حماد صبح: إسرائيل ستنفذ صفقة القرن منفردة

حماد صبح

ينذر تشكيل اللجنة الأميركية _ الإسرائيلية  لتدارس إجراءات تنفيذ صفقة القرن بأن إسرائيل ستنفذها عمليا منفردة دون أي اعتبار للموقف الفلسطيني ، وفي هذا قال نتنياهو إن الموقف الفلسطيني ليس مهما ، وإن المهم هو الموقف الأميركي . وليس في سلوك إسرائيل أي مفاجأة ، ومسوغاته عميقة في المشروع الصهيوني الذي لا يرى للفلسطينيين أي حق في هذه البلاد ، وتارة ينكر وجودهم ، هكذا بكل صفاقة وتعامٍ ، وتارة يستسهل التخلص منهم .

وفي اتفاق أوسلو ، وهذا إثم عظيم اقترفه المفاوضون  الفلسطينيون ، لم تعترف إسرائيل بأي حقوق للفلسطينيين في الأرض ، وكل ما اعترفت به تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية لهم بهدف محدد ، هو إيجاد جهة فلسطينية تعترف بشرعية استيلاء إسرائيل على 78 % من فلسطين التاريخية ، والباقي ، الضفة وغزة ، أراضٍ متنازع عليها يتقرر مصيرها في مفاوضات لاحقة ، والاعتراف الفلسطيني الخطير الحاسم بشرعية استيلاء إسرائيل على هذه المساحة الكبرى من الوطن الفلسطيني كان هدفا مركزيا ومصيريا في المشروع الصهيوني أوجزه بن جوريون في قوله: ” لا قيمة لانتصاراتنا عليهم ما لم نحصل على توقيعهم ” ، وهو ما حصلوا عليه  في أوسلو بأبخس ثمن : الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا للشعب الفلسطيني ! أي الاعتراف بطرف يوقع على التنازل عن الحقوق الفلسطينية .

وانسجاما مع مسوغات المشروع الصهيوني العميقة استغلت إسرائيل الأعوام الستة والعشرين التي تلت اتفاق أوسلو في توسيع الاستيطان في القدس والضفة ، وتملصت من أي مفاوضات جادة صادقة النية للتوصل إلى حل نهائي تقوم بموجبه دولة فلسطينية في الضفة وغزة بصفات معقولة تجعلها قابلة للحياة ، وأكثرت من الحديث عن غياب شريك فلسطيني يصنع معها السلام ، وهذا الادعاء أيضا لا مفاجأة فيه لكونه ضلعا في المثلث الذي حدده الصهاينة لقيام دولتهم وبقائها ؛ مثلث ” القوة والسياسة والخديعة ” ، ويجب أن نعترف بأنهم منسجمون  دائما مع قناعاتهم ومخططاتهم ، ولا يتركون أي ثغرة بينها وبين أفعالهم . وعند انسحاب إسرائيل من غزة في 12 سبتمبر 2005  لم توقع  أي وثيقة مع السلطة الفلسطينية في شأن الانسحاب ، ولم تطلب منها سوى تأمين ظروفه حتى لا يتعرض مستوطنوها وجنودها لأي مهاجمة أثناءه .

وسر عدم توقيع أي وثيقة أنها وفق مسوغاتها العميقة لا تعترف بأن   غزة محتلة إسرائيليا   ، وأن انسحابها منها لا ينفي تبعيتها لها مثل بقية الأرض الفلسطينية ، ولا يؤكد ملكية الفلسطينيين لها ، وأن الباب مفتوح أمامها مستقبلا للعودة إليها متى تهيأت الأحوال لهذه العودة . إنها تراهن على المستقبل مهما كان بعيدا ، فما بيننا وبينها صراع وجود ومصير ، وهي تعلم هذه الحقيقة ، وتتصرف بتأثيرها . وكل خطوة في ميقاتها  المناسب . وهذا ما تحقق  الآن في الضفة في زمن  إدارة أميركية تقدم الأرض العربية في سوريا وفي فلسطين هدايا مباحة لإسرائيل ، وفي زمن انهيار العالم العربي انهيارا غريبا خارجا عن كل قوانين تاريخ المجتمعات والدول لم يتوقعه لا الحالمون الصهاينة ولا المتشائمون العرب . فلم تكن صفقة القرن ، في هذا الزمن ، مفاجئة في بنودها ، ولا في خطوات تنفيذها التي قررت إسرائيل القيام بها عمليا منفردة .

وفي نيتها الضم النهائي للضفة ، ولم يخف نتنياهو هذه النية ، وتحدث عنها أكثر من مرة ، آخرها  منذ أيام . ولا زالت السلطة الفلسطينية أسيرة خرافة نفع المفاوضات مع عدو يتجاهل شعبها ويتجاهلها إلا في وظيفتها الأمنية التي مكنته من توسيع الاستيطان في الضفة توسيعا لا رجعة فيه ، وينذر بالاستيلاء سياديا على كل الضفة ، وتستعين بالعلاقات العامة في استجداء التفهم الإسرائيلي للحقوق الفلسطينية ، ولبيان حسن نيتها ، فتعقد في أسبوع واحد اجتماعا في الداخل الفلسطيني وآخر  في رام الله مع إسرائيليين ، بينهم مستوطنون ، لبيان وجهة النظر الفلسطينية في صفقة القرن ، وربما الأمل في كسب تعاطفهم مع هذه الوجهة .

ولا فائدة من هذا الأسلوب مع من يستولي على الأرض بالقوة المسلحة ، ويفعل بها ما يريد منفردا ، وهو ما فعلته إسرائيل دائما ، وتنوي هذه الأيام أن تفعله تنفيذا لصفقة القرن التي منحتها الإدارة الأميركية شرعية عدوانية لتنفيذها ، وعينت سفيرها في إسرائيل ديفيد فريدمان رئيسا للجانب الأميركي في لجنة تدارس إجراءات التنفيذ ، وهذا تصرف لم يعرفه تاريخ الدبلوماسية ، وأقدمت عليه أميركا استجابة لإرادة  إسرائيل ، واستهانة مارقة بالفلسطينيين والعرب . الشعب الفلسطيني غاضب غضبا عارما من موقف السلطة إزاء الطغيان الإسرائيلي والأميركي في وأد حقوقه الوطنية ، وعلى السلطة أن تحذر عواقب هذا الغضب الذي يتفجر الآن في تجليات كثيرة ، والآتي من هذه التجليات  لا يتصوره إلا قلة .

في فلسطين التاريخية 7 ملايين ، أكثر من اليهود ب 200000، وهؤلاء لن يمكنوا أحدا من لفظهم خارج وطنهم التاريخي ، وفي الخارج أكثر من 6 ملايين فلسطيني في جيناتهم صوت دائم يذكرهم بأنهم فلسطينيون ، وفي قلوبهم حلم صلب متجذر بأنهم إن لم يعودوا مع أبنائهم إلى فلسطين فسيعود أحفادهم .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here