حماد صبح: غزة لن تهاجر

حماد صبح

بُني المشروع الصهيوني منذ خطواته الأولى في فلسطين على ثنائية الهجرة والاستيطان ، واتخذ خلال مسيرته الطويلة وسائل متنوعة في هذه الثنائية متكيفا مع الأحداث والتطورات . والهجرة والاستيطان يستلزمان بطبيعتهما أن يكونا على حساب الكينونة الفلسطينية مجتمعا وسيادة وطنية . وفي كل حدث ، وفي كل تطور ، مر به الصراع ، نشطت إسرائيل لتهجير من تستطيع تهجيره من الفلسطينيين ، وكانت أكبر جريمة تهجير هي التي تمت في 1948 ، ووضعت الأساس المتين لقيام إسرائيل . وبعد احتلال الضفة وغزة في 1967 نشطت لتهجير سكانهما أملا في تكرير جريمة  تهجير 1948، ولم يوافقها إلا قدر صغير من النجاح ، ولكنها لم تتخلَ عن حلمها المصيري ، وواصلت تحركها على دربه بكل وسيلة تقع في يدها ، ومنها هدم البيوت في الضفة  وغزة  وحتى في أراضي 1948 ، وهدمت قرية العراقيب في بئر السبع الفلسطينية 149 مرة ، والعدد مهيأ للتوالد والتزايد.

أهل القرية يعيدون بناءها ، وإسرائيل تعود إلى هدمها في متوالية مأساوية لم يعرف لها التاريخ شبيها .  وهدم البيوت لا تقدم عليه أي قوة معادية في صراعها مع أعدائها سوى إسرائيل ، ويجرمه القانون الدولي ، وهي تقدم عليه لتفريغ الأرض الفلسطينية من أهلها ، فمن لا يجد له بيتا في وطنه قد يسهل تركه له عند أي سانحة ملائمة. وأكبر علامات إخفاق إسرائيل في مشروعها التهجيري للفلسطينيين ، أو تطهيرها العرقي ، أن عدد الفلسطينيين اليوم بين النهر والبحر 8 ، 6 ملايين ، وعدد اليهود 6 ، 6 ملايين . هذا فوز فلسطيني كبير، وإخفاق إسرائيلي أو يهودي أكبر . ونشرت ” يديعوت أحرونوت ” منذ يومين أن إسرائيل تعمل على تسهيل هجرة أهل غزة ” أملا في خفض حدة التوتر”، وهذه حجة كاذبة داحضة ، فتهجير الفلسطينيين ليس هدفا إسرائيليا عابرا  لحل مشكلة عابرة مثل التوتر الحادث مع غزة ، وإنما هو هدف تاريخي مصيري . وتقول الصحيفة إن إسرائيل تستدرج في مخططها عدة دول لتقبل هجرة مواطنين من غزة إليها ، وإنها لم تتلق حتى اللحظة ردودا.

الحلم اليهودي بتصفية فلسطين من أهلها امتداد للكذبة الصهيونية بأن فلسطين أرض بلا شعب ، وبهذا هي الأنسب “لشعب” بلا أرض هو “الشعب” اليهودي المزعوم . وهو ، الحلم ، سعي يائس لإجبار الجغرافيا الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني على التكيف مع تلك الكذبة الكبرى . وفي إخفاقهم الكبير على درب هذا الحلم درس  واضح يلزمهم أن يحسنوا قراءته وفهم محتواه ، وصفوة الدرس أن مشروعهم في فلسطين لا أمل في بقائه وإن ضللتهم مظاهر قوتهم المادية ، وحماية أكبر قوة عالمية، أميركا، لهم، وتلهف كثير من الدول العربية على التآلف والتحالف معهم ، فهذه الدول المتلهفة تمثل حكاما لا شعوبا ، وعليهم أن يعوا أن  الأقرب والأنسب وفق كل الموجبات والحيثيات أن يهاجروا من فلسطين إلى مواطنهم التي قدموا منها ، ولهم فيها جذور وأقارب وانتماءات متعددة ، ويلقون هناك تسهيلات كثيرة . وهجرتهم ذاتها إلى فلسطين تبين بالوضوح الساطع المقنع أنهم فعلا صالحون لهذه الهجرة المضادة ، فمن هاجر بدايةً يمكن أن يهاجر تاليا هو أو نسله الذي ولد في فلسطين ، وهم كغربيين في كثرتهم وثقافتهم لا يرون في الهجرة إلى بلد آخر مشكلة وطنية مثلما هي حال الفلسطينيين .

أخطؤوا حين هاجروا إلى بلادنا فليصححوا خطأهم بأنفسهم ، وليتوقفوا عن هذيانهم لدفعنا لتصحيح هذا الخطأ الخطيئة ، ومن مشى على الشوك حافيا مُجبرٌ وحده على نزع ما انغرز منه في قدميه ، ولتعد به  هاتان القدمان إلى البلاد التي هاجر منها مخطئا مضللا ، ومفعما بروح الشر والعدوان  والجريمة ضدنا .  ومن يشهد مَوَجان الحياة العارم ، وتدفقها المتوهج في غزة  جديةً في كسب الرزق ، وتعمير بنيان ، وإنتاجا زراعيا وصناعيا ، وتعليما مدرسيا وجامعيا ومهنيا ؛  يتجذر في قلبه وعقله أن غزة لن تهاجر ، ومن يسمع أخبار هجرة مستوطني غلاف غزة إلى الداخل الفلسطيني المحتل ، وأحيانا إلى الخارج ، ويشهد صور هلعهم عند أي صفارة إنذار او سقوط صاروخ أو بالون حارق من غزة ؛ يعلم من الذي سيهاجر من فلسطين في النهاية . ويحسن توضيح حقيقة مغادرة 35 ألف مواطن غزي العام الماضي إلى الخارج التي ترى فيها إسرائيل بشرى خير .

غالبيتهم غادروا للدراسة والعمل وسواهما من دواعي المغادرة ، وهم سيعودون إلى غزة في وقت قادم أو آخر ، كل وفق ظروفه الخاصة . غزة لن تهاجر مهما ساءت حالها ، وستظل جمرة ملتهبة تحرق روح هذا الكيان الشيطاني الذي اختلقه الغرب ليكون مثلما قال ونستون تشرتشل  السياسي البريطاني الشهير : ” سرطانا يهوديا في حلق العرب ” ،  فهذه الأرض ذاتنا ، ولن نهاجر من ذاتنا .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here