أيهم الطه: حقول من الألغام تحيط بأنقرة وعلى أردوغان البحث عن السلم المناسب للنزول من الشجرة التي صعد إليها

 

 

أيهم الطه

بدت نبرة الرئيس التركي الطيب أردوغان عالية جدا وهو يهدد بشن هجمات تستهدف قوات النظام في اي مكان من سورية ليحذو حذو الأمريكيين و الإسرائيليين و لكن هل يمتلك أردوغان القوة و القدرة لفعل ذلك ؟! وهل يمتلك القدرة لحماية جنوده داخل الأراضي السورية؟ وهل يمتلك الغطاء القانوني والأخلاقي؟! خاصة بعد أن بدا واضحا ضعف العنصر البشري السوري الذي تعتمد عليه أنقرة في سورية عندما أخذت المجموعات المسلحة التي تدعمها تركيا بالانسحاب سريعا و دون مقاومة تذكر من المناطق التي كانت تسيطر عليها ,كما أنها  أن فقدت جزء من غطائها الأخلاقي الذي كانت تدعيه كمعارضة ’’سورية مسلحة ’’ هدف وجودها هو حماية المدنيين السوريين، وذلك عندما تحول جزء منها الى مرتزقة تتحكم بهم تركيا وترسلهم الى مناطق أخرى خارج سورية وهذا ما ورد على لسان أحد قادة الفصائل المسلحة مؤكدا تبعيته للحكومة التركية و أنهم يقاتلون حيث تأمرهم.

التصريحات الغاضبة والمتناثر  والتهديدات التي امتدت لتطال حلفاء دمشق  وصفتها القيادة السورية في دمشق ’’بالجوفاء ’’ بينما وجدها آخرون موجهة  لداخل  التركي و مناورة من أردوغان لن ينتج عنها شئ لكنها  استدعت  ردا  حازما من موسكو يطالب انقرة  بالكف عن مثل هذه التصريحات الاستفزازية .

دعم معنوي: فقدت انقرة  الكثير من رصيدها الأخلاقي الذي كانت تتاجر به خلال سنوات الحرب السورية عندما حولت اللاجئين السوريين الى اوراق ضغط ومساومة مع الأوربيين  ,  كما فقدت انقرة  مشروعية التدخل العسكري  وسنده القانوني عندما تجاوزت اتفاقات اضنة الموقعة مع الحكومة السورية في 1998  و لم تنفذ مالتزمت به في اتفاقات سوتشي 2018 .

الرئيس التركي اليوم مأزوم  داخليا بسبب تفتت قوته السياسية حتى داخل حزبه ’’العدالة والتنمية ’’ وإنخفاض  رصيده الشعبي  الذي بدا واضحا في الإنتخابات المحلية التركية وفقدان المدن الكبرى و خاصة هزيمته في إسطنبول التي حافظ عليها لأكثر من 20 عاما ولذا فأردوغان اليوم يعي جيدا أنه  ليس بحاجة الى المزيد من الخسائر وهو يواجه العديد من المشاكل السياسية والاقتصادية الداخلية  .

كما أن رصيده الخارجي  تناقص بشكل كبير وتحول الى حالة من التوتر والمشاحنات مع العديد من الدول الكبرى و دول الجوار .

لكن هل سيساعد الدعم الأمريكي لتركيا في التصدي لتقدم الجيش السوري ( هذا في حال صدقت الولايات المتحدة وحصل مثل هذا الدعم ) نحو المزيد من  التدخل العسكري  في الشمال السوري ,

وبالتالي فالوزير الامريكي بمبيو و موفده جيمس جيفري  يعرفان انهما لن يقدما اكثر من الدعم المعنوي للاتراك وهنا لابد من الأشارة أن هذا الدعم يأتي ليس لحماية المدنيين بل لمنع تقدم القوات السورية و لحماية هيئة تحرير الشام او جبهة النصرة  ومن معها من التنظيمات الأجنبية المصنفة ارهابية لدى كل من انقرة و واشنطن و بحسب الأمم المتحدة .

رفض شعبي:

ماذا يمكن أن يقدم ’’ بمبيو ’’ لشريكه في حلف الناتو؟

إذا اخذنا تجربة السنوات السابقة من الحرب نجد أن التحالف الدولي بكل مكوناته فشل في وقف تقدم قوات النظام السوري  الذي استعاد السيطرة على أكثر من 70% من سورية  وإذا أضفنا لذلك أن الولايات المتحدة نفسها غير قادرة على تحمل المزيد من الخسائر و القيادة الأمريكية ذاتها عبرت عن رغبتها بالانسحاب من سورية عدت مرات في السابق وقد شرعت فعليا بسحب جزء من هذه القوات رغم الضغوط الهائلة التي مورست على الإدارة الأمريكية من قبل اسرائيل و اللوبيات الكردية و عدد من الدول الأوربية  فما الجدوى من  بقاء القوات الأمريكية في منطقة رافضة لها  و  ’’ ليس فيها سوى الرمل و الموت’’ على حد تعبير ترامب نفسه  وقد جائت حادثة قرية’’ خربة عمو ’’ التي قتلت فيها القوات الأمريكية مدنيا بعد أن رفض عدد من ابناء القرية السماح للدورية الأمريكية بالمرور من قريتهم لتزيد الطين بلة , وحيث تحولت صورة ’’فتحي البرهو’’ المواطن السوري الذي نزع العلم الامريكي عن المدرعة الامريكية و اعلن رفضه بالصوت العالي لتواجد القوات الامريكية في سورية , تحولت صورته الى رمز يرفعه الكثير من السوريين في الداخل و الخارج كرمز لرفض التواجد الأجنبي على أرضهم.

مثل هذه الحادثة (تصدي الأهالي و ابناء المنطقة للقوات الأمريكية )  ليست فردية وليست معزولة  بل هي تجسيد لحالة رفض شعبي , وربما سنشهد تكررها خلال الأشهر القادمة فضلا عن الاستهداف العسكري  المتكرر للقوات الامريكية و المتعاملين معها  مثل هذه الحوادث تاتي  في  فترة حرجة للولايات المتحدة بسبب التحضير للانتخابات الأمريكية وبالتالي فالإدارة لا ترغب بالمزيد من المشاكل و الخسائر , القوات الأمريكية خسرت مابقي لها من غطاء قانوني و أخلاقي كانت تدعيه فهي تقتل المدنيين الذين ادعت انها جاءت لحمايتهم و هي مرفوضة محليا وترشق بالحجارة و السباب ليس فقط من أهالي المنطقة العرب وانما من المكون الكردي ايضا الذي فقد الثقة بهم باستثناء قلة من الحزب الديمقراطي الكردستاني في قيادة قسد التي لاتزال تراهن على الدور الامريكي كحامي لمشروعها الانفصالي , كما ان دولة داعش التي ادعت الولايات المتحدة انها جائت لقتالها زالت من الوجود وما بقي منها هم خلايا صغيرة لا تحتاج الى تواجد اجنبي لقتالها.

سقوط أخلاقي: اما تركيا فلابد  أن نتذكر هنا  أن القوات التركية قتلت ما يزيد على 489 مدني سوري حاولوا عبور الحدود السورية التركية بينهم نساء واطفال خلال 8 سنوات.

 و الرئيس التركي الذي يخشى من توجه أكثر من مليون نازح الى حدود بلاده بات يعي أنه لايمتلك اي ورقة ضغط سواء على النظام السوري وحلفائه في طهران و موسكو فدعمه للمجموعات المسلحة الموجودة في ادلب لن يقدم ولن يؤخر ذلك انه لن يتمكن من استهداف الطيران الروسي الذي ينفذ اغلب الهجمات الجوية في المنطقة كما أن العناصر البشرية على الأرض عاجزة عن صد تقدم قوات النظام السوري و حلفائه ولذا كان من الأجدر بالرئيس التركي التفكير مليا في خيارته حتى لايتكبد المزيد من الخسائر فمن المنطقي أن النظام لن يتراجع عن المناطق التي سيطر عليها وهذا ما أكدته دمشق  مرارا وتكرارا ,  كما أن مجال التحرك التركي في سورية بات ضئيلا فأربع نقاط تركية من أصل 12 نقطة هي الأن محاصرة من قبل قوات النظام السوري .

عقبة أخرى تقف في وجه الرئيس التركي تمنعه من خوض حرب ضد قوات النظام السوري  وهي حالة الرفض الشعبي التركي  لتواجد الجيش التركي في سورية وقد حاول اردوغان طويلا اخفاء ذلك الا ان المزاج الشعبي التركي الرافض لوجود السوريين في تركيا و المندد بتواجد الجنود الأتراك في الأراضي السورية بات واضحا خاصة انه اعلن عن نفسه أكثر من مرة سواء عبر التصريحات السياسية التي تطلقها الأحزاب المعارضة لأردوغان وسياسته او من خلال مواقع التواصل الأجتماعي , و معظم السوريين الذين يعيشون داخل الأراضي التركية يعون ذلك جيدا .

 وقد تصدرت وسوم ليرحل السوريون عن بلادي على منصة تويتر الترند التركي اكثر من مرة خلال عام 2019 فضلا عن عناوين وتعليقات  اخرى لاقت انتشار واسع في الفضاء التركي مثل الشباب السوري يعيش ويمرح في تركيا بينما جنودنا يقتلون على الجبهات في الأراضي السورية .

الشارع التركي بات يعلن موقفه من القضية السورية بوضوح فالأتراك يرون انهم تحملوا الكثير من المشاكل والأزمات والأعباء نتيجة الحرب السورية وأنه أن الأوان لإغلاق هذا الملف و عودة اللاجئين الى بلادهم و عودة الجنود الأتراك الى داخل تركيا .

فضلا على ان تركيا تعني العديد من الصعوبات في المناطق التي تديرها في الداخل السوري مثل الباب وعفرين  وغيرها  وحيث واجهت العديد من التحركات الشعبية ضدها ,و  قامت بقمعها بالقوة و الرصاص.

انقسامات في المؤسسة العسكرية:

ورغم الثقة التي يتحدث بها خلوصي اكار وزير الدفاع التركي الا انه يعي ان المؤسسة العسكرية التي كانت حامية العلمانية في تركيا تعرضت للكثير من الانتكاسات اثناء حكم اردوغان وهي ليست بحاجة الى ضغوط اضافية تعمق الانقسامات داخل صفوفها  فقد عانت من اعتقالات طالت مئات الآلاف من عناصرها بحجة مشاركتهم في محاولة  الانقلاب  الفاشل يوليو2016  كما ان العديد من قادتها غير راضين عما تشهده من تحولات خاصة وان الرئيس التركي ومستشاريه يصرون على إضفاء الصفة دينية عليها عبر اطلاق لقب ’’الجيش المحمدي’’ على الجيش التركي ا و عبر  اظهر العديد من الصور لأفراد المؤسسة العسكرية وهم يؤدون الشعائر الدينية و يحتفلون باعياد عسكرية في اماكن دينية وعبر ممارسة شعائر دينية و هذا امر كان يعتبر من المحرمات في النواميس العسكرية التركية , كما أنه  يؤثر على نظرة قسم من الاتراك حول مؤسستهم الاقوى والتي كانت محل اجماعهم واحترامهم وتقديرهم قبل تصرفات حزب العدالة والتنمية و اتجاهاته الدينية ومحاولاته لتحويل دور هذه المؤسسة الى منفذ لاحلام وطموحات اردوغان..

وبالتالي تعميق الانقسامات داخل الموسسة و شعبيتها لن يفيد احدا في تركيا خاصة ان العديد من قياداتها ترى ان التدخل التركي في سورية كان خطأ والاستمرار فيه سيؤدي الى المزيد من الخسائر معنويا وماديا.

حرب اردوغان وسياساته في سورية فشلت في تحقيق اهدافها التكتيكية و الاستراتيجية و اصبحت مجموعة من الخسائر المتراكمة و عبئ ثقيل على القيادة التركية المضطرة الى دفع تكاليف غير ضرورية  ولا شك ان ذلك سينعكس في الشارع التركي و في صناديق الإقتراع ضد الحزب الحاكم وحلفائه إن عاجلا أو أجلا.

حل توافقي: عمليا القوات التركية نفذت ثلاث عمليات عسكرية في الداخل السوري هي درع الفرات 2016  وقد بلغ عدد  قتلى الجيش التركي فيها 71 جنديا  و غصن الزيتون 2018 وقد بلغ عدد قتلى الجيش التركي فيها 54 جنديا   و نبع السلام 2019  التي تجاوز عدد قتلى الجيش التركي فيها ال15 جنديا حتى اليوم  ولكن هل يتمكن الجيش التركي من تحمل المزيد من الخسائر البشرية و أن يعرض افراده لخطر الوقوع في حرب استنزاف مع القوات السورية وحلفائها ؟! شخصيا لا أطن ذلك.

خاصة مع عدم وجود غطاء قانوني واضح فقد كانت  انقرة خلال  عملياتها السابقة  تقاتل داعش كتنظيم ارهابي دولي ثم القوات الكردية (قسد ) وهي تعتبرها تنظيم ارهابي لكنها اليوم تواجه قوات النظام السوري التي تمتلك ارضية قانونية كما انها مدعومة من موسكو وطهران و لابد ان القيادة في انقرة تعي انها ليست بحاجة الى المزيد من المشاكل مع روسيا وطهران ذلك أنها تجتمع معهما بمصالح حيوية واستراتيجية أكبر و أكثر أهمية بالنسبة لأنقرة  من الملف السوري.

 ولابد أن تجد القيادة التركية وكما فعلت دائما مخرجا  واقعيا من هذه الأزمة  استنادا الى الحقائق الموجودة على الأرض و بعيدا عن التصريحات الجوفاء و النبرة العالية والعنجهية  التي لم تعد تجدي نفعا .

كما أن هناك العديد من الملفات التي تجمع انقرة و دمشق أبرزها الملف الكردي  الذي يشكل حساسية خاصة بالنسبة للطرفين .

انقرة ستكون امام خيارين واضحين لا ثالث لهما فإما أن تتعرض للمزيد من الخسائر عبر الدخول في مواجهة مع الجيش السوري أو أنها تجنح نحو حل توافقي تشرف عليه كل من طهران و موسكو  والخيار الثاني هو المرجح .

خاصة أن جزء كبير من قوات المعارضة العسكرية فقد مشروعيته الاخلاقية عندما قبل ان يكون عناصر مرتزق في يد انقرة يقاتل خارج الاراضي السورية .

القيادة التركية خسرت ورقتها الأنسانية و سترمي بها بعيدا امام اي موجه نزوح جديدة  كما رمت سابقا بخطوطها الحمراء التي سقطت تباعا .

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here