حسين فاعور الساعدي: صمت الأدباء على صرخات الطفل اليتيم في الشريط المسرب يطرح السؤال الصعب: هل أدبنا انتهازي وبعيد عن الواقع إلى هذا الحد؟

حسين فاعور الساعدي

كما أسلفت في مقالي السابق عند مشاهدتي لهذا الشريط الفظيع والبشع قمت بإرساله إلى مجموعتين أنتمي إليهما وأعتقد أنهما صاحبتي الشأن في محاربة مثل هذه الظواهر الخطيرة وهما مجموعة أو فئة العاملين الاجتماعيين ومجموعة أو فئة الأدباء. تجاهل الفئتان للشريط صدمني وخيب ظني.

في مقالي السابق تطرقت إلى رد فعل وتعامل فئة العاملين الاجتماعيين المخزي والمُخيّب للآمال مع الشريط. وفي هذا المقال سأتطرق إلى تجاهل الأدباء التام والصادم لصرخات طفل تهز الشجر والحجر.

سيقول المتفلسفون من أدبائنا: عمَّ تتحدث؟ ألا ترى قتل الأطفال العرب في كل مكان وتتحدث عن صرخات طفل بسبب بعض اللكمات؟

نعم صرخات هذا الطفل أبشع من القتل لسبب وحيد: أن من يمارسها ويكرسها ويمنهجها منذ سنوات طويلة هو منا، يعيش بين ظهرانينا يأكل مما نأكل ويلبس مما نلبس ونبادله الود والاحترام والمجاملات وهو الذي يتلقى الأموال للحفاظ على مثل هذا الطفل فيصرفها على خلق الجريمة وتكريسها.

من لا تهزه صرخات هذا الطفل اليتيم، الذي أُخرج من بيته ودنياه، لا يمت لهذا الشعب بصلة حتى لو كتب القصائد عن القدس والعروبة. وفقط من فقد انتماءه وضميره لا تهزه صرخات هذا الطفل البريء وهو يتلقى اللكمات، ممن يتلقى معاشاً شهرياً للحفاظ عليه واحتضانه والحنو عليه، حتى لو كتب الروايات والقصص عن المظلومين.

لقد أرسلت الشريط إلى كل مواقع “المنتديات الأدبية!!” التي انا عضو فيها ووضعته على صفحتي على الفيسبوك التي تضم معظم أدبائنا وشعرائنا. وكنت أظن أن الأدباء سيقيمون الدنيا ولن يقعدوها لأن هذا الشريط يُظهر إلى أين وصل مجتمعنا. فهذا الشريط يُظهر كيف نستعمل حتى الأموال، التي نتلقاها لإنقاذ أبنائنا من السقوط في متاهات السموم والجريمة، نستعملها في تكريس هذا السقوط وإنتاج الجريمة. ويظهر مدى استهتارنا بالإنسان وتحويله إلا بضاعة للمتاجرة. وكيف لسنوات طويلة تقوم مؤسسات، معروفة لنا، بخيانة الأمانة وتدمير جيلاً كاملاً من أبنائنا؟. هذه ليست حرب لا حول ولا قوة لنا في وقفها. وهذه ليست كوارث لا سلطة لنا عليها. هذه، يا حضرة الأدباء، أفعال أناس يعيشون بيننا ويدّعون أنهم يرعون أبناءنا ويحمونهم من المخاطر. وعلى هذا الأساس ينالون الأموال من الدولة. وعلى هذا الأساس تحولوا إلى أثرياء.

في هذا الشريط يقوم المرشد “المهني!” و”العطوف!” و”الإنساني” بضرب طفل يتيم لا أهل ولا عزوة له. يضربه بعنف وبشكل متواصل ولمدة طويلة رغم صراخه وتحت سمع وبصر زملائه. يضربه ويستريح… ثم يعاود ضربه. هذا المرشد ومشغليه يتلقون ما يقارب الثلاثة آلاف دولار شهرياً عن هذا الطفل للحفاظ عليه في هذا الملجأ الذي من المفروض أن يوفر له الأمان والحنان والطمأنينة. هذا الطفل جيء به إلى هذه المؤسسة لتوفير الظروف له ليكون طبيباً أو مهندساً أو عضواً نافعاً في مجتمعنا وليس لتدريبه على أن يكون رئيس مافيا أو تاجر مخدرات.

أليست هذه قضية جديرة بلفت انتباهكم؟ ما الذي يشغلكم؟ ما هي القضايا التي تثيركم وتفتح قريحتكم على الكتابة والإبداع؟ ألم تروا هذا الشريط على شبكات التواصل الاجتماعي؟. لقد أرسلته لكم لأنني ظننت أنكم لم تروه. لكن مواصلة صمتكم بعد أن أرسلته لكم وبعد أن رأيتموه أثبت لي بما لا يدع مجالاً لأدنى شكٍ أنكم لستم أدباء ولا تمتون للأدب بصلة. والأصعب من ذلك انه أثبت أننا مجتمع فقد منعته أو حصانته ومصاب بكل الأوبئة والأمراض.

لماذا لم يحظ هذا الشريط حتى بتعليق بسيط من حضرتكم؟ يبدو أنكم ترون أن ما يحدث في هذا الشريط هو أمر عادي؟ أليس كذلك؟

الناس البسطاء أبدوا استياءهم وكتبوا تعليقاتهم على الشريط. إلا زملائي الأدباء لم ينبسوا ببنت شفة (ما عدا الأديبة شوقية عروق). الأدباء لم يهتموا وكذلك العاملون الاجتماعيون ومثلهم نوابنا في الكنيست الذين أرسلت لهم الشريط كما أرسله غيري. العاملون الاجتماعيون شرحت في مقالي السابق لماذا لم يتحركوا. ونوابنا في الكنيست يعرفون أن هذا الطفل لا فائدة شخصية لهم منه، فلا أصوات لديه فهو دون أهل ودون عزوة ولا يحق له التصويت لأنه ابن ثماني سنوات فقط. كما انه لن يوفر لهم الظهور على الفضائيات. لذلك لم يتطرقوا لقضيته ولم يهتموا بها. فما بالكم أنتم أيها الأدباء؟؟

سأجيب عنكم فأنا واحد منكم:

ساحتنا الأدبية منذ سنوات تعج بالزنا الأخلاقي الذي خلق عصابات من المتسلبطين على الأدب ممن لا علاقة لهم لا بالأخلاق ولا بالأدب. هؤلاء بوقاحتهم وصفاقتهم، وبغياب الرقيب الجريء والنزيه، يشوهون الزمان والمكان بضوضائهم، ويلوثون ما تبقى لنا من فضاء ضيق. ويحتلون معظم المنابر إن لم يكن جميعها بتشجيع من مجموعة من المداحين المنافقين. هذا الوضع المأساوي رافقه نهجٌ لا يقل عنه مأساوية وهو تجاهل النص والتطرق للشخص. وسبب ذلك أن أكثرية الكتاب هم من غير المبدعين الذين همهم الأول والأخير هو مصلحتهم الشخصية الضيفة (المال والشهرة) وليس تثقيف المجتمع وتغييره نحو الأفضل. وهم يعرفون أن نصوصهم ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها لإثبات وجودهم ومن الأفضل لهم الاعتماد على العلاقات الشخصية. لذلك يخافون خوفاً وجودياً من المبدعين، أصحاب النصوص القوية، الذين لا هم لهم سوى تثقيف المجتمع وتغييره، لشعورهم أنهم خطر على مشروعهم. هذا النهج  الذي أرسى دعائمه غير المبدعين بدعم من المداحين المنافقين جعل القارئ العادي لا يصل إلى النصوص الجميلة والمبدعة التي ضاعت بين أكوام نفايات النصوص الهابطة، لأنه خلق ضباباً كثيفاً يحجب بصيرة ورؤية هذا القارئ.

عدم التطرق من قبل أدبائنا لهذا الشريط لا من قريب ولا من بعيد يكشف الوجه الحقيقي لهم ويكشف مدى بعدهم وانسلاخهم عن مجتمعهم. ويثبت، بما لا يدع مجالاً لأدنى شك، مدى انتهازيتهم وزيفهم. كان بودي أن أسمع تعليقاً من أديب على هذا الشريط المفزع الذي انتشر على الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي.

أي أديب هذا الذي يبخل في توظيف ولو كلمة لنصرة مظلوم؟ أي أديب هذا الذي يمر مر الكرام على منظر يتنافى وكل القيم والأخلاق ولا تهتز منه شعرة؟

ويحكم ما أبشعكم! إن نهجكم الخاطئ والمريض (التطرق للشخص وليس للنص) الذي ذوّتموه في نفوسكم المريضة أوحى لكم أن أي تعليق منكم على هذا الشريط هو نصرة للكاتب الذي نشر الشريط وليس نصرة للطفل المضروب.

كم أنتم بشعون يا سادة!. أنتم تركضون وراء الشهرة ووراء المال. أنتم تعتقدون أن هذا الشريط لن يجلب لكم المال ولن يفيدكم في شيء فلماذا التطرق إليه. أين غيرتكم على مجتمعكم؟ أيمكن أن يكون أديباً من لا يغار على مجتمعه؟ أيمكن أن يكون أديباً من يرى مجتمعه قد وصل الحضيض ولا يحرك ساكناً؟ أين دوركم في التثقيف والتنوير والتغيير؟ أيمكن أن يُثقف الآخرين من يتعايش مع العنف بأبشع صوره ويرى فيه أمراً عادياً؟ الصمت على هذا الشريط أثبت ألا أدباء عندنا. فما رأيكم؟

ما يزيد من خوفي وقلقي أن غالبيتكم العظمى هم معلمون يتعاطون يومياً مع أبنائنا أجيال المستقبل. كم أنا خائف عليهم منكم أيها اللامبالين مرضى الركض وراء المال والشهرة. أنتم تخونون الأمانة مرتين: مرة وأنتم مدرسون تتعاملون يومياً مع جيل المستقبل، ومرة وانتم كتاباً تثقفون شعباً بأكمله. يبدو أنكم سبب البلاء الذي نحن فيه فقد أصبح معروفاً أن من يريد تحطيم أمة يبدأ بمعلميها. وكم أتمنى أن  أكون مخطئاً.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here