حماد صبح: حديث الصورة بين الفلسطينيين: ماذا تعني “قهقهة” عزام الاحمد ونظيره ابو مرزوق؟

حماد صبح

” الصورة بألف كلمة “، لعل عبارة لم تتردد في الإعلام قدر تردد هذه العبارة التي يقال إنها صينية، ففي الصورة شهادة على صدق الحدث أو الخبر، وفيها قدرة بصرية ونفسية على التأثير، وفيها إيجاز بإغنائها عن ألف كلمة، و ” الألف ” هنا محض رقم يدل على الكثرة، فالصورة أحيانا تغني عن أكثر من ألف كلمة، وربما أغنت عن آلاف الكلمات .

وفي الماضي القريب، كان بعض رسامي الكاريكاتير العرب إذا اجتمع الزعماء العرب في مؤتمر قمة، أو اجتمع عدد منهم في مؤتمر محدود ؛ يرسم زعيمين يتصافحان أو يتعانقان ويد أحدهما، أو كليهما، تخفي خنجرا خلف الظهر .

 نبهت صور بعض قادة الفصائل الفلسطينية الذين ذهبوا إلى  موسكو هذا الأسبوع لمناقشة المصالحة الفلسطينية ؛ إلى قيمة الصورة في الكشف عن حقيقة خفايا النفوس، وحظيت قهقهة عزام الأحمد رئيس وفد فتح وموسى أبو مرزوق رئيس وفد حماس بتعليقات مستهجنة وساخرة من المتابعين العرب: ما داما على هذا الوفاق والتحاب الذي يبدو في القهقهة، فلماذا كل هذا التعادي والتقاطع بين الحركتين اللتين يمثلانها، أي  فتح وحماس؟! ولماذا يدفع الشعب الفلسطيني من دمه وشقائه ثمن تعاديهما وتقاطعهما ؟!

وللأحمد وأبي مرزوق صورة مشهورة يقهقهان فيها ويضربان كفيهما في بيروت سرورا وانسجاما . ما حدث بعد تلك الصورة البيروتية القديمة من تواصل التعادي والتقاطع بين الحركتين كشف أن القهقهة كانت نفاقا، وليست من القلب، من الفم فحسب، خاصة من جانب الأحمد . والصور الجديدة، صور موسكو المقهقهة، امتداد للصورة القديمة وأقوى شاهد على هذا الامتداد، وأنها نفاق خالص، صورة  جمعت الاثنين، الأحمد وأبا مرزوق، مع سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي . في هذه الصورة يصافح لافروف أبا مرزوق مبتسما ودودا من القلب في الوقت الذي يسدد فيه الأحمد إلى أبي مرزوق من جانبه الأيمن تحديقة نارية تفيض كرها وحقدا .

هذه الصورة هي التي تفصح أو تفضح ما في قلب الأحمد لأبي موسى وحركته التي للأحمد أقوال محفوظة في مقتها، وفي مقت غزة كلها، وأشهرها تمنيه قطع الهواء عنها لو استطاع . وفي محادثات القاهرة إبان عدوان 2014 الإسرائيلي على غزة كاد الأحمد وأبو مرزوق أن يعتركا بالأيدي للاختلاف التام بين وفد المقاومة من غزة وبين عزام الأحمد الذي ترأس هذا الوفد باسم السلطة لرفض إسرائيل التفاوض المباشر مع وفد المقاومة .

ولا أظن تاريخ المفاوضات في العالم عرف اختلافا مطلقا في الهدف بين وفد ورئيسه مثل الاختلاف الذي كان بين وفد مقاومة غزة ورئيسه، بحكم الضرورة، عزام الأحمد . كان رئيس الضرورة القاهرة الساخرة حريصا متلهفا على عدم فوز وفد المقاومة بأي منجز أو تنازل إسرائيلي لرأيه أنه سينتهي رصيدا لحماس، وهذا نكبة كبرى في مفهومه الفصائلي القاصر الأناني الذي لا يليق بحركة وطنية النشأة والغاية، هي حركة فتح التي رفدت التاريخ الفلسطيني بتضحيات كبيرة، ثم انتهت إلى نهايتها الحالية المغنية في سوئها عن كل توصيف.

وكان، الأحمد، إذا كلفه وفد المقاومة بنقل طلب إلى المفاوضين الإسرائيليين يعود قائلا  إنهم يرفضونه، واكتشف الوفد أنه لم يكن يذهب إلى الإسرائيليين، وأن الرفض الذي ينسبه إليهم من اختلاقه وافتئاته . ما من كاتب فلسطيني إلا فاض سأمه من الكتابة عن المصالحة الفلسطينية، وما من فلسطيني إلا يئس منها، ولو كانت لتتم ما اتصل الانقسام 12 عاما تخللتها اتفاقات مصالحة لم تنفذ، ومن أسباب عدم تنفيذها أن فتح لا تريد شراكة في ما تحسبه سلطة، وهي في هذا لا تختلف عن أي نظام عربي، فكراهية الشراكة في السلطة ثقافة عربية متأصلة ؛ لأن العرب يرون السلطة كسبا لا عبئا، ولو كانوا يرونها عبئا لبحثوا عن شركاء يعينونهم عليها، ولخصوصية الحالة الفلسطينية وتعقداتها المتعددة تتضاءل فيها إمكانات الشراكة ومتاحاتها .

 إسرائيل مثلا لا يمكن أن تتعامل مع أي فصيل فلسطيني لا يعترف بمخرجات أوسلو، وهو ما تفعله مع حماس التي فازت في انتخابات  تشريعي 2006، ولو أجريت انتخابات تشريعية جديدة مثلما تريد فتح، وعلى فرض خلق جو سياسي وأمني ملائم لها، وهذا مستبعد على خلاف جو 2006، ونجحت حماس فيها فإننا سنعود إلى ما هو أسوأ وأعقد من ظروف نجاحها في 2006 التي قادت إلى الانقسام الحالي، وعلى هذا تدور الحالة الفلسطينية في حلقة مفرغة مظلمة، ويبتسم رموز الفصائل الفلسطينية ويقهقهون نفاقا في لقاءاتهم بحثا عن مصالحة يعون أنها مستحيلة، ولهم، خاصة فتح، دورهم في هذه الاستحالة، والشعب الفلسطيني في الضفة وغزة عاجز عن صنع منفذ في هذه الحلقة المهلكة .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. المشكلة أنها من جانب الأحمد نفاق لا من القلب ، وهذا واضح تماما في المقال .

  2. العلاقة بين فتح وحماس تنقسم الى قسمين طبيعيين : الاول : الانتماء ، أبناؤهما فلسطينيون وربما جيران واقارب فمن الطبيعي ان يقهقها معا .الثاني : النهج السياسي : فهما حركتان متعاكستان 180 درجة ، فتح: تعترف بدولة الاغتصاب على ارض فلسطين وتتولى مسؤولية الحفظ على أمنها تحت ستار التنسيق الامني ، كما انها تنازلت عن حوالى 90 بالمئة من فلسطين لهم ، وتتمسك بالمفاوضات العبثية التي اطالت عمر الصهاينة في فلسطين . حماس حركة مقاومة : ترى تحرير فلسطين بالكفاح المسلح من نهرها الى بحرها وإن لم تنجز هذا نظراً لضخامة العراقيل امامها .والمنطق الطبيعي : ان يتعاملا كفلسطينيين اخواناً وعند الحديت عن تحرير فلسطين يختلفان .فأين المشكلة في هذه القهقهة ؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here