حماد صبح: ترتيب أولوياتنا في صراعنا المصيري مع إسرائيل

حماد صبح

عادت المقاومة في غزة إلى إطلاق البالونات الحارقة والمفخخة على المستوطنات الإسرائيلية ، وفي أسبوع ، اندلع في تلك المستوطنات أكثر من 60 حريقا ، واحترق 2000 دونم من الغابات والحقول ، وردت إسرائيل بقصف جوي لعدد من مواقع المقاومة ، وبإطلاق النار على بعض نقاط المراقبة  التي ترصد تحركات الجنود الإسرائيليين في منطقة الحدود . تعلل المقاومة عودتها إلى إطلاق البالونات بتلكؤ إسرائيل في الوفاء بالتزاماتها التي تعهدت بها في المفاوضات غير المباشرة بين الطرفين  ، ومنها تسهيل دخول أموال المعونة القطرية . وأضافت إسرائيل إلى القصف الجوي وإطلاق النار على الحدود ، فأغلقت معبر كرم أبي سالم التجاري ، وأوقفت إدخال مواد حيوية مثل الإسمنت والوقود ، وضيقت مساحة الصيد البحري . وتهدد على لسان رئيس وزرائها نتنياهو ، ووزير دفاعها جانتس بمضاعفة شدة الرد على غزة . وترتفع صرخات مستوطني الغلاف بأنهم لا يستطيعون العيش تحت تهديد البالونات وحرائقها . وأبعد من هذا ، يلوم بعض الإسرائيليين دولتهم لانسحابها من غزة في 2005 ، ويقولون : ” هذه هي عاقبة الانسحاب ! غزة أصبحت بعده تهديدا مسلحا لا لمستوطني غلافها فحسب ، بل لكل إسرائيل ” . ومن هؤلاء خبير شئون الاستيطان والأديان ، اليميني المتطرف الكاتب نداف هعتسني الذي كتب مقالا في ” معاريف ” وبخ فيه من أيدوا الانسحاب ، وتحدثوا عن فوائده لإسرائيل ، ومنهم تسيبي ليفني وزيرة الخارجية السابقة ، والوزير السابق حاييم رامون . ونداف ، وأشباهه من متطرفي الإسرائيليين وجهالهم ، يحسبون إسرائيل انسحبت من غزة مزاجا واختيارا ، وليس إكراها وإجبارا ، وأنها كان من الممكن أن تواصل بقاءها فيه ، ولا يسألون أنفسهم : وإلام يدوم بقاؤها ؟!

وتعمى بصائرهم عن رؤية حقيقة صراعهم المصيري معنا ، وصفوة هذه الحقيقة أنه صراع سياسي لن تحسمه القوة العسكرية التي يتفوقون فيها علينا . وفطن من بينهم إلى هذه الحقيقة رئيس مجلس مستوطنة أشكول ، فقال : ” الحل سياسي ، والتصعيد المتكرر سببه الجمود السياسي المستمر ضد القطاع ” . ونحن من جانبنا ، وأخص بهذا المقاومة في غزة ، لا يجب أن نعمى بدورنا عن هذه الحقيقة للصراع ، ونحبسه في الجانب القتالي . هذا صراع شامل ، والقتال أو السلاح جانب منه ، والخطأ المهلك أن نهمل الجوانب الأخرى ، ومنها نوعية حياة الناس ، والاهتمام الحيوي بجعل هذه الحياة ميسورة مقبولة لا شاقة مرهقة توهن شعورهم بالانتماء لوطنهم ، وتدفعهم بقوة إلى اقتناص أي سانحة لمغادرته . الصمود ليس فكرة خيالية ، إنه واقع اقتصادي ووظائف وإمكانية حياة معقولة مقبولة . وعدونا يركز على هذا الجانب ويرعاه أوفى رعاية لمستوطنيه ، وفي نطاق هذه الرعاية ، يخص مستوطني الغلاف بمزايا كثيرة أوصلتهم إلى التدلل على دولتهم . ومن طرائفهم أنهم علموا منذ أسابيع أن للقبة الحديدية أضرارا إشعاعية تصيب الساكنين قربها ، فهرولوا فزعين طامعين في تعويض من الدولة . أهل غزة يرضون بالحد الأدنى من شروط العيش . الذي أحب أن أقوله أننا يجب أن نتجنب جلب أعباء مضاعفة لهم من تشديد الحصار مقابل إيذاء إسرائيل إيذاء محدودا تستطيع تحمله وإن أسرفت مع مستوطنيها في الشكاة منه مثل إطلاق البالونات . يحسن أن نوازن هنا بين عائد الربح وفاقد الخسارة . حققت المقاومة في غزة إنجازين عظيمين ، أولهما طرد إسرائيل من غزة ، وثانيهما حرمانها بعد طردها من حرية اجتياح غزة بريا اجتياحات متكررة محدودة أو موسعة ، أو التسلل لاعتقال أو اغتيال من تعده تهديدا لها من مواطني غزة . والواجب والصواب  بعد هذين الإنجازين العظيمين التركيز على بناء الحياة في غزة اقتصادا وعمرانا وتعليما وصحة ومجالات عيش ميسور للناس ، فهذه هي مقومات الصمود الطويل المعزز بسلاح يستعمل وقت الحاجة ضد العدو . في يوليو الماضي ، تقدم 30 ألف خريج لوظيفة معلم في الأونروا ، اجتاز الاختبار التحريري منهم عدة مئات ، وهي نتيجة بائسة تفصح عن تدني مستواهم العلمي ، وتنتظر تلك المئات مقابلات شخصية ستصفيهم إلى عشرات هم المطلوبون للحيز الوظيفي الشاغر . وهذه صورة مرعبة لضيق مجالات العمل .  كتبت وقت انسحاب إسرائيل من غزة في 12سبتمبر 2005 أن بناء بيت جديد أنفع لنا من إطلاق صاروخ على إسرائيل ، وما زال هذا رأيي . للبناء الشامل أوقات ، وللقتال عند الضرورة وقت . وصراعنا مع المشروع الصهيوني طويل، وكل حقائق هذا الصراع ظاهرة وباطنة تقضي بفوزنا فيه ، فلنعزز هذه الحقائق بحكمة التصرف ودقة الحساب في تقدير مآلات أفعالنا متحررين من انفعالاتنا التي يفارقها الاتزان والعقلانية أحيانا، بل في كثير من الأحيان.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. واقعي جدا
    فيما يخص الجانب الغزي لابد من التركيز على تحسين الاقتصاد والتعليم والصحة
    وحصول المواطن على ابسط حقوقه ،
    مع عدم التمييز بين فئات المجتمع .
    يجب ان يكون الجهد المبذول في تحسين الظروف مساوي للجهد المبذول في القتال والمقاومة.
    خلاصة القول ان شعرت بالجوع لن افكر الا بتلبية نداء المعدة.

  2. كلام واقعي جدا فيما يخص الوضع الغزي ..بالفعل حين أجوع فلن يكون تفكيري الا بالحصول على الطعام
    اساس التقدم الاقتصاد ..ان جوع المواطن الغزي وحرمانه من الحقوق التي يستطيع المسؤول تحقيقها هي نقطة ضعف ..وخصوصا عندما يكون هناك محسوبية وتفرقة بين فئات المجتمع
    التعليم ..الصحة ..وغيرها تحتاج لجهود مساوية للجهود المبذولة في المقاومة والقتال ضد المحتل

  3. @ فلسطين أولاً @

    أدعوا الله أن يكون في عونكم أيها الأبطال
    ..
    أنتم شرف الأمة ورفعة رأسها
    .
    عاشت فلسطين حرة عربية
    .

  4. اعتقد بتخفيف حدة صعوبة الحياه في غزه لكن ليس على حساب الشعور بالظلم من الصهاينه
    فالصهاينه لديهم مخطط خبيث يجعل الغزاوي يخسر كل شيء
    فيجعله يتمنى اي عمل للحصول على ابسطهم
    وهذا لاسمح الله قد يروض اهل غزه مثل ترويضنا عرب ال48
    وترويض قرى ابو غوش والخ
    لذالك يجب ان يكون التنافض ضد الصهاينه
    من اجل فلسطين وليس فقط تحسينات اقتصاديه
    فمن مصلحة الصهيونيه تحويل قضية غزه الى قضية اقتصاد

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here