حماد صبح: ايران تتحدى أميركا.. الاستراتيجية بالاستراتيجية

حماد صبح

من إيران، من جنوب غربي آسيا، إلى فنزويلا على الساحل الشمالي لأميركا الجنوبية ؛ تحركت خمس ناقلات نفط حاملة مليونا ونصف مليون برميل وقود لمساندة فنزويلا في التخفيف عن نفسها من ثقل العقوبات الاقتصادية الأميركية التي تقاسي منها إيران أيضا . التحدي الإيراني لأميركا في هذه المهمة واضح كبير ، وله ما يليه  لصالح أو لطالح إحدى الدولتين . ومن وجوه هذا التحدي أنه يواجه أميركا في بلد قريب منها ، واعتبرته تاريخيا مع سواه من دول أميركا الجنوبية إحدى حدائقها القريبة الخالصة لها وحدها ، فكيف تتحداها فيه إيران عدوها البعيد اللدود ؟

ومن وجوهه أن إيران تقول عبره لأميركا : ” إذا كنت ترين لك مصلحة استراتيجية في منطقتي الجغرافية فإن لي كذلك مصلحة استراتيجية في منطقتك الجغرافية “، والقول الإيراني الضمني: ” فكيف لا تكون لي مصلحة في منطقتي الجغرافية ؟! ” ، ونفس القول موجه لإسرائيل التي تشارك أميركا ، بل تحثها وتشجعها ، على صد النفوذ الإيراني في هذه المنطقة ، في العراق وسوريا واليمن وفلسطين . ومن وجوه التحدي الإيراني أنه يخص النفط ، السلعة التي تحظر أميركا على إيران تصديرها إلا لمن  تستثنيه من الدول وفي وقت محدد قصير قد يمدد وقد لا يمدد . وعندما توصل إيران هذه السلعة إلى دائرة نفوذ أميركا التقليدية فالتحدي يكون في قمته . وكل وجوه التحدي ، في حالة فوز إيران فيه ، سترفد مكانتها ودورها في العالم ، وستكون في منطقتها أكثر رِفدا وعائدية . وللتحدي الإيراني قيمة أخرى ، قيمة أخلاقية إنسانية ، هي الوقوف مع المظلومين في هذا العالم ونصرتهم على ظالمهم ، وما من ظالم في العالم أسوأ وأخس من أميركا ، وتشاركها إسرائيل في هذه الصفة المسترذلة على قدر حجمها الذي يستجلب جانبا كبيرا من ضخامته من الرصيد الأميركي في الظلم .

وفي قول وزير النفط الفنزويلي طارق العيسمي العربي الأصل إن : ” سفن جمهورية إيران الإسلامية الشقيقة موجودة في منطقتنا الاقتصادية الحصرية ” الموفور من الشعور بالامتنان لإيران ، والموفور من الشعور بالتعاطف والتآزر بين مظاليم أميركا . التحدي الإيراني المتشعب يحشر أميركا في زاوية خيارات محدودة  أو معدومة . إن اعترضت الناقلات خالفت قانون حرية الملاحة في البحار ، وكشفت قواتها في الشرق الأوسط للانتقام الإيراني الذكي والفعال ، وعرضت ربيبتها إسرائيل إلى انتقام ما . وقد يكون في الحديث عن تقديرات سائدة هذه الأيام في الجيش الإسرائيلي بأن التصادم بين أميركا وإيران في الخليج أو العراق قد يدفع حزب الله إلى رد ضد إسرائيل ؛ تلميح موارب إلى تخوف إسرائيل من صدام بين أميركا وإيران في البحر الكاريبي إذا اعترضت أميركا التي تتواجد بعض بحريتها فيه السفن الإيرانية . وربما يكون هذا التخوف الإسرائيلي محفزا لأميركا من عدة محفزات تمنعها من اعتراض هذه السفن.

وغالبا ما كانت أميركا أرعى لمصالح إسرائيل ومخاوفها من المصالح والمخاوف الأميركية ذاتها . فاليهود ، مثلما قال شارون ، يحكمون أميركا ، والأميركيون يعرفون هذا . ونميل ، لا عن هوى في الرأي ، إلى ترجيح فوز إيران في هذا التحدى الاستراتيجي للأسباب التي وردت ضمنا في كلامنا ، ولسبب خلاصته أن إيران الذكية التي يعترف أعداؤها الإسرائيليون بذكائها ما كانت لتقدم على مغامرة تحدٍ تعلم خسرانها فيه ، وفي بعد فنزويلا الجغرافي عنها عذر يعفيها من الإقدام عليه .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. “كلفة الصمود أقل بكثير من كلفة الخنوع ” ، هذه حكمة ، وتصلح وسماَ نخاطب به الخانعين من العرب . أوجزت فأجدت يا أخ محمد .

  2. قلت في تعليق قبل قليل على خبر احتفال فنزويلا بوصول أول باخرة أننا نسمع دائما عن إنجاز ما تصنعه إيران ونسمع في الوقت نفسه عن معرة ما تلحق بالأنظمة العربية مما يؤكد أن كلفة الصمود اقل بكثير من كلفة الخنوع.

  3. اثبتت ايران انها تدافع عن كل مظلوم في هذه الدول ضد الغطرسة الامريكية والصهيونية وعن الشعوب المظلومة وفِي مقدمتهم الشعب الفلسطيني

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here