حماد صبح: حرص الكتاب العرب على صحة اللغة بين القديم والحديث  

 

حماد صبح

السمة الجامعة للكتابة العربية في وقتنا الحالي هي شيوع الأخطاء في النحو والصرف ورسم الكلمات أو الإملاء شيوعا لا تسلم منه إلا قلة . ومن أسباب هذا الشيوع كثرة من يكتبون مستفيدين من المجالات الواسعة والمتنوعة التي وفرتها الشبكة العنكبوتية دون أن تكون لهم مهارة لغوية مناسبة أو قريبة من المناسبة . فمقال أو خبر أو تقرير تلحق به تعليقات من القراء مختلفة المستويات في هذه المهارة ، فيصبح لدينا مصادر متعددة لشيوع الخطأ اللغوي . ومن الأسباب أن أكثر المواقع لا يراجع لغويا مواده التي ينشرها ، وينقلها بأخطائها اللغوية من المواقع الأخرى المشابهة له في عدم المراجعة اللغوية . ولا تخلو من هذه الأخطاء حتى العناوين التي هي أول ما تقع عليه العين .

ومن الأسباب ، فوق قلة المهارة اللغوية ، أن أكثر من يكتبون لا يراجعون ما كتبوه ، ويدفعون به فور كتابته إلى النشر ، فيوقعون أنفسهم في ما يسمى اصطلاحا الزلة ، والفرق بين الزلة والغلطة أن الغلطة ناجمة عن الجهل بالصواب ، أما الزلة فناجمة عن السهو أو الإهمال ، ومن الإهمال عدم مراجعة المادة المكتوبة قبل الدفع بها إلى النشر . ويسهم الحاسوب في الزلات بنصيب ملحوظ ، فقد يضغط الكاتب على حرف مجاور للحرف الذي يريده ، أو قد ينسى الضغط على حرف معين ، فتخرج في الحالين كلمة أخرى ، أو لا كلمة .

وفي المجمل ، وأيا كان مصدر ما نراه من أخطاء كتابية في زماننا فإن الجامع لها هو انحسار الحرص على صحة اللغة انحسارا واسعا عند المعاصرين من الكتاب العرب ، وأقصد بالكتاب كل من يكتب أيا كان جنس مكتوبه ، وبهذا الانحسار الواسع تخلوا عن عظمة الحرص على اللغة الذي امتاز به أسلافهم على اختلاف تخصصاتهم الكتابية حيث نجد المؤرخ لغويا ، والجغرافي لغويا ، والطبيب لغويا ، وهكذا . وخصصت الأصناف الثلاثة بالذكر ، ولم أخص مفسري القرآن الكريم والمحدثين والفقهاء الذين لا يقوم لهم علم دون التضلع في اللغة بكل علومها .

وبيانا جليا فريدا لعظمة حرص أسلافنا على صحة لغتهم لن نتحدث عن جهودهم الجبارة المتتابعة لوضع قواعدها وتصنيف معاجمها المتنوعة في زمن مبكر في تاريخ اللغات العالمية ، وسنكتفي في هذا البيان بأن النحوي ابن هشام الأنصاري في القرن الثامن الهجري صنف رسالة في انتصاب ” لغةً ” ، و رسالة في انتصاب ” فضلاً ” ، ورسالة في إعراب ” خلافاً “، ورسالة في إعراب ” أيضاً ” . والرسالة في ذلك الزمان مقال مطول أو كتاب . وصنف ابن خالويه الهمذاني مؤدب سيف الدولة الحمداني وأولاده كتابا في ” ليس ” .

وأثر عن سيبويه قوله متحسرا : “أموت وفي نفسي شيء من حتى” ما يفيد أن حرصه على الاهتمام باستقصاء حقائق اللغة وصحة استخدامها رافقه إلى مثواه الأخير . والاستهانة بالخطأ اللغوي أسوأ ضررا منه لما فيها من عزوف المستهين عن تحسين أدائه اللغوي ، وقوة احتمال انتقال هذه العدوى إلى غيره . ومن الشائع أن يبرر كثيرون أخطاءهم اللغوية بأن العربية ليست  تخصصهم الجامعي غافلين عن كونهم يخطئون في مستويات لغوية ليست في حاجة إلى تخصص جامعي.

هل صحة رسم الكلمات في حاجة إلى تخصص جامعي ؟! وننبه إلى أن رسم الكلمات ليس من علوم اللغة، ونسميه لغويا من باب التغليب لارتباطه باللغة . وهل التفرقة بين” لن ” الناصبة للفعل المضارع و ” لم ” الجازمة له في حاجة إلى تخصص جامعي ؟! ونخص هذين الحرفين للخلط بينهما لدى بعض الكاتبين. وكل ما يحتاج إليه الكاتب من مهارات لغوية ، ولا أقصد الأدبية الفنية ، يفترض فيه أن يكون اكتسبها في سنوات التعليم العام الاثنتي عشرة . وفي زمن سابق كانت التربيات العربية تعتبر سنوات التعليم الابتدائي الست كافية لإتقان رسم الكلمات ، والآن ما أبعد كثيرين من خريجي الجامعات العربية عن هذا الإتقان أو ما يقاربه . ولدور الإعلام في تطوره التقني الحالي في إشاعة الأخطاء اللغوية نقترح :

أولا : إجراء اختبار قبول في اللغة للراغبين في الالتحاق بأقسام الإعلام في الجامعة .

ثانيا : تدريس مساق لغوي جاد طوال سنوات الدراسة الجامعية الأربع .

ثالثا : أن تختبر المؤسسات الإعلامية الراغبين في العمل فيها لغويا قبل اختبارهم مهنيا ، فإذا نجحوا في الاختبار اللغوي تقدموا للاختبار المهني .

رابعا : أن تشترط على من يعملون فيها أن يدققوا ما يكتبونه بأنفسهم ، ومن يخطىء يحاسب . وأعلم أن هذا شرط قاسٍ ، وتخفيفا لقسوته ، ودون تخلٍ عنه ، يمكن تنفيذه بالكيفية التي تراها المؤسسة الإعلامية مناسبة حتى يبرأ العاملون فيها من أخطائهم اللغوية . وحين يشعر كل منتسب لها أنه لا تهاون في الصحة اللغوية سيحسن نفسه بعزيمة قد يتفاجأ بها . ومن وحي هذا الشرط نذكر أن وفدا إعلاميا عربيا زار  مقر صحيفة ” نيويورك تايمز ” ، وبعد تجول أعضائه بين أقسامها   سألوا عن قسم التدقيق اللغوي ، فأخبرتهم الإدارة أنه لا وجود لهذا القسم فيها ، وأن من يكتب مادة ملزم بتدقيقها بنفسه . وفصل الكلام : شيوع الأخطاء اللغوية لدينا اتسع خرقه ، ولا يليق بمن حرص أسلافهم على لغتهم حرصا عظيما قل نظيره في اللغات الأخرى ، وأن الكتابة في أي جنس من أجناسها هي أساسا أداء لغوي .

                                             ***

أشهر الكلمات في الإعلام ” التحرير ”  و ” المحرر ” . الأولى مصدر للفعل ” حرر ” والثانية اسم فاعل منه . ومعنى ” حرر ” جعل الشيء حرا ، أي خالصا  من العيوب تشبيها له بالشخص الحر عند العرب الذي كانوا يشترطون فيه عروبة الأب والأم والنقاء الأخلاقي مما يشين . ولأن المعنى اللغوي للكلمة يمهد لمعناها الاصطلاحي مهما ابتعد الثاني عن الأول فالتنبيه المستنبط من معنى ” حرر ” اللغوي يوجب على من يمارس التحرير الإعلامي أي المحرر أن يخلص أداءه الكتابي من العيوب .

                                            ***

من قصص الإلحاح على تحسين الأداء التحريري ما حدث في وقت بعيد في مجلة ” ريدرز دايجست ” الأميركية الشهرية ، وهي مجلة تعتمد في مادتها على تلخيص مواد من الصحف الأخرى ، وتصدر بلغات عالمية كثيرة منها العربية . نظر رئيس التحرير في موضوع قدمه له أحد المحررين ، فطلب منه إعادة  صياغته أسلوبيا ، وحدث في المرة الثانية عند تقديم المحرر للموضوع ما حدث في المرة الأولى ، وتكررت إعادة صياغته خمس مرات ، ونتعجب من صبر المحرر على إعادة الصياغة ، ومن إلحاح رئيس التحرير عليها . ويزول العجب عند رؤية النتيجة . وصف الموضوع بعد الإعادات  الخمس بتحفة كتابية  masterpiece .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here