي التي أرسلتها أميركا في 6 يونيو 1944لتحرير أوروبا من الاحتلال الألماني في الحرب العالمية الثانية كان قائدها دوايت آيزنهاور ألماني الأصل .

وتوسعة للقانون القطري العظيم ، وإفادة منه ، نقترح :

أولا : المبادرة إلى تحرك عربي جماعي ، قد يكون باجتماع وزراء التعليم العرب لدراسة إصدار قانون مثل القانون القطري في كل بلد عربي .

ثانيا : أن ينفرد كل بلد بإصدار هذا  القانون دون اجتماع لوزراء التعليم العرب .

ثالثا : أن تجتهد قطر في حث الدول العربية خاصة ذات العلاقة الحسنة بها لإصدار هذا القانون .

رابعا : أن تنشىء قطر مدارس في الدول العربية والإسلامية والأجنبية باسم ” المدارس القطرية ” أو ” المدارس العربية ” تدرس بالعربية مقررات تراعي خصوصية وبيئة كل بلد .

ويبقى قانون التعريب القطري قانونا عظيما سليما في كل الأحوال .

                                 ***

*ليست لغة العرب أغنى لغات العالم فحسب ، بل إن الذين نبغوا في التصنيف بها لا يمكن أن نحصيهم عددا ” . المستشرق الألماني جورج فرايتاج واضع المعجم العربي اللاتيني .

*فاقت اللغة العربية أخواتها بكثرة مفرداتها ، ودقة معانيها ، وجودة مبانيها ” . المستشرق الفرنسي إرنست رينان .

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. صدقت وتحية حب وتقدير لك ولكل غيور على لغتة العربية الرائعة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here