حسين فاعور الساعدي: مفتاح الكنز

 

حسين فاعور الساعدي

“أبو الجِمَال”

هذا هو اسم الجبل الذي تدور فيه أحداث هذه الرواية. وهو واحد من جبال فلسطين الغنية بالكنوز. لا احد يعرف من أين جاء هذا الاسم. ولا أحد يعرف مصير زهرة حبيبة بطل الرواية التي يقال أنها صعدت إلى هذا الجبل فاختفت آثارها. لكن جميع القاطنين في القرية\القبيلة المحاذية له، وفي المنطقة من حوله، يعرفون أنه ملك خاص لأحد أبنائهم الذي نسوا أسمه وعرفوه جميعاً باسم “صاحب الجبل”. لأنه أفنى حياته في الحفاظ عليه وحمايته من الطامعين.

الإقطاعيون ملكوا السهول الخصبة الواسعة الممتدة لكنهم تركوها وهربوا. أما هو فقد مَلَكَ جبلاً مليئاً بالكثير من الصخور والقليل من التراب، فلم يتركه ولم يهرب. بل تحصن فيه وكان الوحيد من بين أفراد القبيلة الذي واظب على الارتباط معه والاعتكاف فيه. تماماً كما فعل والده وجد جده من قبل.

عرف كل تفاصيله وأسراره. عرف صخوره صخرة صخرة. عرف أشجاره وشجيراته. عرف طيوره وحيواناته ونباتاته. عرف مغاراته وكهوفه ومن حفرها من أجداده. وعرف أوكاره وأوجرته المنتشرة في سفوحه الشرقية والجنوبية تحت الصخور الضخمة. تلك الصخور وفرت حصناً منيعاً للثعالب والذئاب. أكثرها تحصيناً ومنعة ذلك الوكر القريب من القمة. فهو بين صخرتين كبيرتين متلاصقتين ومغمورتين بالتراب. له عدد من المداخل التي اكتسبت لوناً رمادياً كلون الثعالب الداخلة إليه والخارجة منه. حول هذا الوكر انتشر ريش كثير معظمه من ريش دجاجات صاحب الجبل. وقرب هذا الوكر ستدور معظم أحداث هذه الرواية.

في وسط سفوحه الشمالية فوهة يقال أنها توصل مباشرة إلى باطن الأرض الملتهب. فتْحَتُها واسعة عند السطح ثم تضيق نحو الأسفل كالمحقان. لم يجرؤ على النزول إلى قاعها أحد غيره. أكثر من مرة رأوه في قاعها منبطحاً على بطنه وملصقاً أذنه ليستمع إلى هدير الأعماق. منهم من قال أنه منها يستمد قوته. ومنهم من قال أنه من خلالها يستمع للجن ويتواصل معهم. من خلالها يتلقى توجيهاتهم وتعاليمهم. راقبه الكثيرون من أهل القرية وضبطوه وهو يصغي للأعماق. يقال أن الغولة التي طاردت أحد أجداده دخلت في هذه الفوهة وغاصت إلى الأعماق بعد أن لم تتمكن من اللحاق به. هذا الجد، ويدعى يوسف، ذهب إلى عكا ليحضر الجهاز لعروس ابنه. اشترى الملابس وكل ما يلزم العروس ووضعها خلفه على سرج فرسه الأصيلة الكحيلة وعاد إلى القرية. وصل وادي الحلزون قبل المغيب بقليل وفي تلك الفترة كانت الأشجار تتشابك وتغطي هذا الوادي بحيث لا تترك مجالاً للحركة إلا في مسرب ضيق شقه الخارجون والداخلون إلى القرية. على جانب هذا المسرب الضيق ووسط الأشجار العالية المتشابكة رأى امرأة عجوزاً تجلس ويبدو عليها التعب والإعياء. خاف الرجل وتساءل ماذا تفعل عجوز في هذا المكان البعيد وفي هذه الساعة المتأخرة من النهار. ما كاد يتفحصها قليلاً حتى صاحت به: “يوسف! جارنا العزيز! الحمد لله الذي جاء بك”. فصاح بها: “أم احمد! جارتنا! ماذا تفعلين هنا؟”. “أضعت الناقة وبحثت عنها في كل مكان فلم أجدها” أجابته. “تعالي اركبي خلفي لنعود إلى القرية قبل حلول الظلام. هنا الضباع والأسود كثيرة وستفترسك إذا حل الظلام. لا تخافي على الناقة ستعود”. ركبت أم أحمد خلفه على ظهر فرسه. شكرته وأكدت له أن الله هو الذي بعثه فالمسافة إلى القرية بعيدة وقد أعياها التعب ولولا مجيئه لباتت ليلتها في هذا المكان المقطوع. لامها يوسف على مجازفتها ومجيئها إلى هذا المكان في ساعة متأخرة فردت عليه أنها تحب ناقتها وتخاف عليها. كانا قد اقتربا من القرية عندما بدأت الكحيلة تتنفس بصعوبة بالغة تدل على بذل الجهد الزائد. وكادت تتوقف عن السير فالتفت يوسف إلى الخلف ليرى أن ساقي العجوز قد طالتا كثيراً حتى لامس قدماها الأرض فبدأت تغرسهما بجانبي الطريق لمنع الفرس من الحركة. أما أسنانها فقد طالت لتبدو خارج فمها كالخناجر. كان شعرها أشعثاً ووجهها مخيفاً. ارتعدت مفاصله لكنه أخفى خوفه. استل خنجره بهدوء شديد وقطع حزام السرج. تقدم قليلاً نحو عرف الفرس وبقوة قذف بالسرج وما عليه إلى الخلف فوقع السرج وجهاز العروس والعجوز على الأرض. ضرب فرسه لتنطلق كالعاصفة. نظر إلى الخلف وإذا بالعجوز تنطلق خلفه كالسهم وتكاد تدركه. ظلت تلاحقه وتلاحقه حتى مشارف القرية. وعندما لم تفلح في إدراكه رأى العجوز ترمي بنفسها في تلك الحفرة في السفوح الشمالية للجبل وتختفي. كان العرق يغمر جسده المرتعد. ولسانه قد ارتبط. فلولا سرعة الكحيلة لأدركته ومزقته. بصعوبة بالغة أخبر الأهل بما حدث معه فلم يصدقه أحد لولا أنهم في اليوم التالي عندما ذهبوا ليبحثوا عن جهاز العروس وجدوه قد مزق قطعاً صغيرة ونثر على رؤوس الأشجار. أما السرج فقد قُطّع هو الآخر قطعاً صغيرة بما في ذلك ركاباه المصنوعان من النحاس. بعد هذا الحدث ظل يوسف طريح الفراش مدة طويلة حتى توفاه الله. أما أهل القرية فقد أصابهم الخوف الشديد من هذه الغولة التي طاردته واختفت في الحفرة الموصلة إلى باطن الأرض. كل من في القرية يعتقد أنها ستعود في يوم ما وستمزق كل من تصادفه. ومنهم من أكد أن لها قبيلة كبيرة تحت الأرض وهذه الحفرة هي منفذهم الوحيد إلى سطحها.  لذلك ابتعدوا عن الجبل لاعتقادهم انه مسكون بهذه الغولة الشمطاء وأقاربها.

سفوحه الجنوبية والشرقية لا تصلح للزراعة لأنها مليئة بالصخور المتلاصقة والمتراصة بشكل لم يترك بينها مساحات يمكن فلاحتها. فاستغلها صاحب الجبل مراعي لمواشيه. أما سفوحه الشمالية والغربية فكانت صخورها زرقاء، ضخمة ومتباعدة. بين هذه الصخور توفرت مساحات من التراب الأحمر تتسع في بعض الأماكن وتضيق في بعضها. “صاحب الجبل” عرف كيف يحرث هذه المساحات بواسطة فدانه المكون من بقرتين سمينتين اختارهما من قطيعه، ودربهما على هذا العمل الشاق، لأن المكنات الزراعية لم تكن معروفة له في تلك الفترة. وقد تمكن مع الزمن من توسيع هذه المساحات بعد أن اقتلع منها الصخور الصغيرة ورتبها في سلاسل مستقيمة شكلت حواجز منعت مياه الأمطار الغزيرة من جرف التراب وسحبه إلى الوديان المجاورة. في موسم الشتاء زرع هذه المساحات بمختلف أنواع الحبوب كالقمح والشعير والعدس والفول والحمص والكرسنة، وفي موسم الصيف زرعها بالتبغ وبين أتلام التبغ زرع الخضروات كالبندورة والبامية والقرع.

كان كالنملة يعمل ببطء شديد وببرودة أعصاب لا يقدر عليها إلا من عايش منحدرات هذا الجبل المسكون بالجن والذي يختلف عن كل الجبال من حوله. فهو لا حدود له  ومن يقف على قمته يشعر أنه يقف على أعلى قمة في العالم. فمنها يمكن الإطلال على كوكب أبو الهيجاء وسخنين وعرابة ودير حنا ومن ورائها شرق الأردن بجباله الزرقاء جنوباً. ويرى بحيرة طبريا وهضبة الجولان وخلفهما سوريا شرقاً. وجبل الكرمل ووراءه البحر من خليج حيفا حتى عكا  غرباً. أما شمالاً فإن جبال الكمانة تحجب الأفق وتمنع الواقف في قمته من رؤية جبل الجرمق. وهذا دليل على أن “أبو الجمال” في الواقع ليس أعلى الجبال في العالم. لكنه شعور كل من يقف فوق قمته. يقال أن سبب هذا الشعور يعود لقبائل الجن التي تسكن أعماقه. لذلك أصرُّ صاحب الجبل على العيش على هذه القمة في خيمته المصنوعة من شعر الماعز. وكما يبدو فإن اختياره لها لم يكن مجرد صدفة أو مجازفة وإنما نتيجة معاهدة وتفاهمات بينه وبين تلك الغولة الشمطاء التي حاولت افتراس يوسف جد جده. تفاهمات ومعاهدة توصل إليها بعد معارك طاحنة بينه وبين أقاربها استعمل خلالها بندقيته الألمانية التي أرعبت الجن وجعلتهم يوافقون على عقدها. المعاهدة بينه وبينهم فقط ولا تشمل بقية أبناء القرية. لذلك كل من بقى من أبناء القرية في الجبل حتى حلول الظلام أصيب بالحمى أو بمرض شديد أودي بحياته.

صاحب الجبل لم يتربع على أعلى القمم في العالم فقط، بل على قمة يستطيع منها أن يتمتع كل صباح بمنظر الشمس وهي تشق ظهر هضبة الجولان في طريقها إلى كبد السماء. فتعيده إلى أيام عزه زمن الانتداب البريطاني يوم كان يجتاز نهر الأردن، مرة أو مرتين في الشهر، ليصعد في الشعاب كالذئب في طريقه إلى دمشق لجلب البضائع المهربة. مع كل شروق كان يرتشف فنجان قهوته السادة ويطلق تنهيدة من أعماق أعماقه شوقاً لتلك الأيام وحسرة عليها. بعد زوال الانتداب البريطاني خسر عمله في التهريب وهو كل شيء بالنسبة له. وسلم بندقيته واضطر للاعتماد على ما يملك من مواشي لتدبير أمور حياته وحياة عائلته. فقد العمل الذي كون شخصيته وصاغ تصرفاته ونمط حياته. حياة الكبرياء والمغامرة. لذلك قرر ألا يعمل عند اليهود مهما قست عليه الظروف.

لم تستطع زوجته إقناعه بالانضمام إلى رجال القرية الذين غيروا زيهم العربي إذ خلعوا القمباز والسروال والكوفية والعقال واستبدلوها بالبنطلون والقميص والطاقية وسافروا للعمل في تل أبيب. زعم انه لا يستطيع تغيير زيه فهو يختلف عن أولئك الرجال لكونه أبن عائلة عريقة ومحترمة لا يمكنها التنكر لجذورها. الزوجة لم تقتنع بهذا الكلام ولكنها سكتت. كان بينه وبين نفسه يحسد من ذهبوا للعمل في تل أبيب ولكنه أخفى ذلك. يكفي أنهم يتمتعون بركوب الحافلات التي تقلهم من الشارع الرئيسي عكا صفد إلى مدينة حيفا ومن هناك إلى تل أبيب. كم تمنى في داخله أن يجرب هذه الرحلة الطويلة الممتعة. لكنه نهى نفسه عن هذا الحلم خوفاً من أن يضعف وينضم إلى قافلة العاملين في تل أبيب فيفقد حريته وكرامته التي يحرص عليهما كثيراً. حرية المُهّرب الذي يملك القرار متى يضرب ضربته. وكرامة الراعي الذي يملك القدرة لتوجيه قطيعه. لذلك قرر ألا يستمع لأحاديث مشجعي العمل في تل أبيب. خصوصاُ بعد ما سمع الكثيرين يقسمون أن من يجرب العمل في هذه المدينة الصاخبة لا يندم أبداً فالأجور مرتفعة وفرص العمل ساعات إضافية متوفرة، تمكن النشيطين من جمع مبالغ طائلة من المال في فترة قصيرة لكنهم يتحولون إي مدمنين لهذا العمل ولا يستطيعون التحرر منه.  لذلك حرص على حريته ولم يقتنع بالتخلي عنها. كان يرى في نفسه غزالاً شارداً، أو عصفوراً محلقاً. لا يستطيع أن يرى نفسه فرداً في قطيع. أو عبداً عند اليهود الذين اغتصبوا البلاد وشردوا أهلها. اعتبر العمل عندهم خيانة عظمى لا تغتفر. لذلك قرر أن يزيد من عدد المواشي التي يربيها ليتمكن من مجارات التطورات السريعة من حوله.

قبل خمسة أعوام خسر قطيع أبقاره مرة واحده. في اقل من عشر دقائق خسر ما يزيد عن المائة رأس من البقر بينها خمسة ثيران رفض مبادلة الواحد منها بمارس من الأرض السهلية عَرَضه عليه احد الفلاحين من قرية سخنين المجاورة. أورد القطيع إلى بئر الخشب ولسوء حظه وجد دورية من الجنود اليهود بانتظاره. رفعوا عليه السلاح واضعين أصابعهم على الزناد، فرفع يديه علامة الاستسلام فساقوا القطيع. تسمر في مكانه وهو يرى قطيعه يبتعد دون أن يستطيع فتح فمه أو فعل أي شيء. تذكر بندقيته الألمانية لكنه ظل متسمراً في مكانه ممسكاً بمقود حصانه الأسود الذي لا يدري كيف لم يأخذوه. حمد الله أنهم تركوا له الحصان ولم ينهبوه مع القطيع. لكن أحد أفراد الدورية عاد إليه بعد أن ابتعد زملاؤه بالقطيع فعرف أنه سيأخذ الحصان. أمسك الجندي بمقود الحصان وحاول انتزاعه من يده لكنه ظل ممسكاً به. التقت عيونهما فعرفه صاحب الجبل. كان من أبناء إحدى القرى العربية المجاورة وكان يلتقي به في المرعى قبل النكبة. عرفه ولكنه تظاهر انه لا يعرفه فهو يعرف بذكائه البدوي أنه لو أبدى له انه يعرفه لأطلق عليه النار وقتله. كاد يقول له: “يا فلان حرام عليك ألا تعرفني؟ أترك لي الحصان” لكن الله ستر فسكت وتظاهر أنه لم يعرفه. قال له: “يا خواجة أترك لي الحصان لأتمكن من الوصول إلى البيت”. فنجا بجلده وفاز بحصانه. عاد إلى خيمته على قمة الجبل ليجد أنه فقد كل شيء إلا حصانه الأسود.

لامته زوجته ولامه أخاه الأصغر منه سناً إذ قال له: “ألم أقل لك لا تأخذ القطيع إلى بئر الخشب؟. ألم أقل لك دعه يموت من العطش؟ لكنك عنيد لا تسمع”. لم ينم ليلته بسبب صفير الندم الحاد في أذنيه. كيف فعل ذلك؟ فالأخبار عن تواجد اليهود عند هذا النبع ونهبهم للقطعان الواردة إليه كانت تنتشر بين الناس في جميع أنحاء المنطقة.

عند الفجر نظر إلى المراح فكان خاوياً خالياً من أية حركة. لم يستطع تحمل المنظر الرهيب. شعر بالخراب والخواء يخيم على المكان. شم رائحة الموت. المُرْح الخالية تشبه المقابر. لم ينتظر الشمس لتشق هضبة الجولان فيرتشف قهوته السادة، ويتناول فطوره. امتطى حصانه وطار إلى إحدى القرى المجاورة إلى أحد أصدقائه تاجر المواشي المعروف. قص عليه ما حدث، وطلب منه الوقوف إلى جانبه في مصابه الأليم. اقترح على التاجر أن يربي له الماشية ويرعاها له عنده في الجبل، على أن يكون أجره الشهري رأس واحد منها كل شهر. فالمراعي حوله واسعة وخصبة ولن يطلب من التاجر جلب العلف للماشية. التاجر أخبره أن لديه قطيع من الأغنام كسد ولم ينجح في بيعه وهو يكلفه الكثير من العلف كل يوم لأن المراعي حول القرية قاحلة بسبب كثرة المواشي. التاجر اقترح عليه أن يربي له هذا القطيع ويرعاه مقابل أن يكون له نصفه بعد خمس سنوات. فرح صاحب الجبل لهذا الاقتراح بعد أن حسبها جيداً في ذهنه: القطيع عبارة عن خمسين رأساً. لو أنجب منها في السنة الأولى أربعون رأساً وعاش منها ثلاثون فسيصبح القطيع ثمانين رأساً في السنة الثانية، ومائة وثلاثين رأساً في السنة الثالثة ومائتين وثلاثين في السنة الرابعة على أقل تقدير. وسيتعدى الخمس مائة رأس في السنة الخامسة، سيكون له منها مائتين وخمسين رأساً. حتى لو كان له مائة رأس بعد خمس سنوات فهو الرابح. “أنت الرابح…صدقني” قال له التاجر بعد أن شعر أنه صمت ولم يقل شيئاً. “على الله الاتكال، قبلت. أين القطيع؟”. “غداً سأسوقه إليك” قال التاجر بفرح.

اليوم صاحب الجبل يملك ليس الأغنام فقط. فقد اشترى ست عنزات أصبحت بعد الخمس سنوات الماضية ثلاثين عنزة حلابة. وفرت لعائلته الحليب واللبن واللبنة. واشترى ثلاث بقرات أصبحت عشراً. حاول أن ينوع مصادر رزقه. حتى في الزراعة أضاف إلى زراعة التبغ زراعة الخضراوات الصيفية كالبندورة والبامية والقرع. وكان الوحيد في القرية الذي زرع البطاطا والكمون في فصل الربيع في أحواض عملها خصيصاً وخلط تربتها بكميات كبيرة من زبل البقر الناعم. حتى الزبل عرف كيف يستعمله على أصوله: فزبل البقر المطحون جيداً داخل الحظيرة جيد للخضراوات. أما بعر الماعز والغنم فجيد للتبغ. هذا السر لم يكشفه لأحد بل حفظه لنفسه مما جعل تبغه من أجود أنواع التبغ. صار المدخنون يقصدون الجبل من كافة القرى المجاورة لشراء مئونتهم السنوية. لم يستطع مزارعو التبغ في المنطقة منافسة صاحب الجبل لأنه لم يكشف لهم السر فأصبح هو العنوان للحصول على التبغ الجيد. في البداية كان يبيع التبغ غير مفروم لكنه بعد أن ذاع صيته في المنطقة اتفق مع أحد الفرّامين المشهورين أن يأتي إليه في نهاية الصيف ليفرم له كمية التبغ الجيد التي خبأها ولم يبعها لشركة دوبك التي استغلت المزارعين أبشع استغلال. اختار أفضل الفرّامين المهنيين الذين يفرمون التبغ بدقة متناهية ويجعلونه كشعر البنات كما يقول المدخنون.

وصلت أخبار صاحب الجبل إلى الشرطة التي كانت تمنع بيع التبغ وتطارد من يبيعه ومن يشتريه. لكن صاحب الجبل بفضل خبرته في التهريب، ويقال بفضل مساعدة الغولة له، عرف كيف يتهرب من مداهمات الشرطة لبيته. فقد كان يخبئ التبغ ويفرمه في مكان سري بين أشجار الغابة بعيداً عن البيت. مكان تحرسه الغولة وأقاربها.

صاحب الجبل واثق أن حكم اليهود لن يدوم طويلاً فقد شاهد انهيار الدولة العثمانية وواكب زوال الانتداب البريطاني وسيأتي اليوم الذي يشاهد فيه زوال الدولة اليهودية. تأكد من ذلك بعد الانتصار الذي حققه جمال عبد الناصر في حرب السويس. ويقال انه سمعه وهو يصغي لهدير الأعماق في قاع تلك الفوهة في السفوح الشمالية.  لذلك كانت معنوياته عالية وأصر على مواصلة التجارة بالتبغ المهرب بل وسع تجارته لتشمل ورق السجائر الشامي المشهور انتاج شركة شربجي أخوان. كان يحصل على كميات كبيرة من هذا الورق الدقيق ذي الجودة العالية ويبيعها مع ما يبيعه من التبغ المفروم. تحسن وضعه الاقتصادي حتى استطاع مجاراة التطور الاقتصادي للعاملين في تل أبيب. الكثيرون بدءوا يتساءلون عن سر مجاراة صاحب الجبل ومنافسته للتطورات السريعة من حوله. بدأت الكثير من الإشاعات تدور حوله. قيل أنه ورث كمية كبيرة من الذهب عن والده. وقيل أنه عثر على كنز في أحد مغر الجبل. وقيل أنه تلقى الأموال من الخارج أو توفرها له عصابة الجن التي يرتبط معها. هذه الإشاعات صورت صاحب الجبل أنه ثري يعيش في النعيم بينما في الحقيقة لم يكن إلا كادحاً يعمل ليل نهار في أرضه ومع ماشيته ليوفر قوته وقوت عياله. فلم يتعد فطوره يوماً رغيف الخبز وصحن الزيت.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here