حسين مروّة وتجربته العراقية.. وكيف اكتشف ماركس في النجف

عبد الحسين شعبان

حين دعاني الأصدقاء في دار الفارابي (اللبنانية) للمشاركة في الوقفة الاستذكارية لعدد من المثقفين اليساريين والشيوعيين الذين فارقونا (في معرض الكتاب الدولي في دورته 62 في بيروت) خطر ببالي ما نشرته في جريدة المنبر ” الشيوعية ” قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمان، عن تجربته العراقية الأولى، وكيف اكتشف ماركس في النجف، وعندما تعذّر عليّ الحضور، طلب مني الأصدقاء إرسال كلمة بالمناسبة، فكتبت :

حين انطلقت رصاصات الغدر الجاهلة مصوّبة إلى رأس الشيخ الجليل حسين مروة (شباط/فبراير 1987) وقف رفيق دربه مهدي عامل ليطلق نداءً من مقام السيدة زينب بدمشق مودّعاً الشهيد، وليعلن فيه الدعوة إلى وحدة المثقفين ضد الجهلة مخاطباً الفقيد ” أتينا نشهد أنك وحّدتنا ضد غدر القتلة ، فلنشكرك فقد أيقظت في وجداننا حقيقة أن المثقفين جميعهم مستهدفون، لأنهم مثقفون فمن طبيعة الظلامية أن تقتل إيمان الإنسان بالإنسان، فالثقافة كل ثقافة خطر عليها، إذن فليتوحد المثقفون ضد الجهلة”.

وأضاف مهدي عامل: ومثلما يتوحّد الإرهابيون والظلاميون والمستبدون والقتلة ضد الثقافة والحرية والإبداع والجمال،  فليتوحّد  المثقفون اليوم دفاعاً عن النفس ضد الظلامية والطائفية والاستعباد والاستلاب الخارجي والداخلي في مواجهة الغدر والتخلّف والإرهاب.

لم يدر بخلد مهدي عامل أنه سيكون الضحية التالية في قافلة ضحايا الثقافة والتنوير حيث تم اغتياله بعد ثلاثة أشهر من اغتيال حسين مروّة، وتمكّن القتلة من أن يصوبوا نار حقدهم إليه في 18 أيار/مايو/1987. ولعلّ غيابهما كان خسارة كبيرة حقاً للثقافة العربية وللتنوير ولليسار في عالمنا العربي .

وأقول باستعادة حسين مروة وتجربته العراقية: بأننا عرفناه كاتباً ومفكراً عاش في العراق لأكثر من ربع قرن (1924-1949) ودرس العلوم الدينية في الحوزة النجفية لمدة 14 عاما، ثم انتقل إلى بغداد  وانخرط في سلك التعليم ومارس الصحافة ، لاسيّما في جريدة الرأي العام التي كان يصدرها الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ، وكان مروّة قد تعرّف على عدد من الشخصيات السياسية والفكرية والأدبية في تلك الفترة بينهم سلام عادل (أمين عام الحزب الشيوعي العراقي) الذي استشهد عام 1963، كما تعرّف على الشعراء بدر شاكر السياب  وكاظم السماوي ونازك الملائكة والتربوي ناجي يوسف.

وظلّ حتى آخر يوم من حياته يكنّ عواطف حميمة وذكريات عزيزة عن تجربته العراقية ، وكان قد كتب ملامح حكايته مع الماركسية وكيف حصل التحوّل الفكري عنده ، فانتقل من اليقينية الإيمانية التبشيرية إلى التساؤلية العقلية النقدية كما فعل زميله أيضاً محمد شرارة وكلاهما تحولا من دارسين في الحوزة الدينية إلى الفكر الماركسي. وقد روى لي حسين مروة  في منزل الجواهري في دمشق أوائل الثمانينات أنه منذ المرحلة الأخيرة للدراسة الحوزوية في النجف بدأت التساؤلات داخله تكبر وإرهاصاته تزداد حتى حصل الافتراق، لاسيّما عندما بدأ يكتب في مجلة الهاتف النجفية لصاحبها صديقه القاص جعفر الخليلي، مبتدئاً بالمقالات الأدبية أو ببعض القصص التي كان ينشرها. ويقول عن مجلة الهاتف أنها كانت مجلة المثقفين العراقيين.

ويقول حسين مروّة كيف اكتشف ماركس في النجف؟: أن صلته تعزّزت مع “حسين محمد الشبيبي” عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي الذي أعدم في شباط /فبراير العام 1949 وعن طريقه اهتدى إلى الماركسية، ويضيف: كنت ألقاه (المقصود الشبيبي) في النجف وأحياناً في بغداد متسلّلاً إلى مكانه السرّي قرب جامع “الحيدر خانة ” الشهير.

وحين سألته عن صلته الفعلية بالحركة الشيوعية قال: ذات مرّة دفع لي الرفيق الشهيد الشبيبي بنسخة من “البيان الشيوعي” لمؤلفيه ماركس وإنجلز وقد عشت معه يومين كاملين، ثم عدت منشرح الصدر مفعماً بفرح المعرفة وبقيت أحتفظ بذلك الكراس العتيق حتى بعد عقود من الزمان، إلّا أنني فوجئت باختفائه بعد حين . ويمضي إلى القول: منذ أوائل الأربعينات بدأت أحضّر نفسي للانخراط العملي بالحركة الشيوعية، خصوصاً بعد أن أنهيت الدراسة الدينية في العام 1938.

وقد سألته هل كان الفاصل بينك وبين تلك المرحلة هو مقالتك المنشورة في جريدة الهاتف “أنا وعمامتي” ؟ كما أخبرني عبد الغني الخليلي، وكانت المقالة قد اشتهرت بالارتباط مع قصيدة الجواهري ” النزغة أو ليلة من ليالي الشباب ” التي نشرها في العام 1929 والتي يقول فيها :

قال لي صاحبي الظريفُ وفي الكفّ / ارتعاشٌ وفي اللسانِ انحباسه :

أين غادرتَ ” عِمَّةً ” واحتفاظاً  /  قلتُ : إني طرحتُها في الكُناسه

قال نعم لأن المقالة تتحدّث بصدق وحرارة عن صراعي المرهق والطويل والممتع معاً بين عوالم الطفل ونوازعه ورواسبه الاجتماعية وبين المشروع المعرفي البديل الذي كان قراري الانخراط فيه عملياً ، والذي شهد مظهراً متمفصلاً  بوداع العمامة، وبالطبع ربطتني مع الجواهري علاقة وثيقة، أما علاقتي مع عبد الغني الخليلي وآل الخليلي عموماً فقد كانت علاقة زمالة ودراسة وسكن مشترك، حيث كنت أدرس في مدرسة الخليلي في النجف (محلّة العمارة) وفيها ما يشبه القسم الداخلي بالمفهوم المعاصر.

وأضاف حسين مروّة: وهكذا أصبحتُ في صلب نشاط الحركة الثقافية وسط زحام الكتب في سوق السراي ببغداد والمكتبات والكتّاب والمبدعين والأدباء ، خصوصاً بفترة الحرب العالمية الثانية والصراع المعروف.

ويكتب مروّة أيضاً: بدأت أقرأ ما توفّر تحت يدي من الفكر النظري اليساري، وعن الماركسية بطبعتها “اللينينية” وعن الاتحاد السوفياتي ، خصوصاً “نداء لينين” الشهير “إلى شعوب الشرق” وكتابه “الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية” ، وكتابات أخرى .

وبعد وثبة كانون 1948 إثر توقيع معاهدة بورتسموث أُبعِد حسين مروّة من العراق  ونُزعت عنه جنسيته العراقية وكان حينها قد اعتبر نفسه جزءًا من الحركة الشيوعية، حيث انتظم بعد ذلك في لبنان في الحزب الشيوعي اللبناني وأصبح عضواً في لجنته المركزية وأحد منظريه حتى اغتياله،  وتلك قصة أخرى. وكان قد اشتهر بكتاباته في مجلة الطريق، وعلى الأخص كتابه ” النزعات المادية في الفلسفة العربية-الإسلامية”  الذي صدرت طبعته الأولى في 4 أجزاء العام 1978  وطبعته الأخيرة عن دار الفارابي ، العام 2016.

اكاديمي وكاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

3 تعليقات

  1. عبد الحميد كامبو بمدريد مقالة رائعة ؛من مجلداته . النزعات المادية في الفلسفة العربية الأسلامية ـ من أهم مراجعي إلى حد الآن .

    عبد الحميد كامبو بمدريد مقالة رائعة ؛من مجلداته . النزعات المادية في الفلسفة العربية الأسلامية ـ من أهم مراجعي إلى حد الآن .

  2. تحياتي للأستاذ شعبان ولأسلوبه الجميل في عرض تجربة الشيخ حسين مروه ….لكن أظن أن فكرة التحول والعبارة التي طرحتها في توصيف إنتقاله من الفكر الديني الى الفكر الشيوعي (حصل التحوّل الفكري عنده ، فانتقل من اليقينية الإيمانية التبشيرية إلى التساؤلية العقلية النقدية ) هذه العبارة غير دقيقة ، ولم تكن منصفة للفكر الديني خاصة وأن النصوص الدينية فيها من الإنتقاد والتساؤلية مايفوق كثير من النظريات المعاصرة وعلى سبيل المثال لا الحصر نشاهد النصوص التي تدعو الى عدم التقليد والإتباع الأعمى ( إنا وجدنا آبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) وتلك النصوص التي تدعو الى التفكير والتساؤل مثل ( لعلعهم يتفكرون ) ( لعلهم يعقلون ) و( أفلاينظرون الى الإبل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى ..) ….الأستاذ شعبان هذا الموضوع طويل وعريض حتى أن كثير من الكتاب قد صنفوا عناوين في علاقة ( الدين والعقل ) و ( الدين والعلم ) ولا أظن أن القضية الدينية بهذا التوصيف الناقص ( اليقينية الإيمانية التبشيرية ) .

  3. مقاله رائعه عرفتنا اكثر بالمرحوم الرائع حسين مروه ، شكرا دكتور عبد الحسين ، اروع ما فيك انك تمسكت باسمك ، عكس بعض المهزوزين أمثال الممثل العراقي الذي تحول من محمود عبد العباس الى محمود ابو العباس

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here