حماد صبح: إدامة أجواء التوتر والصراع في الخليج بديلا عن الحرب

 

حماد صبح

تراجعت احتمالات نشوب الحرب بين أميركا وإيران تراجعا واضحا وملموسا . ترامب ووزير خارجيته بومبيو قالا أكثر من مرة إنهما لا يريدان حربا مع إيران . تابع أميركا السعودي ألمح على لسان ولي العهد محمد بن سلمان أنه أيضا لا يريد حربا معها .

وبديهي أن يلمح التابع السعودي إلى ما ألمح إليه . فإذا لم تحارب أميركا إيران فالتابع السعودي لن يحاربها وحده لتيقنه سلفا من نتيجتها الحتمية التي ستكون هزيمته ونهايته نظاما .

 وانهياره العسكري في اليمن مع كثرة معاونيه ، ومنهم أميركا وإسرائيل ، برهان كبير على عجزه القتالي بكل أسلحته المتطورة وماله الكثير . فالسلاح مهما كانت نوعيته تطورا أو تخلفا يعتمد على المقاتل الذي يعلم لماذا  يقاتل ، وهذا هو الفرق الكبير بين  مقاتلي جماعة أنصار الله ومقاتلي ما يسمى التحالف العربي .

وعزوف أميركا عن محاربة إيران  ليس علامة على حسن نيتها أو أخلاقيتها ، وإنما لإدراكها خطورة مثل هذه الحرب عليها وعلى إسرائيل وعلى دويلات الخليج . والذي لا تريد أميركا أن تكف عنه هو خلق أجواء التوتر والصراع في الخليج لما تجلبه لها هذه الأجواء من منافع وفيرة من حيث بيع الأسلحة إلى دويلات الخليج ، وأولها السعودية ، ومن حيث العوائد المالية التي  تدفعها هذه الدويلات للقوات الأميركية في المنطقة ، وللعاملين الأميركيين العسكريين الذين يعملون مع هذه الدول بعقود شخصية أو من خلال شركات ، ومن حيث توسع النفوذ الأميركي في هذه الدويلات بصفة أميركا حامية لها في أجواء التوتر والصراع .

وفي هذه الأجواء ، يدرس ترامب إرسال مزيد من القوات الأميركية إلى الخليج ، ويتحدث بومبيو عن خيارات عسكرية لإعادة الردع الأميركي فيه مؤكدا أن هذه الخيارات لا تعني بالضرورة الحرب مع إيران .

وتفيد أجواء التوتر والصراع دويلات الخليج خاصة السعودية في إبعاد اهتمام الناس عن المشكلات الداخلية النابعة من الفساد وسوء الإدارة إلى الأخطار الخارجية الوهمية المكبرة .

وهي أيضا تفيد إسرائيل في التوسع في تقاربها مع هذه الدويلات ، وإخراجه إلى العلن ، والسعي السريع لإعطائه صفة رسمية . وديمومة أجواء التوتر والصراع أخطر على الشعوب من الحرب الساخنة التي تنتهي مهما طالت ، ومهما كان ما أحدثته من القتل والتدمير فإن هذه الشعوب غالبا ما تنبعث من جديد ، وتبني مجتمعات ودولا أكثر حيوية وقوة وإنتاجا مما كانت قبل الحرب ، وفي ما حدث لألمانيا ولليابان في الحرب العالمية الثانية ، وما بلغتاه بعدها من قوة اقتصادية وصناعية وعمرانية وعلمية ؛ درس واعتبار .

ولو كانت دويلات الخليج دولا حقيقية لعملت معا على تخليص بلادها من أجواء التوتر والصراع ، وانشغلت بقضاياها الداخلية ، وطورت نظمها السياسية بتوسيع المشاركة الشعبية فيها ، ولكن مشكلة هذه الدويلات أنها ليست دولا حقيقية ، وكلها اختلاق غربي بدءا ببريطانيا وانتهاء بأميركا ، ولهذا لن ينتهي خضوعها واستسلامها في كل شئونها لأميركا الفظة الخشنة التي ليس لها لطف سياسة بريطانيا ومراعاتها لبعض الحساسيات المحلية ، ومن مظاهر هذا الخضوع والاستسلام إدامة أجواء التوتر والصراع في إقليمها الجغرافي لكونها مصدر منافع لأميركا ولإسرائيل ولحكام هذه الدويلات بعيدا عن المنافع الحقيقية لشعوبها التي من منفعتها أن تعيش في سلام مع جوارها العربي والإسلامي ممثلا في اليمن وإيران أولا بحكم الجوار المباشر معهما .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here