حماد صبح: حتى لا تبدأ الحرب العالمية الثالثة من الشرق الأوسط 

حماد صبح

الحروب صغيرة أو كبيرة قد تنفجر فجأة حتى وإن كان من قدر لهم أن ينغمروا فيها ويكتووا بنار ويلاتها لم يرغبوا فيها مهما كانت ضراوة العداوة بينهم . الحرب العالمية الأولى في 1914  انفجرت بعد اغتيال ولي العهد النمساوي بيد مواطن صربي ، وحرب 1967 بين إسرائيل والعرب فاجأت الكثيرين ، وإن كان الإسرائيليون ، مثلما أوضحوا بعدها ، خططوا لها ، ودربوا جيشهم عليها طوال عشر سنوات ، أي منذ العدوان الثلاثي على مصر في 1956 الذي احتلت فيه إسرائيل سيناء وغزة .

والثابت الآن أن عبد الناصر رغم حشده لقواته في سيناء لم يكن يتوقع أن تنفجر الحرب ، وظن أن المجتمع الدولي سيضغط لإزالة مقدماتها . ومنطقة الشرق الأوسط الآن في حروب فعلية ، وفي جو حروب متوقعة أسوأ نذرا من حرب 1967 ، والحروب الفعلية ، والحروب المتوقعة التي يقدر لها أن تكون أشمل أطرافا وأعنف أهوالا من الحروب الفعلية الحالية لاحتمال اشتراك روسيا وحلفائها فيها من جهة ، وأميركا والناتو وإسرائيل من جهة أخرى ، وقد تنزلق إلى حرب نووية ؛ هذه الحروب ، بنوعيها الفعلي الحالي والمتوقع ، يتحمل الغرب وإسرائيل وزر جريمة المسئولية عنها . الغرب ، ونخص أميركا وبريطانيا وفرنسا ، عدواني وأناني وجشع ثقافة وتاريخا ، وإسرائيل جزء عضوي من هذه الثقافة وهذا التاريخ ، وإن تكن حديثة النشأة ، فهي في الجوهر غصن من شجرة الزقوم الغربية الكريهة .

الغرب يعادي روسيا تاريخيا ، والروس يقولون إن الغزوات والأخطار جاءتهم دائما من الغرب ، ولعظم تلك الغزوات والأخطار نراهم يتجاهلون ما حاق بهم من شرور الغزو المغولي . ويرى الغرب القسم الآسيوي من الاتحاد الروسي ، وهو أكبر من قسمه الأوروبي ، أراضي محتلة ، ولا يريد أن يفوز الروس بهذه الغنيمة ، ويضيق عليهم حتى في أوكرانيا الأوروبية التي كانت عاصمتها كييف أول عاصمة لأول دولة روسية في القرن التاسع الميلادي . وفي المنطقة العربية والإسلامية رمانا  الغرب منذ الحروب الصليبية إلى اليوم بكل ضروب الويلات ، وانتهاب الثروات ، وتمزيق عرى التماسك عربيا وإسلاميا ، وما يحدث في منطقتنا من اقتتال وتدمير ومحو لدول عربية ؛ امتداد عضوي تلقائي لكل حروب الغرب ضد العرب والمسلمين . ومهما بدا من خلاف وتباين بين دوله تجاه العرب والمسلمين فإنها تتحد لمواجهتهم في لحظة الحقيقة ، وتفعل ذات الشيء في مواجهة روسيا .

ففرنسا التي تظاهرات دائما بأنها الأقرب للعرب من بقية الدول الغربية ؛ كانت في طليعة دول الناتو عدوانا على ليبيا بحجة حماية الشعب الليبي من جيشه ، وهي تهدد الآن بالتدخل منفردة في سوريا لقصف بعض المواقع السورية إذا ما تأكد أن الدولة السورية استعملت سلاحا كيماويا في مقاتلتها للجماعات المسلحة المتآمرة مع الغرب وإسرائيل ، مع أنه يستحيل عمليا أن تتدخل منفردة لمعرفتها بمحدودية إمكاناتها إزاء الحالة السورية المختلفة كليا عن الحالة الليبية ، وتعي تماما أن تدخلها لن يكون في حول حدوثه إلا جزءا من التدخل الغربي ، وتهديدها به تظاهر بالقوة وحنين مفرط لزمن تسلطها الاستعماري المتوحش .

واشتدت نذر الحرب المباشرة بين القوى الكبرى وحلفائها حدة وقتامة بعد التوضيح الروسي الحاد الحازم بأن روسيا لن تسكت على تعريض جنودها في سوريا للقتل ، ولا على تعريض مصالحها التي بذلت الدماء والأموال في سبيلها للخطر، وشملت بالتوضيح حلفاءها في سوريا  . وما لم يهدىء الغرب بقيادة أميركا من غلواء تهوره ، وتغول جشعه وأنانيته فإن الحرب الكبرى قد تنفجر ولو لخطأ ما . وقد اضطرت روسيا لابتلاع المهانة حين قتلت المدفعية والطائرات الأميركية عشرات الجنود الروس مؤخرا ممن  يعملون مع الدولة السورية وحلفائها بعقود خاصة ، ويستحيل أن تبتلع مهانة جديدة مباشرة تتصل بقتل جنودها النظاميين .

الحرب في سوريا قد تكون بداية حرب كونية مهلكة للجميع ، أو بداية تهدئة معينة تقصر أو تطول ، ويستحيل تواصلها في هذا الجو  المزدحم بالمتحاربين المصرين على الانتصار الكامل ، ولن يتراجع الغرب بقيادة أميركا وتحريض إسرائيل عن مواصلة هذه الحرب عبر الوكلاء حاليا ، والتدخل المباشر تاليا إلا إذا أيقن خطورة جدية التهديد الروسي ، وقدرة سوريا وحلفائها  على الصمود وإفشال المخططات الغربية والإسرائيلية في المنطقة . تراجع الغرب ضروري حتى لا تبدأ الحرب العالمية الثالثة هذه المرة من الشرق الأوسط .

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. في سورية عرفنا الفرق الحقيقي بين القوة الروسية و القوة الأمريكية وأود أن أخبرك بأن روسيا لا تستطيع أن تصمد أمام الناتو أسبوع و احد
    فالسلاح الروسي عبارة عن خردة بالنسبة للسلاح الأمريكي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here