حسين فاعور الساعدي: مفتاح الكنز

حسين فاعور الساعدي

صاحب الجبل لم ينف ما يدور حوله من إشاعات. سكت عنها بل كاد يصدقها لكثرة ما سمعها. كان بحاجة للشعور بالأمان بعد أن ضاعت البلاد وتشرد الأحباب. لم يتصور ولم يخطر له على بال أنها ستجلب له الويلات. صحيح أن هذه الإشاعات جعلت الكثيرات من نساء القرية يعشقنه ومن لم تعشقه أعجبت به، مما جلب له السعادة وزاد من غروره. إلا أنها أوغرت صدور المزيد من كارهيه وحساده من رجال القرية حتى ممن اكتسبوا الثراء المفاجئ من عملهم في تل أبيب. لم يهن عليهم أن يلبس كما يلبسون ويأكل أفضل مما يأكلون. راهنوا أنهم سيتفوقون عليه ويثبتون له بالدليل القاطع أن العمل في تل أبيب أجدى من العمل في الأرض. كانوا متأكدين انه لن يصمد أمام ضغط زوجته وبناته. لكن شيئاً مما تمنوه لم يحدث وظل الرجل محافظاً على أرضه ونمط حياته. خاف أن يبتعد عن الأرض. شعر أنه لو فعل ذلك فستضيع وسيجد نفسه في فراغ مخيف ليس فيه موطئ قدم. هذا الشعور جعله يتشبث بأرضه أكثر. لذلك أضمروا له شراً وخصوصاً سالم أصغر أبناء أخيه. سالم منذ طفولته لا يحب عمه ويحسده على أحاديثه الجذابة وأسلوبه اللبق في جذب مستمعيه. كان يكاد يجن كيف يُسكِتُ عمه، صاحب الجبل، الجميع ويجعلهم يصغون لأحاديثه. حاول ذات يوم مقاطعته، ليقلل من قيمة حديثه، فانتهره الحاضرون ووبخوه. منذ تلك الحادثة قرر الانتقام من عمه كلما سنحت له الفرصة. كان من بين الواثقين أن صاحب الجبل يملك الكثير من الأموال. رغم انه عندما سأل والده عن مصدر هذا الثراء الذي ينعم به أخاه ضحك كثيراً وأجابه: “الله يكون بعونه، أخي مضروب بحجر كبير”. لكن سالم لم يصدق والده وظن أنه يدافع عن أخيه.

زهرة كانت واحدة من بين كثيرات من فتيات القرية اللواتي عشقن صاحب الجبل. ولكنها كانت أجملهن بشعرها الطويل الأشقر البارز من تحت منديلها الأسود، وبقوامها الممشوق ووركيها الممتلئين. استطاعت لفت انتباهه عندما زار والدها فجاءت لتقدم لهما الشاي في ذلك المساء الشتوي البارد. تلاقت عيونهما رغم أن ضوء القنديل لم يبدد كل الظلام. كان ضعيفاً وكاد يتلاشى أمام ضوء اللهب المتصاعد من النار المشتعلة في الحفرة وسط الخيمة. أعجبته لأنه شعر بخصوبتها. كان متأكداً أنه لو تزوجها فستنجب له الذكور فقط. زهرة سمعت صاحب الجبل وهو يقول لوالدها: “إن لم نستبدل هذه الخيام ببيوت من الإسمنت والحجر…فسيكون من السهل على اليهود اقتلاعنا من الأرض وطردنا منها. اليهود يريدون الأرض ولا أمان لهم والخيام لا جذور لها”. أحبته أكثر بعد أن سمعت هذا الكلام. فقد شعرت أنه لا يزال ذلك الثائر الذي شارك في ثورة شعبه ضد الانتداب البريطاني وعاش في الجبال سنوات شبابه المبكر. لم تغيره السنين ولم يصبه الإحباط الذي أصاب الآخرين.

زهرة تعرف رجال القرية وقد رفضت الزواج بواحد منهم لأنها لم تجد الرجل الذي تحلم به. رجل كجمال عبد الناصر يمنحها الدفء والأمان ويملأ عليها الدنيا. ذو قامة شامخة ومنكبين عريضين ووجه سمح يشع نوراً ورجولة. لكنها اليوم اكتشفت أن صاحب الجبل هو ذلك الرجل. فهو يشبه عبد الناصر بحديثه وقامته والدفء الذي يشيعه من حوله. والأهم من كل ذلك البريق الذي يشع من عينيه.

“غداً سأبدأ بالتحضير لبناء بيت من الحجر. أشعر أن اليهود يضمرون لنا شراً فهم يراقبون كل شيء ويجمعون المعلومات” قال لمضيفه ونهض وكأنه يريد مباشرة العمل. لأول مرة شعرت زهرة أن قلبها يتحرك من مكانه. كادت تلحق به وتقول له: “خذني معك”. تخيلته في الغابة بين الصخور والأشجار ينط  كالغزال من مكمن إلى آخر في انتظار الدوريات البريطانية. دوريات شرطة اليهود تزور القرية بين الحين والآخر. خيولهم تشبه الخيول البريطانية لكن لهجتهم تختلف. يصلون إلى القرية ويعودون. يصعدون إلى الجبل وينزلون بسرعة. كانوا يستوعبون المكان بعد أن استوعبهم.

في الصباح الباكر امتطى صاحب الجبل حصانه قاصداً قرية البعنة لشراء المعدات الضرورية لاقتطاع الصخور من الجبل. قرر أن يبني بيتاً من حجارة المكان. الإمكانات محدودة ويجب تجنيد الموارد المتوفرة. ذهب إلى صديق قديم عمل منذ مدة طويلة حجاراً في محاجر الشاغور. أراد الاستفسار منه عن الأدوات الضرورية لاقتطاع الصخور وعن كيفية استعمالها. لم يبخل الرجل عليه بالشرح والتوضيح: نصحه أن يشتري “شاقوفاً” من وزن خمسة كيلوغرامات وهو كتلة حديدية طرفها ذو قاعدة مربعة وطرفها الأخر مدبب قليلاً وفي وسطها ثقب واسع توضع فيه عصا خشبية. الشاقوف يستعمل لشق الصخور وتحطيمها. ونصحه أن يشتري “دبورة” وهي شبيهة بالشاقوف ولكنها أخف وزناً وطرفها مدبب أكثر تستعمل لتشذيب الصخور وتقويم أطرافها لتصبح حجارة صالحة للبناء. كذلك نصحه أن يشتري “بانسة” لاقتلاع الصخور الكبيرة أو تحريكها وإزميلاً لشقها عند الضرورة.

لحسن حظه كانت قمة الجبل مكونة من طبقات صخرية متلاصقة. الطبقة العليا منها تفتت بفعل أشعة الشمس على مدار السنين الطويلة. من الطبقة الثانية والثالثة بدأ صاحب الجبل يقتطع حجارة بيته العتيد.

في الصباح الباكر نهض وسرّح قطعانه إلى المرعى في السفوح الجنوبية والشرقية. بعد ذلك حمل شاقوفه وتوجه إلى المحجر الذي افتتحه في قمة الجبل. من حظه أن طبقات الصخر لم تكن سميكة فتمكن من قصها وتفصيل الحجارة تماماً بالشكل الذي أراده. رفع الشاقوف إلى أقصى حد وهوى به على الصخر. كرر الضربات بقوة وإصرار حتى أحدث شقاً في الطبقة الصخرية فجاء بالإزميل وأدخله في الشق وواصل الضرب عليه بقوة حتى انفصال القطعة الصخرية تماماً. أخذ هذه القطعة وبواسطة الدبورة صنع منها قالباً حجرياً يصلح للبناء. اهتم أن يكون لكل القوالب الصخرية التي يقتطعها نفس الارتفاع ونفس السُمْك لتكون المداميك مستقيمة. أما الطول فكان مختلفاً. من حجارة الجبل اقتطع ما يكفيه لبناء بيت من غرفتين واسعتين. أما الشظايا الصغيرة فجمعها في أكوام ليخلطها مع ما سيشتريه من رمل واسمنت ليصب الجدران الداخلية والسقف. لن يشتري إلا الرمل والحديد والاسمنت بعد أن وفر الحجارة اللازمة لبناء البيت.

المشكلة لم تكن ثمن هذه المواد فقد ادخره منذ راودته فكرة بناء بيت من الحجر قبل سنوات. المشكلة الحقيقية التي واجهها صاحب الجبل هي كيف سينقل هذه المواد من الرمل والحديد والاسمنت إلى الجبل المقطوع عن العالم. فالشاحنة التي ستجلبها بحاجة إلى شارع يصل إلى الجبل. بعد تفكير طويل لم يجد بديلاً عن القيام بشق هذا الشارع بواسطة ما يملك من أدوات. أخذ شاقوفه وبانسته وبدأ بتحطيم الصخور أو اقتلاعها وشق طريق يربط الجبل بالشارع المؤدي إلى قرية عرابة. في المناطق السهلية كان العمل سهلاً وسريعاً أما في المناطق الجبلية وفي المنحدرات فقد كان يقضي الأيام الطويلة ليتقدم عدة أمتار فقط. أبناء المنطقة راقبوه من بعيد. سخروا منه حيناً وتجاهلوه أحياناً كثيرة. إلا والد زهرة الذي أنضم إليه بعد عدة أيام من بدئه العمل. كاد يحبطه في البداية، مما يدل أن أحدا ما، ربما تكون زهرة، قد دفعه ليقوم بهذه المساعدة وليس قناعته أو نخوته.

استغرق شق الشارع ما يزيد عن الثلاثة أشهر من أواخر الربيع حتى باية الصيف الحار. كان صاحب الجبل يبدأ يومه باكراً ويعود إلى بيته في ساعة متأخرة من النهار منهكاً. في المناطق السهلية كان العمل يسير بسهولة وسرعة لأن الأرض مستوية ولا صخور بارزة فيها. أما في المناطق الجبلية الوعرة فكان العمل شاقاً ومضنياً لكثرة الصخور البارزة ولأن الأرض غير مستوية. إلى جانب صخرة ارتفعت قليلاً فوق الأرض اكتشف أن حجلة بنت لها عشها ووضعت فيه بيضها. تحطيم هذه الصخرة يعني تخريب العش وإتلاف ما يقارب الخمسة عشر بيضة. قرر صاحب الجبل ترك هذه الصخرة وتأجيل تحطيمها حتى يفقس البيض وتلحق الصغار أمها. فيما بعد سيندم كيف لم يرجئ العمل في كل هذا الطريق لما سيجلبه عليه من ويلات ولأنه سيسهل على اليهود الوصول للجبل.

على مدار الثلاثة أشهر كانت زهرة تواظب على إحضار إبريق من الشاي كل يوم لوالدها وصديقه وتجلس قبالتهما وهما يرتشفان الشاي في ساعات الظهيرة الحارة. لم تنس ما سمعته من صاحب الجبل أثناء إحدى سهراته مع والدها حين قال له انه يحب شرب الشاي في ساعات الظهيرة الحارة لأن ذلك يخفف من شعوره بحرارة الطقس. يومها قال مازحاً: “الحَرُّ يطرد الحَر”. لم تنس زهرة هذه العبارة التي انتشرت في القرية. مع الشاي حرصت كل يوم أن تحضر لهما نوعاً جديداً من الحلويات التي أعدتها بطريقتها الخاصة كالعصيدة والسحلب والخبيصة.

بعد هذا العمل المتواصل لم يستطع صاحب الجبل إيصال الشارع حتى قمة الجبل بسبب الصخور الضخمة المحيطة بالقمة. أوصله إلى نقطة تبعد ما يقارب المئتي متر منها. من هذه النقطة سيضطر لنقل ما يحتاجه من مواد البناء إلى قمة الجبل بواسطة الحمير أو الجمال.

لم يكن من السهل إقناع سائق الشاحنة الوحيدة في قرية عرابة بالصعود بشاحنته المحملة، في طريق وعرة، غير معبدة ومتعرجة. شرح السائق لصاحب الجبل كيف دفع ثمن شاحنته دم قلبه. وأي خراب سيصيبها سيعني خراب بيته وضياع مصدر رزقه وتوقف مصالح قرية بأكملها. لكن صاحب الجبل ألح عليه وتعهد له أن الشاحنة لن يصيبها أي ضرر لأن “النوايا حسنة”. لم يكن أمام سائق الشاحنة إلا الموافقة والإذعان لإلحاح صاحب الجبل. في اليوم التالي بعد زوال الشمس من كبد السماء كانت الشاحنة المحملة بالرمل وربطتين طويلتين من قضبان الحديد، تعدى طولهما طول الشاحنة، تصعد في الطريق المتعرجة الموصلة إلى الجبل. شخير محركها لفت انتباه جميع سكان القرية فخرجوا من بيوتهم ليشاهدوا أول شاحنة تصل قريتهم. كان الكثيرون منهم قد أكدوا أن هذا الشارع لن يكون أكثر من مسرب للحمير والجمال. سار صاحب الجبل أمام الشاحنة بهمة عالية ليرشد السائق إلى الطريق. وكانت الشاحنة تقترب منه حتى تكاد مقدمتها أن تلامس كعبيه من الخلف فيثب كالأسد إلى الأمام كي لا يعيق تقدمها. جميع السكان كانوا يراقبون المشهد وكأنه فيلم سينمائي. منهم من تمنى أن تدهسه الشاحنة ومنهم من قفز قلبه من مكانه كلما اقتربت منه.

بعد هذا اليوم الحافل عاد صاحب الجبل ليكون حديث كل الناس في القرية. منهم من سخر منه ومنهم من مدحه وتفاخر بإنجازه العظيم. زهرة كانت تصغي للجميع وقلبها يطير من الفرح لأن جميع من في القرية يتحدث إما عن جمال عبد الناصر وحربه في اليمن وإما عن صاحب الجبل. رقصت من الفرح وهمست لنفسها “كأنه جمال عبد الناصر…كم أنا محظوظة لو أتزوجه”.

كم كان المنظر رائعاً وجذب الجميع عندما توقفت الشاحنة في آخر الطريق التي شقها صاحب الجبل. استدارت قليلاً وبدأ صندوقها المملوء بالرمل يرتفع ليفرغ ما فيه من حمولة. كومة من الرمل لأول مرة قرب قمة الجبل. فُضت بكارة المكان واختلطت رائحة وقود الشاحنة برائحة الطبيعة. في اليوم التالي كانت الشاحنة تصعد في طريقها إلى الجبل محملة بالرمل والاسمنت. صار الطريق واضحاً ويظهر من بعيد خطين متوازيين لا يلتقيان.

الكثيرون اقترحوا على صاحب الجبل أن يبني بيته حيث وصلت الشاحنة ليوفر على نفسه عناء نقل مواد البناء. لكنه أصر على بناء بيته في القمة. فهذا حلمه منذ لم تعد الخيمة ملاذاً آمناً. بدأ بتعبئة الرمل بأكياس صغيرة لنقلها بواسطة الحمير والجمال. استعمال الحمير كان عملياً أكثر إذ يمكن تحميلها وهي واقفة بينما الجمال يجب إناختها قبل تحميلها وذلك يتطلب المزيد من الوقت. شاركت زوجته وبناته في نقل مواد البناء على رؤوسهن جنباً إلى جنب مع الحمير التي داست على أقدامهن الحافية.

صاحب الجبل أراد المحافظة على قطعة كبيرة من الأرض في قمة الجبل. هذه القطعة كانت أحب أرضه إليه. ليس لأنها أجودها وإنما لأنها تتربع في أعلى القمم. اقتلع أجداده الصخور الصغيرة منها وبنوها جداراً حولها لمنع المواشي والحيوانات البرية من الدخول إليها. زرعوها بأشجار الزيتون البري التي اقتلعوها من الغابات القريبة. وبعد أن نمت قليلاً قاموا بتركيبها بالنوع السوري الجيد. في طرف القطعة الشرقي قرر إقامة بيته. لم يحفر له أساسات عميقة لأن المكان الذي اختاره كان عبارة عن طبقة صخرية واسعة. من طرفها الشرقي الجنوبي كان قد قطع حجارة البيت فتكونت حفرة كبيرة تشبه محاجر الشاغور غير البعيدة. في هذه الحفرة تجمعت مياه الأمطار في فصل الشتاء فاستعملها صاحب الجبل لسقاية مواشيه في نهاية فصل الربيع وبداية فصل الصيف.

بناء البيت لم يستغرق وقتاً طويلاً لأن البنّاء كان صاحب تجربة طويلة في بناء بيوت الحجر ولأنه كان يبدأ عمله عند الفجر وينهيه عند حلول الظلام. عمل بجد وإخلاص إلى أن جاءه أحد أبناء القرية العاملين في تل أبيب وأخذه لبناء بيت مشابه في الوادي القريب. تغير سلوك البنّاء بعد أن تعرف على هذا الرجل الذي يقال انه دفع له أكثر وحرضه على ترك العمل عند صاحب الجبل والانتقال للعمل عنده. البنّاء ترك البيت قبل أن يصب سقفه وكل محاولات صاحب الجبل لإقناعه بإكمال عمله لم تجد نفعاً.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here