حماد صبح: تركيا قادمة بقوة.. ولكن هل تنفتح سوريا؟

حماد صبح

انشغل العالم بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية التي جرت يوم الأحد 24 يونيو الماضي انشغالا لا يقل عن انشغاله المعتاد بالانتخابات الرئاسية الأميركية ، ومسوغ هذا الانشغال ثقل تركيا الكبير في العالم ، وهو ثقل تنامى بسرعة منذ مجيء حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في 2002 ، وتولي أردوغان لرئاسة الوزراء في 2003 حتى 2014 ، ولرئاسة الدولة من ذلك العام حتى اليوم . فاز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة مؤتلفا مع حليفه الصغير حزب الحركة القومية بأكثر من 50 % من الأصوات في مواجهة معارضة صلبة أقواها الحزب الاجتماعي الديمقراطي بقيادة محرم إنجه الذي حاز حوالي 31 % من أصوات الناخبين . أعداء كثر تمنوا هزيمة أردوغان وحزبه وتوجهه الإسلامي المعتدل ، ومنهم دول خليجية أنفقت عدة مليارات لإنجاز هذه الهزيمة ، وإسرائيل المتخوفة من توجهاته الاستراتيجية في المنطقة ، وأميركا التي تجد فيه حليفا صعبا يساوم عنيدا على  كل صغيرة في مواقفه تمسكا بمصلحة بلاده ، ودول أوروبية غربية وشرقية ، وكان عداء الصحف الغربية خاصة النمساوية واضحا له ولحزبه ، ومالت قبل التأكد من فوزه إلى الاهتمام بالأخبار التي ترجح هزيمته . وأسباب كل أعدائه معروفة ، وهي تلتقي في مواضع ، وتفترق في أخرى . وعلى المستوى الشعبي العربي والإسلامي كان الفرح بفوزه عارما . في الرمثا شمالي الأردن خفضت بعض المحال أسعار بضائعها فرحا به ، وفي أميركا احتفلت الجالية الإسلامية ووزعت الحلوى ، وفي غزة كان الفرح كبيرا . مظاهر الفرح هذه تصويت غير مباشر لأردوغان وحزبه أقوى وأفصح بيانا من التصويت المباشر في تركيا ، وأردوغان وحزبه أكثر فرحا به من التصويت المباشر لتوافقه مع تطلعاتهما لقيادة العالم الإسلامي سعيا لإحياء العظمة التركية العثمانية ، وليس مهما أن يكون اسمهما إمبراطورية أو خلافة ، الأهم أن يكون العنصر التركي هو المهيمن  فيها . ومنطقي أن يكون أردوغان وحزبه تلقيا بفرح واهتمام نتيجة استطلاع الرأي الذي أجراه الإعلامي فيصل القاسم مؤخرا حول سؤال واحد : من أقدر على قيادة العالم الإسلامي ؛ تركيا أم السعودية ؟ وكان الجواب : تركيا ، بنسبة 80 % . مجيء حزب العدالة والتنمية في ذاته كان عودة قوية من تركيا لجغرافيتها وتاريخها وذاتها الأصيلة إسلاما وثقافة ومواقف ، ومهد لهذه العودة حزب الرفاه بقيادة نجم الدين أربكان الذي تولى رئاسة الوزراء من 1996 حتى 1997 بعد اغتراب طويل في التوجه كليا نحو الغرب الذي قبل تركيا في الناتو لمواجهة الاتحاد السوفيتي ، لكنه ما زال يتردد في قبولها في الاتحاد الأوروبي . وفي تلك العودة للجغرافيا والتاريخ والذات كسبت تركيا مكاسب اقتصادية وسياسية كبيرة ، وأحيت آمال بعض المسلمين الذين يتطلعون بحماسة لعودة الخلافة الإسلامية ، ووسع تعاطف تركيا مع الفلسطينيين خاصة غزة من شعبيتها في العالم العربي والإسلامي ، وصارت جامعاتها ومؤسساتها العلمية والتدريبية تستقطب الطلاب العرب والمسلمين ، وكثرت فيها الاجتماعات السياسية والدراسية والإعلامية العربية والإسلامية ، وتفوقت مدنها مثل العاصمة أنقرة وأسطنبول في هذه المناشط على كل العواصم العربية التي خرجت تماما من هذا الميدان باستثناء مظاهر عابرة لها في بيروت ، وبدا أننا نعود إلى الزمن الذي كان فيه المفكرون والشعراء والفنانون العرب يتخذون من مدن الخلافة العثمانية مقاصد لهم بين حين وآخر ، ومقار لإقامتهم بصفتها حواضر الإسلام الكبرى .

والمرجح أن يفتح فوز أردوغان بالرئاسة خمس سنوات قادمة ، وبصلاحياته الواسعة الجديدة التي أقرت دستوريا العام الماضي في استفتاء شعبي ؛ الأبواب لقدوم تركيا بقوة إلى الإقليم وإلى العالم ، وتأثيرها في إقليمها سيكون فعالا جدا ، فهذا ما تريده ، وهذا ما يريده لها الكثيرون على المستوى الشعبي ، وعلى مستوى بعض الدول مثل قطر والسودان ، وهي قادرة عليه . ويعبر أردوغان عن الطموح التركي إلى القدوم القوي إلى الإقليم بقوله : ” اقرؤوا التاريخ ! ” ، ويعني الدور الذي قام به الأتراك في الدفاع عن العالم الإسلامي ، وهو دور لا حجة  لإنكاره مهما شابته بعض الشوائب ، ومن الشوائب التي أساءت إلى التوجه التركي الجديد في العودة إلى الجغرافيا والتاريخ موقف أردوغان وحزبه من الأحداث السورية . إنه موقف نرفضه بكل قوة لما فيه من اعتداء  غادر على سيادة دولة عربية مهما كانت حجج هذا الاعتداء ، ولا حجة لمعتدٍ ، وهو ببساطة سلوك انتهازي ، وإذا استمر ، وإذا تكرر في مناطق عربية أخرى فسيكون  نذيرا بالحذر من القدوم التركي الجديد للإقليم ، وينفي ياسين أقطاي مستشار أردوغان أي رغبة تركية في الهيمنة على الدول الإسلامية ، وأقوى وأصح توكيد للنفي هو الفعل لا القول ، وسوريا أفضل ساحة الآن لبرهنة حسن النوايا التركية بالتعامل المباشر مع الدولة السورية ، ووقف التنسيق السياسي والعسكري مع أميركا في الأراضي السورية ، ووضع ترتيبات مناسبة مع الدولة السورية لانسحاب القوات التركية من هذه الأراضي .

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. تركيا أردوغأن الإنجازات ترخيص للمثلثين وتشريعه تجفيف دجلة والفرات الهجوم علي دولة إسلامية بحجة محاربة الإرهاب إقامة علاقات استراتيجية مع الصهاينة الانتماء لحلف لا يخفي عداوته للمسلمين …. وما خفي كان أعظم. .

  2. الأخوة الأتراك دخلوا سوريا حقنا لدماء أبناءنا السوريين أيا كان جزارهم..ولا أظن انهم كانوا يريدون احتلال البلاد العربية بدأّ بسوريا..فقد قرأنا التاريخ كما طلب منا السلطان ووجدنا ان كافة الشعوب العربية طالبت السلطان آنذاك بالهبه لنجدتهم من احتلال الغرب الصليبي..والله أعلم..نسال الله الخير لتركيا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here