حسين فاعور الساعدي: عندما تفقد الكلمة معناها: جائزة إسرائيلية لثوار عرب؟ وأعضاء كنيست ضد الدولة؟

حسين فاعور الساعدي

الحرف هو الوحدة الأساسية التي تتكون منها الكلمة. ومن الكلمات تتكون اللغة. واللغة هي الأداة التي تتواصل بها المجتمعات والشعوب، والوسيلة التي تفكر بواسطتها. فاللغة والمجتمع هما وجهان لعملة واحدة. إذا انهارت اللغة أو ضعفت انهار المجتمع وضعف وإن ارتقت وقويت زاد المجتمع تطوراً وتماسكاً وتكافلاً. يبدو ذلك واضحاً وجلياً من الأوضاع المتردية لشعوبنا العربية، لأنها لا تقرأ ولا تطور لغتها.

اللغة هي ما يميز الإنسان عن الحيوان. وهي ركيزة أساسية من ركائز التماسك والتكافل الاجتماعي، إذا ضعفت ضعف هذا التماسك وانهار.

في الحقيقة لغتنا لم تضعف لأننا شعوب لا تقرأ فقط، وإنما هنالك أسباب أخرى كالعولمة والتكنولوجيا الحديثة التي تحاول جاهدة ليس فقط تحجيمها وإنما القضاء عليها نهائياً.

ما أريد التطرق إليه في هذه العجالة هو مدى مساهمتنا نحن الناطقين بالعربية في إضعاف هذه اللغة وتحجيمها أو القضاء عليها. هذه المساهمة غير مقصودة بشكل عام ولكنها موجهة وممولة من الكثير من الجهات التي تدرك جيداً أن إضعاف الشعوب أو المجتمعات يتأتى عن طريق إضعاف لغتها. هذا واضح وجلي فيما يحدث في أكثر من مجال من مجالات حياتنا اليومية. إلا أنني سأتطرق إلى ما يجري في اثنين فقط من هذه المجالات وهما المجال السياسي والمجال الثقافي.

  • ما يجري في المجال السياسي: كان العرب يعقدون الاتفاقيات ويفضون النزاعات بالكلمة. وهذا خير دليل على احترامهم للغة بل وتقديسهم لها. وفي التراث الشعبي معروفة تلك القصص التي تروى عن رجال دفعوا حياتهم ثمن التزامهم بكلمة نطقوها أو وعدوا بها. وقد قيل في وصف الرجال المخلصين: “رجل كلمته كلمه” و “رجل كلمته ما تصير اثنتين” و “رجل كلمته كالسيف” فأين نحن من ذلك؟ على مستوى رؤساء الدول كل يوم نشهد انقلابهم على الدستور أو تغييرهم له ليصبح على مقاسهم وليلائم تبدل مواقفهم. وكل يوم نسمع تصريحاتهم التي تتناقض كلياً مع أفعالهم وممارساتهم: يقتلون الأطفال نصرة للشعوب. ينهبون الخيرات باسم مشاريع التطوير ويسجنون المفكرين باسم الحفاظ على الوطن. وغير ذلك الكثير.

أما على مستوى البرلمانات والأحزاب فإن الوضع أسوأ من ذلك بكثير. فالأغلبية الساحقة تفاخر أنها تفعل ما لا تقول وتقول ما لا تفعل.

سأعطي أمثلة مما يجري عندنا في هذا المجال لأن ما يجري هنا هو صورة مصغرة للوضع العام. فعلى مدار سبعين عاماً يجلس في الكنيست الإسرائيلي أعضاء عرب يقسمون يمين الولاء للدولة ولكنهم يصرحون أنهم فلسطينيون. وفي السنوات الأخيرة برز من بين هؤلاء الأعضاء من يسوّق نفسه انه متطرف ومعادٍ لدولة إسرائيل ويشكل خطراً عليها. (معاد لدولة إسرائيل ويشكل خطراً عليها ويجلس في الكنيست!! كيف؟؟؟). والأصعب من ذلك أن برامج وشعارات هذه الأحزاب المشاركة في الكنيست والتي بواسطتها استقطبت الجماهير حولها كالدفاع عن الأرض وجماية المسكن والدولة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، على مدار سنوات طويلة لم يتحقق منها شيئاً. فالأرض صودرت ويستمرون بمصادرتها بمختلف الأساليب الناعمة، والبيوت هدمت ويستمر هدمها أو تغريم ساكنيها والدولة الفلسطينية لم تقم لا يبدو في الأفق أنها ستقوم.

أظن أن ما فعله السياسيون بأمتنا يكفي ليُفقد اللغة معناها، بل ويجعل شعوبنا تكره هذه اللغة التي كانت الأداة التي استعملها هؤلاء السياسيون لخداعها والضحك عليها سنين طويلة.

  • ما يجري في المجال الثقافي: ما يجري في المجال الثقافي أخطر بكثير مما يجري في المجال السياسي، وهو الطامة الكبرى لأن الثقافة أقرب إلى قلوب الناس من السياسة. وانهيار اللغة في المجال الثقافي له تداعياته المباشرة والسريعة على الكثير من مناحي الحياة اليومية للمجتمع. سأتطرق فقط لما يجري عندنا هنا، لعدم إلمامي بما يجري في العالم العربي وأظن أنه لا يختلف كثيراً.

حتى سنوات السبعين كان عندنا نوعين من الأدب: الأدب الثوري أو ما سموه في العالم العربي أدب المقاومة ونشرته بالأساس صحف ومجلات الحزب الشيوعي، والأدب غير الثوري الذي نشرته بقية الصحف. إلا أن حادثين تفصل بينهما عشر سنوات أحدثا تحولا جذرياً في المسيرة الثقافية هنا داخل ما يسمونه الخط الأخضر. الحدث الأول هو حرب 1967 التي فتحت عيوننا على العالم العربي لنصاب بصدمة شديدة وقاسية ليس بسبب النكسة وإنما بسبب الأوضاع الاجتماعية والسياسية للشعوب العربية من حولنا التي لم نتوقع ولم نتخيل أنها على هذا القدر من السوء والرداءة. هذه الصدمة أذهلتنا وأحدثت بلبلة شديدة في الأحلام الوردية التي تخيلناها حول العالم العربي والتي كانت مصدر إلهام لنا. حتى أن الكثيرين أصيبوا بالإحباط فلجأوا إلى الصمت. مع أنها كانت محفزاً للبعض لإعلان رفضهم وتحدييهم لما حدث مستلهمين طاقاتهم الداخلية.

أما الحدث الثاني فهو إقامة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة عام 1977 ليصبح بعض من كانوا بالأمس من رجالات أحزاب السلطة يقفون بين قياداتنا وممثلينا. هذه الخطوة خلطت الأوراق وألغت الفرز بين الثوري والسلطوي. وبين الغث والسمين فيما بعد. وكانت البداية لتراجع الثقافي ليسير وراء السياسي بعد أن كان السياسي يسير وراء الثقافي أو بموازاته.

أصبح للثقافي “الحق!” أن يتعامل مع السلطة ويأكل من خبزها إذا كان قدوته يقوم بذلك. استغلت السلطة هذه البلبلة والفوضى التي ربما تكون هي من هيأ لها لتعلن عن “منح التفرغ” و “جوائز الإبداع”. هذه المنح والجوائز لم يكن لها علاقة لا بالتفرغ ولا بالإبداع لأنها منحت لمن تقدم لها.

وهكذا أصبحنا أمام واقع جديد يختلف عن الواقع الذي سبق النكسة وسبق إقام الجبهة بعد ذلك. هذا الواقع الذي جعل القارئ يشك في كل شيء. كيف لا يشك وهو يرى كاتباً أو شاعراً يتحدث عن النكبة الفلسطينية ويطالب بحقوق الفلسطينيين وفي نفس الوقت ينال جائزة الإبداع من وزارة ميري ريجف؟ كيف لا يشك وينفر من الأدب وهو يرى شعراء وأدباء يتجولون في العالم العربي كأبطال رغم تاريخهم الحافل وغير النظيف؟ لقد وصل الأمر في إفراغ الكلمات من معانيها إلى حد أن هنالك من كتب أن جائزة وزارة الثقافة والرياضة الإسرائيلية هي جائزة فلسطينية! لِمَ لا؟ ألم يسبقه السياسي الذي يجلس في برلمان صهيوني ويتلقى معاشاً شهرياً منه، في الصراخ أنه فلسطيني؟! السياسي شرعن للأغلبية الساحقة من كتابنا التقدم بطلب لنيل جائزة التفرغ أو لنيل جائزة الإبداع من الوزارات الإسرائيلية رغم كل ما يعنيه ذلك ورغم كل ما لذلك من تأثير على نفسية الكاتب ذاته.

إن غياب الناقد الجريء والمستقل إضافة إلى ما ذكرته سابقاً جعل ساحتنا الأدبية تغص بالإنتاج الثقافي الهابط الذي وجد الكثير من النوادي التي تروج له وتسوّقه من منطلقات حزبية أو فئوية ولخدمة السياسي الذي يدعم ويوجه هذه النوادي أو الأطر، وعلى حساب النكلقات الجمالية.

هذا الهبوط في المستوى الجمالي لما ينشر من أدب، واستغناء المروجين له عن هذا الجمال هو نتيجة مباشرة للاستهتار بالكلمة وتعبير عن الاستخفاف بها. وقد جاءت المنح والجوائز هنا وفي العالم العربي لتشجع ذلك وتثبته. وخير مثال على ذلك الاستغناء عن جمال الأدب ورصانته هو الشعر المنثور أو غير الموزون الذي جاء للقضاء على أجمل ما في اللغة العربية: الشعر الموزون. ما يلاقيه الشعر المنثور الهابط من تهليل وتريج وتشجيع خصوصاً في عصر الفيسبوك الذي يساهم مساهمة كبيرة جداً في تشويه اللغة العربية والقضاء عليها، دليل قاطع على ما وصلت إليه اللغة من تفريغ لفحواها ومن إلغاء لدورها، كمقدمة للانهيار المجتمعي المتمثل بتفشي العنف وتدهور الأخلاق.

أمام هذه الأوضاع ليس غريباً أن يقول لك مواطن عادي وأنت تعرض عليه كتابك: “يا أخي حل عني أنا لا أقرأ” وقبل ان يعرف أي شيء عما تعرضه عليه لأنه متأكد أنك هابط ورديء كغيرك.

وأمام هذا الهبوط السياسي وهذا التردي الثقافي وكثرة الفضائيات المتصارعة والمتناقضة والناطقة جميعها بالعربية لا مجال أمام المواطن العادي بعد أن تراجع عن القراءة إلا أن يكف عن السمع لنتحول إلى شعوب لا تقرأ ولا تسمع. وقد بدأنا بذلك و”الفضل!” كل الفضل في ذلك للفيس والوتس وأخواتهما الذي جعل حتي العائلة الصغيرة الواحدة تستغني عن اللغة السليمة للتواصل فيما بين أفرادها. فكل واحد قابع في زاويته يحملق في هاتفه.

نحن شعب لا يقرأ ومع تطور وسائل الاتصالات الحديثة تحولنا إلى شعب لا يسمع أيضاً.

كاتب من الجليل الفلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here