حكايات الخزعبلات .. غزة : “السحر والشعوذة”

6678.jpj

اسامة الكحلوت-تلعب الخرافة دورا كبيرا في حياة الشعوب ليس باعتبارها جزءا من الموروث الشعبي وانما لتحكمها وسيطرتها على نمط التفكير والتعامل مع البيئة والظواهر المحيطة بنا ، والخرافة بشمل ممارسات الشعوذة والدجل والتنجيم  وتعاطى السحر والايمان بالأشباح والاعتقاد في الاموات والاولياء والتواصل مع الجن.

وقد يكون الشرائح الدنيا في المجتمع الفلسطيني الاكثر تزايد في الوقت الحالي ليست وحدها من تؤمن بالخرافة والسحر والشعوذة بل تتجاوزها الى  الفئات  الاخرى داخل المجتمع والشرائح العليا ، كأحد ابرز وسائل الاستشفاء من معظم الامراض النفسية والعضوية .

فسرعان ما ينصح ذوو المريض لسرعة التوجه لمن  يطلقون علي انفسهم ” مشايخ ” او ” الدجالين ” بدعوى انه  ” مبروك ” وقادر على تحقيق الشفاء من الامراض المستعصية بسرعة قياسية ، وتكلفة قليلة.

وكثيرا من يتعمد البعض استبعاد فكرة التوجه للطبيب النفسي، رغم معرفتهم أو شكهم بأن شكوى قريبهم نفسية، بسبب النظرة السلبية التي توجه لزائر الطبيب النفسي، وقد يطلق على هذا الشخص لقب “مجنون”، رغم أن شكواه قد تكون بسيطة وتشفى سريعا.

الدكتور والمعالج النفسي يوسف عوض الله، مدير عيادة نفسية، أعرب عن بالغ قلقه لزيادة توجه المواطنين للدجالين، وممن يدعون مقدرتهم على علاج الأمراض، مبينا أن الأطباء كثيرا ما يعانون من هؤلاء، اللذين يتبعون طرق غريبة في العلاج، غالبا ما تؤدي إلى تفاقم حالة المريض.

وبين عوض الله، أن المشكلة النفسية التي قد تستغرق جلسات قصيرة وعلاجات بسيطة، قد تتفاقم وتصبح معقدة بفعل هؤلاء وممارساتهم الخاطئة تجاه المرضى..

ولفت عوض الله  في حديثه إلى أن أخطر ما واجهه من حالات كانت قبل يومين فقط، حين جاء طفل بصحبة والدته إلى العيادة النفسية، وكان يعاني اضطرابات شديدة، عقب توجهه برفقة والده إلى إحدى المقابر، لدفن شاب توفي في حادث، مبينا أن الطفل بعد أن شاهد المشيعون ينزلون التراب في القبر تغير حاله، ولم يعد ينام ولا يأكل ولا يشرب، ودائم السؤال عن أحوال الأموات بعد دفنهم، ما دفع والداه وبناء على نصيحة من أقرباء، بأخذه إلى معالج أو ما يطلق عليه “شيخ”.

وتابع: ” بناء على ما قالته الوالدة والطفل البالغ من العمر 12 عام، قام المعالج بنهر الطفل وتهديده بحقنه عشرات الحقن، ووضع النار على لسانه إذا كذب، ثم بدأ بفعل أشياء غريبة، كان أبرزها الضغط بقوة على مفصلي اليد اليمنى و اليسرى “تمريجة “، ما تسبب في ” فقع ” بعض الأوعية الدموية لدى الطفل، فظهرت ما نسميه في الطب ” ورم دموي haematoma ” ” في كلتا اليدين.

ولفت إلى أن الطفل كان يعاني تدهور حاد في حالته، التي تم تشخيصها لاحقا على أنها “اضطراب الكرب الحاد “، وتم بالتوافق مع الأخصائية النفسية، ووضع الخطة العلاجية المناسبة للطفل و جار متابعته.

وبين عوض الله، أن الحادثة المذكورة، وغيرها من الحوادث، دفعته للتنبيه من مخاطر هؤلاء ممن يدعون المعرفة، ويتبعون طرق علاجية بدون أي سند علمي أو معرفي، ما يلحق ضرر بالغ بالمريض، وقد يؤدي إلى تفاقم حالته المرضية.

ودعا عوض الله المواطنين لتغيير الأفكار السلبية المتعلقة بالتوجه للطبيب النفسي، فالعقل والأعصاب كما أي عضو في الجسم، ممكن أن تصاب بأمراض وعلل، والله سبحانه وتعالي خلق الطب والدواء، والتقدم العلمي الكبير أتاح الشفاء لمعظم الأمراض النفسية.

مؤيد ومعارض

أما المواطنون، فقد انقسموا في آرائهم ما بين مؤيد لفكرة العلاج بواسطة “المشايخ” ومعارض وغير مصدق للأمر.

الفتاة ” رائدة”، من جنوب قطاع غزة، أكدت أنها لم تلق للعلاج بواسطة “المشايخ”، أي اهتمام، ولم تتعب نفسها قط بالتفكير في هذا الأمر، الذي رأته بعيد كل البعد عن المفاهيم العلمية، إلى أن جاء أحد المشايخ إلى منزل عائلتها، لعلاج قريب يقطن في نفس المنزل.

وقالت: ” لدى مغادرة هذا الشيخ المنزل، تمسمر أمام باب غرفتي المغلقة، وأنا بداخلها، وأخبر أقربائي أن ثمة شخص يعاني من “عمل” قديم في تلك الغرفة، فقاموا بالطرق على الباب، وبعد الاستئذان دخل الشيخ”.

وتابعت: ” ما هي إلا دقائق، حتى شخص الشيخ الحالة “عمل قديم”، يهدف إلى منع حدوث زواج، ومن قام به قريب لنا.

وأوضحت أنها ومنذ ذلك الوقت وهي في حيرة من أمرها، وثمة أفكار تتصارع في رأسها، تارة تصدق الشيخ، وتفكر بالبحث عن علاج لديه أو غيره، وتارة تستبعد الأمر، فهي تعيش صراعات نفسية غير مسبوقة على حد تعبيرها.

أما الشاب ” محمد “، فأكد أن السحر والعمل موجود في القرآن، والعلاج بواسطة الآيات القرآنية أمر قديم ومعروف.

وأوضح أنه يجب على المواطنين التفريق بين نوعين من المشايخ، فالبعض منهم يعالجون بواسطة السحر والدجل ويطلبون مطالب غريبة، ومعظمهم “نصابون”، وغالبا ما يفعلون ذلك مقابل مبلغ من المال، والتعامل مع هؤلاء محرم.

وتابع: ” وهناك البعض يعالج بالقرآن، ولا يبتغ من ذلك سوى مرضاة الله، وهم يصرفون السحر والكيد عن الناس، وهؤلاء هم من يجب التعامل معهم”.

وأوضح محمد “ع″، أنه سبق وتوجه لأحد المشايخ، لفك “عمل”، كانت تعاني منه زوجته، وكانت جراء ذلك دائمة الضيق، وتشعر أنها تكرهه، وبعد جلسات قصيرة من العلاج بالقرآن، وبالماء “المقري عليه”، شفيت تماما.

أما الفتاة أمال قاسم، فأكدت أنها لا تؤمن مطلقا بالدجالين، وتشعر أن التعامل معهم ضعف، وقلة إيمان بالله سبحانه وتعالى.

وأوضحت أن قلة من المشايخ ممن يحاولون تحصين الناس بالقرآن، بينما السواد الأعظم ممن يدعون “المشيخة”، يتعاملون مع السحر والشعوذة، وبعضهم “دجالون” وهدفهم ربحي، وهم لا يعالجون الناس بقدر الإضرار بهم.

واعتقدت قاسم، أن الإيمان بالدجالين هو موروث ثقافي قديم، تتناقله الأجيال، ومعظم ما يقال عن قدرة هؤلاء في العلاج هي خيالية، مستوحاة من قصص غير واقعية، بتناقلها المواطنون دون تمحيص أو تفكير.

وطالبت قاسم بتوعية المجتمع، وحث الناس على التوجه للأطباء والمراكز الطبية المتخصصة لعلاج الأمراض سواء العضوية أو النفسية، كما طالبت الجهات المعنية بشن حملات، لاعتقال الدجالين، وإيقافهم عن البعث بمصير الناس ونهب أموالهم.

أما الاختصاصي الاجتماعي علاء عياش، فرأى أن توجه المواطنين للعرافين والسحرة، له عدة أسباب، أبرزها قلة الوعي، والموروث الثقافي الخاطئ بقدرة هؤلاء الدجالون على علاج الأمراض، مستدلا على قوله بانتشار الظاهرة المذكورة في القرى الريفية، أكثر منها بكثير في المناطق الحضرية التي يكثر فيها المتعلمون.

وبين أن خوف المريض وذووه مما يسمى عليما بـ”وصمة الطب النفسي”، أي أن يقال عن الشخص بأنه مجنون، يجعل الناس لا يقبلون على العيادات النفسية، ويفضلون العلاج لدى الدجالين.

ولفت إلى أن الفقر له دور كبير في هذا المجال، بحيث يضطر المواطنون لاصطحاب مرضاهم للدجالين والعارفين، على أن يتوجهوا للأطباء، ويضطروا لتحمل تكاليف علاج لا يطيقونها.

وأكد عياش في حديثه أن الدجالين أنفسهم يروجون لقدراتهم عبر أعوان لهم، بحيث ينشر هؤلاء الأعوان قصص مفبركة عن قدرة الدجالين في علاج الأمراض، ومقدرتهم على تحقيق كل ما يتمناه الشخص، بدءا بالحلم في الإنجاب، ومرورا بعلاج الأمراض المستعصية، وليس انتهاءا بما يعرف بالتخلص من “مس الجن”.

ودعا عياش إلى ضرورة إطلاق حملات توعية مكثفة داخل المجتمع، تزامنا مع ملاحقة هؤلاء الدجالين ووقف عملهم، من قبل الجهات المعنية.

ودفع تهافت المواطنين على أحد الدجالين وإيمانهم المطلق به، لادعائه بأنه يتعامل مع طاقم طبي متطور من الجن، يستطيعون إجراء عمليات جراحية معقدة للمريض دون جراحة أو الم، فما على هذا المريض سوى الاستلقاء على الفراش، والاسترخاء، وهذا الدجال يخاطب الجن الأجنبي بلهجة غريبة.

وقد تطور الأمر بهذا الدجال الذي شاع صيته قبل سنوات، لحجز مواعيد لإجراء العمليات مقابل مبالغ من المال، إلى أن استطاع أحد الشبان مواجهته، وتحديه أمام الجميع ما أسهم في كشف أمره.

من جانبه حرم الشيخ والداعية محمد لافي التوجه للعرافين والدجالين، لما في ذلك من حرمة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم.

واستغرب لافي ما شاع حاليا من فتح ما يسمى بـ”العيادات القرآنية”، للعلاج والاستشفاء، مشددا على أنها درب من دروب الدجل والسحر، فالعلاج بالقرآن ما هو إلا أدعية وآيات يتوجه فيها الداعي إلى الله لشفاء المريض، ويشترط أن لا يحدد مكانا وزمانا لعمله.

وطالب لافي الجهات المعنية، بمنع هؤلاء الدجالون عن العمل، لما في ذلك من حرمة دينية، وإفساد للمجتمع، وحرف وجهة الناس عن العلم والطب، والعلاج القرآني السليم.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here