حماد صبح: الموقف التركي الحالي في سوريا يشوه انجازات اردوغان

 

 

حماد صبح

أزاحت انتصارات الجيش العربي السوري في شمال غربي البلاد ورقة التوت عن النوايا التركية الحقيقية في الأحداث السورية المأساوية التي بدأت في مارس 2011 . في البدء كانت تلك النوايا مغطاة بورقة توت الإغاثة الإنسانية للاجئين السوريين الذين تدفقوا على تركيا تدفقا واسعا متتابعا حتى قاربوا أربعة ملايين . وفي جو هذه النوايا المتسترة بالإنسانية غُض البصر عن فتح تركيا حدودها على سوريا ليتدفق عبرها الإرهابيون والأسلحة والأموال من كل القوى المعادية لسوريا غربيا وإسرائيليا وخليجيا . وهذا التدفق العدواني خالف علاقة حسن الجوار التي نسجها البلدان ، ومن تطبيقاتها تنقل مواطنيهما بينهما بالبطاقة الشخصية ، وسوريا كانت دائما ممرا للبضائع التركية إلى الأردن ودول الخليج . وبعد مشادة أردوغان في منتدى دافوس في يناير 2009 مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز على خلفية عدوان إسرائيل على غزة ؛ صار نجما عربيا ، واتسع تألق نجوميته بإرساله سفينة مافي مرمرة في مايو 2010 لكسر حصار غزة . وصارت تركيا حاضنة لفعاليات عربية وإسلامية   سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية لم تنافسها فيها عاصمة عربية أو إسلامية . ولقب بعض العرب أردوغان ب ” أردوغان العربي ” أملا في قائد  يعيد إلى العرب والمسلمين شيئا من هيبتهم المنقرضة . وتفهم كثيرون من العرب سعي تركيا لاستعادة مكانتها في المنطقة العربية والإسلامية محفزة بصد الغرب لها ورفضه قبولها في الاتحاد الأوروبي لهويتها الإسلامية ، وبالحنين إلى مجد امبراطورية دامت 400 عام قي عباءة الخلافة الإسلامية .  الموقف التركي في سوريا صدم هؤلاء العرب ، وظهر أنه خلق عامل إطالة للمأساة السورية أكبر من أي عامل آخر . ومنذ ديسمبر الماضي ، ومع بدء هجوم الجيش العربي السوري على الجماعات المسلحة ، وتوسعه في انتصارات متلاحقة في الشهر الحالي حرر فيها بلدات كثيرة مهمة مثل سراقب، وطريق دمشق _ حلب ، واستعداده لتحرير طريق إدلب _ حلب ، و طريق حلب _ اللاذقية ؛ جن أردوغان وحزبه وجيشه ، واعتبر الهجوم السوري مخالفا لخفض التصعيد في اتفاق سوتشي في 2018 الذي لم يلنزم به جيش تحرير الشام المدعوم تركيا ، وقتلت القوات التركية أكثر من مائة جندي سوري ، وصدرت عن أردوغان  تصريحات غريبة خالية من أي حساسية نحو السيادة السورية ، ومن يقرأها ولا يعرف صورة الواقع يحسب  القوات السورية تقوم بعملياتها في الأراضي التركية ، قال مهددا : ” إذا تعرض جنودنا في نقاط المراقبة  أو في مكان آخر لأقل ضرر سنضرب قوات النظام في أي مكان ” ، وأنذر بإسقاط الطائرات السورية ،  وأكمل غرابة موقفه فطلب العون من أميركا والناتو كأن دولة عظمى تهاجم بلاده في ترابها الوطني .

وموقفه ، وتصرفات قواته الآن في الأراضي السورية هي التي تعيق تحرير القوات السورية لإدلب آخر مناطق تواجد الجماعات المسلحة في شمال غربي سوريا ، وتنذر بصدام واسع مع سوريا وربما مع روسيا . لماذا تنسى القيادة التركية الحالية أن بلادها لم تتحمل في تسعينات القرن الماضي وجود  عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني في سوريا ، وهددتها بالحرب إذا لم تبعده ، وكان لها ما أرادت ، فقبضت عليه وسجنته ، ولا يزال سجينا ؟! تركيا ترى عود سوريا في عينيها ، وهي التي اقتربت من هذا لعود ، ولا ترى عمودها في عيني سوريا الذي اندفع  شره  إلى عيون عرب كثيرين ، فخسر أردوغان وتركيا تأييدهم وإعجابهم ، وجعلهم ينظرون إليه بعين الريبة والسخط . بالقوة الناعمة تكسب تركيا الكثير في العالم العربي والإسلامي ، وبالقوة الخشنة العدوانية التي تفوح منها رائحة الرغبة في التوسع الإقليمي والهيمنة تخسر كل شيء في هذا العالم ، ولا نستبعد أن تكون سوريا مصيدة غربية إسرائيلية لأردوغان ولتركيا .  لا نستبعد هذا من الذين حركوا انقلاب يوليو 2017 ضده . العلاقة العربية التركية تاريخيا حافلة بالسليبات  والإيجابيات ، ومن الحكمة والحصافة والحفاظ على مصلحة الطرفين زيادة الإيجابيات وتقليل السلبيات ، والموقف  التركي  في سوريا يزيد السلبيات ويقلل الإيجابيات لما فيه من عدوانية ونزعة توسعية .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here