د. خالد رمضان عبد اللطيف: حقبة ترامب.. وشخصنة العلاقات الدولية

د. خالد رمضان عبد اللطيف

تشكل الولاية اليتيمة للرئيس الأمريكي المنصرف دونالد ترامب صيحة تحذير كبرى إزاء هشاشة العلاقات الدولية التي تشكل حجر الأساس لضمان الأمن والازدهار العالمي،  حتى أنه يمكن اعتبار سياساته الحمقاء تغييرًا جذريًّا للأبد في منظومة العلاقات الدولية، ولهذا، فإنه يتعين على العالم الحر أن يتعامل الآن مع حقيقة مؤلمة كشفت عنها الأحداث والوقائع، وهي أنه حتى في ديمقراطية عريقة وراسخة مثل الولايات المتحدة، يمكن للمستبد، أو الرئيس المختل سياسياً، أن يُحدِث أضرارًا هائلة خلال أربع سنوات فقط، فهذا كل ما يحتاجه وأكثر.

أثبتت حقبة ترامب المتوترة، أن الولايات المتحدة باتت سوقاً مفتوحاً يمكن فيه شراء السياسة الخارجية وبيعها، فقد شاهد العالم كيف كانت الدول الأجنبية تشق طريقها علانية إلى المحراب الداخلي للسلطة الفيدرالية من خلال حجز غرف في عقارات ترامب، أو التقرب إلى إمبراطور العقارات وأصدقائه في منتجع فلوريدا، وهكذا أغرق الحلفاء والأعداء على حد سواء أمريكا بالمال والمعلومات المضللة عبر الإنترنت، ولهذا، فإنه ليس من المستغرب الآن أن نسمع قريباً عن تحقيقات لبرلمانات أو حكومات أجنبية في أنشطة ترامب المالية المريبة، ولا شك أن زوال الحصانة عنه سيجعل المحاكم الأمريكية تعيد فتح ملفاته واستئناف قضاياه السابقة.

أما جماعات الضغط “اللوبيات”، والمصالح الأجنبية الأخرى، فقد أصبحت أكثر سفورًا واستعراضاً للقوة، ولهذا فإن إرث الرئيس غريب الأطوار يُظهِر مدى ضعف العالم، وبالرغم من هزيمته المذلة أمام غريمه الديمقراطي بايدن، إلا أننا نعتقد أن إرثه لن يختفي على الفور، وربما نكون بحاجة إلى عقد كامل لتجاوز آثاره الكارثية، ولهذا، فإن أولويات إدارة بايدن المقبلة ليس التحول إلى سياسات أفضل فحسب، ولكن إعادة بناء توافق أمريكي فعال في الآراء حتى لا تتأرجح السياسة العامة ذهابًا وإيابًا.

ليس غريباً أن يدافع مؤيدو الرئيس الجمهوري عن إرث سياسته الخارجية، إذ يستندون إلى أمثلة من نوعية دعمه اللامحدود لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية للقدس، والتضييق الاقتصادي على إيران، وتنفيذ عملية قتل زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، واغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي مثل شوكة لمدة طويلة في خاصرة القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، كما يجادل مناصروه بأن انتقاداته الصاخبة لدول حلف شمال الأطلسي “الناتو”، ومطالبته لهم بزيادة الإنفاق على الشؤون الدفاعية، أدت إلى إحداث تغييرات ملموسة في السياسة الدفاعية سَعَت إليها الإدارات السابقة منذ مدة طويلة.

لكن، مؤيدو ترامب يتجاهلون في نفس الوقت، كيف كان يهاجم حلفاء بلاده القدامى بضراوة أمام كاميرات وعدسات المصورين ووسائل الإعلام، ولطالما خرج غاضبًا من القمم العالمية، وكيف فرض عقوبات ليس فقط على الذين يتعاملون مع إيران، أو الصين، أو روسيا، ولكن على أي شخص يُغضِب إدارته، ولعل المثال الأقرب على هذا، فرضه لعقوبات اقتصادية على القضاة العاملين في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لتحقيقهم في جرائم حرب أمريكية مزعومة، مما وضع المسؤولون الأوروبيون في حالة حرج شديد، إذ يكافحون الآن لإيجاد طريقة لتوفير بطاقات ائتمان للقضاة حتى يتمكنوا من دفع ثمن تذاكر النقل العام الخاصة بهم.

خلال سنواته الدرامية، تفشت الانتهاكات التي تتنافي كلية مع الأعراف الدبلوماسية، والقانون الدولي، بالإضافة إلى انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران في عام 2015، وتراجعه عن اتفاق المناخ العالمي، وتهديده بالتخلي عن حلفاء الولايات المتحدة، وتقويضه للتحالفات المستمرة منذ عقود، وإشعاله للحرب التجارية المدمرة مع الصين وزيادة التعريفات الجمركية، وإلغاء المعاملات التفضيلية لأبرز شركاء بلاده الاقتصاديين، وحجبه للتمويل عن منظمة الصحة العالمية، وابتزاز إدارته للدول الضعيفة، والتنمر عليها من أجل اقتناص تنازلات سياسية واقتصادية، مما مهد السبيل أمام تحوَّل الأمن القومي والسياسة الخارجية إلى قضايا سياسية مضطربة وعاصفة.

في المجمل، يمكن وصف الرئيس المنصرف بأنه من النوع الذي تتحكم به عواطفه وعصبيته، بدلاً من الخبرة والحنكة السياسية في تقدير الأمور، وهذا أسوأ سلوك يمكن أن يتصف به رئيس دولة، إذ لا يصح أن تكون المصالح الاستراتيجية للدولة مرهونة بمزاج الرئيس، وقد أظهرت تجربة السنوات الأربع أن ترامب لا يكترث بالمواقف الأيديولوجية للحزب الجمهوري المحسوب عليه، وهكذا، لم يعر أي اهتمام لمواقف قيادات الجمهوريين في الكونجرس إزاء السياسات الخارجية، فقد كان يؤمن دوماً بأنه أكثر قوة من الحزب ذاته، ولهذا، شكل وصوله لسدة الحكم دون أي خبرة سياسية نقطة محورية في شخصنة العلاقات الدولية.

  • كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here