حماد صبح: أكبر أسباب انتصارات أعدائنا علينا من صنعنا

حماد صبح

بعد الإعلان الأميركي الرسمي في البيت الأبيض ، وبحضور نتنياهو ، ل” صفقة القرن” ، لم تعد تفاصليها موضوع تسريبات وتوقعات ، إنها الآن بنود  واضحة محددة   ، وكل البنود  تبين أنها كتبت من ألفها إلى يائها بيد إسرائيلية ، ، وأن أميركا محض متبنٍ لها ، وحاشد لمؤيديها من الطرف العربي خاصة . وحتى الآن كل ردود معارضيها من الفلسطينيين وبعض العرب لم تتجاوز التهديد الكلامي بإفشالها ، وهي الطريقة المألوفة لدينا دائما في مواجهة الأخطار المصيرية الكبيرة . ولأن أعداءنا يتوقعونها منا فإنهم يقدمون على فعل ما يريدون مطمئنين إلى أن ردودنا لن تتجاوزها ، فلا خوف منها ولا ضرر عليهم . فما كانت الإدارة  الأميركية لتقدم بدفع من إسرائيل على ما أقدمت عليه من عدوان على الحقوق العربية في الأرض والسيادة إلا لثقتها في ضعف الردود العربية المعارضة ، وتنسيقها مع أطراف عربية كثيرة ربطت مصيرها  بأميركا و بإسرائيل . فعلت هذا في القدس وفي الجولان ، ولم تلق أي رد عربي معارض بقوة ، ومعاقب لها بفعالية على جرمها . وهي تتجرأ الآن في ثالث ضربة للحقوق العربية على الإعلان عن ” صفقة القرن ” التي تستجيب لكل ما تريده إسرائيل من سيادة كاملة على القدس ، وضم لمستوطناتها في الضفة ،  و ضم لغور الأردن ، وإجهاز على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم ،  وإقرار بيهودية إسرائيل .  وكل هذه المكاسب  الإسرائيلية الكبيرة مقابل وعد للفلسطينيين  بعظمة صغيرة في هيئة دويلة مهلهلة  بلا سيادة  بعد مفاوضات طويلة مضنية قد لا تفضي حتى إلى هذه الدويلة ،  ولو أفضت إليها  فإنها ستكون مرحلة مؤقتة لحل مشكلة سكانية تؤرق إسرائيل إلى أن تجد لها  حلا  في خطوة تهجير جماعي عنيف   ،  . وما أمهر أعداءنا في ترتيب خطواتهم التي تنتهي بالانتصار ! ورغم هذه المهارة التي تنتجها ثقافة وعقلية تختلف عن ثقافتنا وعقليتنا فإن أكبر أسباب انتصاراتهم علينا من صنعنا . لماذا لا ينتصرون إلا علينا ؟! تاريخ تدخلات أميركا منذ الحرب العالمية الثانية سلسلة متواصلة من الإخفاقات والخسائر المادية والبشرية الكبيرة ، وهنا ، في المنطقة العربية ، تقفز من نجاح إلى نجاح ، وبأبخس الأثمان رغم توجع ترامب من التريليونات الخمسة التي خسرتها أميركا في العراق ، وكل انتصار أو نجاح أميركي يوجَه في النهاية لتأمين إسرائيل وتقويتها وانتصار مخططاتها حتى صارت على صغرها وحداثة وجودها القوة  المهيمنة في المنطقة ، ولا يخفف من سطوة هيمنتها إلا التحدي الإيراني العنيد والتعاظم التركي المتواصل باندفاع وحماسة . انتصاراتهم سببها  الخضوع العربي لأميركا وإسرائيل  الذي اختارته أنظمة حكم عربية إما قبلية وإما عسكرية وإما مذهبية وإما طائفية أبادت الروح الوطنية والقومية لدى شعوبها ، ويممت وجهها نحو العقيدة الإسلامية تخرب قدرتها الهائلة على توحيد العرب وسائر  المسلمين ، والجميع عربا ومسلمين مستهدفون من الخطر الغربي والصهيوني . وحصرت أنظمة الحكم  العربية شعوبها في دائرة ضيقة من الانشغال بالقضايا الداخلية مهملة إهمالا كليا صلة هذه القضايا الوثيقة والمصيرية بالقضايا العربية والإسلامية  الأخرى على استحالة الفصل واقعيا بين هذه القضايا . ف”صفقة القرن” مثلا  سيكون لها ارتداداتها عاجلا وآجلا على كل العرب والمسلمين . وترامب قال إنه اتصل بدول عربية وعرض عليها تفاصيل الصفقة ، ولم يلق إلا الموافقة والمناصرة ، فلماذا نتوقع منه ألا يعلن عنها في الوقت الذي اختاره  مع مستشاريه ومع نتنياهو  ؟! وإسرائيل تتلهف على الصفقة لكونها في صالحها الوطني والمصيري أرضا وسياسة وأمنا ، وهي المحفز عليها والصائغ الحقيقي لبنودها ، ولا أحد يواجه أميركا وإسرائيل ويعاقبهما لاجترائهما الفاحش الجائر  على الحقوق الفلسطينية والعربية ، وعلى النقيض ، أكثرهم يؤازرهما في تنفيذها إما تآمرا وإما عجزا وإما لا مبالاة . السلطة الفلسطينية تصرخ وتنتقد الصفقة وهي التي شاركت 26 عاما في تمهيد الواقع لها في الضفة ، والأردن الرسمي لا يريد إلا النجاة بجلده  من شرها ، ومصر في وادٍ ، بل في كهف بعيد في انعزال  تاريخي عن ذاتها وعن جوارها ، وكل ما يصدر عنها غمغمات مضطربة واهنة ، واضطرت خارجيتها إلى إصدار بيان ثانٍ عن الصفقة معدل قليلا بعد البيان الأول الهزيل الموافق في نصه وروحه على  ما فيها من ميل كلي لصالح إسرائيل ، والخليجيون أيديهم على جيوبهم لتمويل تنفيذها ، فلماذا لا تنفذها أميركا وإسرائيل في هذا الجو المواتي من كل النواحي توكيدا لحقيقة تاريخية مأساوية ، هي أن أكبر أسباب انتصارات  أعدائنا علينا من صنعنا ؟! من مأثورات كلام بن جوريون : ” عندما تواجهنا مشكلة نلجأ في حلها للعرب ” ، ولو عاش ورأى ما قدمه  العرب من حلول كبيرة لمشكلات دولته لقال ما هو أقسى وأسوأ من تلك المأثورة .

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here