حصار الأمم والشعوب

صباح علي الشاهر

عرف تأريخ الحروب حصار القلاع المحصنة ، وحصار المدن المستعصية ، والحصار يندرج ضمن الأساليب العسكرية التي تجبر في نهاية المطاف المحاصرين على الإستسلام، أو الموت جوعاً وعطشاً ، وغالباً كان المحاصرون يعمدون إلى الإستسلام .

من أشهر الحصارات حصار طروادة ، وحصار قرطاج ، وحصارات القدس ، وحصار بغداد ، وحصار القسطنطينية ، وحصار ستاليغراد .

والحصار عمل عسكري أولا وأخيراً ، وهو يستهدف بالمقام الأول القوى المحاربة ، فقد تُحاصر القلعة ، ويترك ما حولها على حاله ، وقد تُحاصر المدينة ، ويستثنى ريفها من الحصار . وكما أسلفنا يستهدف الحصار كسر معنوية المحاربين وصولاً إلى إستسلامهم ، ولا شأن له بالمدنيين غير المحاربين .

ولم يبح العصر القديم الحصار في غير المجالات العسكرية والحربية ، فالقدامى الذين هم غير متمدنين وبرابرة في عرف بعض أدعياء التمدن والديمقراطية لم يلجأوا إلى الحصار في غير ظروف الحرب ، ولم يشملوا به المدنيين غير المحاربين ، لا بل أنهم لم يفكروا به كأسلوب لأخضاع الآخرين ربما ترفعاً ، وعدم إستساغة له لأنه خارج العرف والذوق والخلق .

وجاء زمن التمدن والرقي والديمقراطية ، وحقوق الإنسان ، فإذا أمريكا راعية حقوق الإنسان والديمقراطية ، تفرض الحصارات على دول وأمم وشعوب لأنها ترفض الحكام فيها ، أو لأن حكامها لا يأتمرون بأمرها ، وكالعادة فإن الذيل الأوربي يلتحق غالباً بها متخليا كلياً عن القيم التي يتمشدق بها .

ومن أشهر حصارات عهد التمدن والديمقراطية وحقوق الإنسان ، حصار كوبا ، وحصار العراق ، وحصار كوريا الشمالية ، وحصار إيران ، وحصار غزة ، وحصار اليمن ، وحصار فنزويلاً أخيراً ، ووصلت الجريمة في حالة حصار العراق إلى أن يشمل الحصار الغذاء والدواء والكتب والورق وأقلام الرصاص .

وقد يتم اللجوء إلى ماهو أخف من الحصار ، الذي سيكون ظالماً ، ولا إنسانيا مهما كانت أسبابه ، حيث ينهج البعض نهج المقاطعة التي تتنوع من المقاطعة الثقافية الى السياسية إلى الاقتصادية ، علماً بأنه لايوجد فواصل وأسوار بين هذه المقاطعات ، فقد تتحول المقاطعة الثقافية إلى مقاطعة إقتصادية أو سياسية ، وبالعكس ، والمقاطعة إجراء يتم إتخاذه بحق الدول والشركات والمنظمات ، عندما يشعر المقاطع بأن هذه الجهات تسيء له أو تتعمد الإساءة ، أو عندما تزاول أمور غير شرعية ، أو عندما تكون معتدية وباغية ، ومحتله ، وخير نموذح على هذه الحالة دولة الإحتلال الإسرائيلي ، والمقاطعة إجراء مقبول لحين زوال مُسبباته ، والمقاطعات تندرج ضمن نوعين: مقاطعات ظالمة ، يتخذها القوي ضد الضعيف غير المرتهن ، أو المتمرد ، من أجل تغير سلوكه ، ومقاطعات عادلة تفرض على البغاة والمتجاوزين على حقوق الآخرين ، وفي حالة إنعدام المقاييس ، و ما يحدث الآن في العهد الأمريكي يختلط الحابل بالنابل عن سبق إصرار، لتمرير الخديعة ، فأمريكا مثلا تحارب وتعاقب من يقاطع إسرائيل الباغية ، لكنها تطلب من الآخرين مقاطعة الدول التي تريد أمريكا تغيير أنظمتها ، كأيران ، وكوبا ، وفنزويلا ، رغم أن هذه الدول لا تحتل أراضي الغير، ولا تستولي على ممتلكات المواطنين الأصليين ،  وتدعوا غيرها للوقوف معها بوجه المنافسين كروسيا والصين .

بعض الأمم والشعوب أخذت العبرة وتصرفت على ضوئها ، وبعضها ظلت غافله فكان أن أصبحت لقمة سائغة في فم الوحش .

قد تختلف مع بعض الأنظمة التي يفرض الطغاة البغاة الحصار عليها ، وربما تكون بعض الأساب مقنعة ، وفي الأغلب الأعم تكون الأنظمة المحاصرة قد حُوصرت مُسبقاً بالأكاذيب والأباطيل وتشويه السمعة ، توكل هذه المهمة القذرة لإعلام ووسائل إتصال إجتماعي بُنيت بحرفية ومهارة ودقة ، وقبل فرض الحصارات البشعة تكون أدمغة الأغلبية من الناس قد غُسلت، وبذا يتمهد أمام الوحوش الكاسرة طريق الإنقضاض على الفريسة التي أصبحت شبه منعزلة .

ومن المؤسف أن هذا السيناريو يتكرر في كل مرّة ، وبنفس الطريقة تقريباً ، وأحياناً بفواصل زمنية شديدة القرب ، لا تتعدى في أحسن الأحوال حولاً واحداً ، هو غير كاف وفق كل المعايير لإسدال ستائر النسيان على الجريمة السابقة ، ولا حتى على أبسط تجربة شخصية ، ونتعرض جميعاً لتجرع المهانة والعيب ، ويزداد شعورنا بالإحباط بسبب عدم القدرة على المواجهة ، أو عدم الفعالية ، ويبدو هذ أمراُ مستهدفاً ، فتحيد البشر عن الاهتمام بمصائر البشر ، هدف أعداء البشر ، وأحد الوسائل الهامة لتمرير الجرائم بحق الأمم والشعوب.

لا تخدعك الميديا ، ولا تسلب إنسانيتك الأباطيل والحيل ، فقطرة ماء في فم طفل، وحبة دواء لمريض ، ولقمة في فم محاصر ، أهم من خزعبلاتهم ، أهم من الديمقراطية التي يدعون ، وحقوق الإنسان التي يزعمون ، لا بل هي الديمقراطية الحقيقية ، وهي حقوق الإنسان الخالصة .

كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here