حسين فاعور الساعدي: شريط الفيديو المسرب والمخفي الأعظم

 

 

حسين فاعور الساعدي

الضرب المبرح الذي شاهدناه في الشريط المسرب من المؤسسة لرعاية الأطفال في خطر هو ضرب “مهني!” قام به إنسان يجيد العنف بمهنية عالية وله تجربة غنية في هذا المجال فهو يعرف كيف يمارسه دون ان يترك أثراً. فالرأس منطقة لا يمكن لللكمات أن تترك فيها أثراً أو علاماتٍ واضحة مهما كانت قاسية وعنيفة. ويبدو انه أختير من قبل مشغليه في المؤسسة لخبرته وتفوقه في هذا المجال.

شاهدت الشريط ففرت دمعة حارة من عيني لأنني شعرت أنني ذلك الطفل الذي حاول صد اللكمات عن رأسه بالصراخ فانهال عليه المزيد منها. صراخه أحرق قلبي وهز مشاعري وشعرت انه يذيب الصخر من حولي.

هذا الطفل لا أهل ولا عزوة له، فاليتيم هو ليس من مات أبوه وأمه وإنما:

         اليتيم هو الذي تلقى له          أماً تخلت أو أباً مشغولا

هذا الطفل الذي تخلى عنه أهله وعزوته وأبناء بلده جاءوا به إلى هذه المؤسسة لحمايته من الأخطار المحيطة به، ولكنهم بدل أن يوفروا له ظروفاً أفضل حولوه إلى سلعة في هذا العالم المحكوم بموازين الربح والمزيد من الربح.

راقبت ردود الأفعال في الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي على هذا الشريط الفظيع فأصبت بمزيد من الحزن لما وصلت إليه احوالنا. عندما رأيت الشريط صباح الأمس توقعت ان تقوم الدنيا ولا تقعد. توقعت أن يثور رئيس لجنة المتابعة ويخرج من مكتبه الوثير ويطلب من الوزارة المعنية إغلاق هذه المؤسسة حالاً. توقعت أن تنتفض المشتركة بكل أعضائها ومساعديهم ومساعدي مساعديهم وتطرح الموضوع من على منصة الكنيست مطالبة بمحاسبة المسئولين، كل المسئولين، عن هذه المؤسسة. توقعت أن يتحرك رئيس السلطة المحلية في تلك القرية. والأهم من كل ذلك توقعت رد فعل بمستوى الحادث المؤلم من مدراء أقسام الرفاه الاجتماعي (أصحاب الشأن) في سلطاتنا المحلية الذين يتعاملون مع هذه المؤسسة ويوفرون لها البضاعة رغم أنهم  يعرفونها على حقيقتها.

لم يحدث شيء من ذلك. ونسأل بكل وقاحة من أين كل هذا العنف في مجتمعنا. هذا الطفل الذي سيعود يوما ما إلى بلده سيظن الجميع أنه خريج مؤسسة من المفروض ان تكون قد وفرت له العلاج والظروف التي تجعله إنساناً عادياً ومفيداً لمجتمعه، بينما في الحقيقة هو خريج بؤرة من الكبت والعنف والحرمان وفرت له كل المعطيات ليكون مجرماً يمارس القتل والعنف. مثل هذا الطفل هنالك المئات إن لم يكن الآلاف من الأطفال المهملين في مؤسسات تتلقى المبالغ الضخمة لتوفر لهم ظروفاً أفضل، ولكنها بدل ذلك تعدهم ليكونوا منحرفين ورؤساء عصابات، تحت سمع وبصر الجميع.

هذا الشريط وصل إلى موقع مدراء أقسام الرفاه الاجتماعي (العرب واليهود). لكن المذهل والمفاجئ أنه من بين أكثر من خمس وستين مديراً ومديرة من العرب أعضاء هذا الموقع لم يتطرق لهذا الشريط الفظيع إلا عدد قليل لا يزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة. هذا بحد ذاته ولوحده دليل دامغ على مدى التردي الذي وصلنا إليه، وإشارة واضحة على إرتباط الكثيرين من مدراء أقسام الرفاه الاجتماعي في سلطاتنا المحلية بعلاقات مشبوهة مع مثل هذه المؤسسة المعروفة للكثيرين بتجاوزاتها واستهتارها.

إنني أطالب ومن على صفحات كل وسائل الإعلام أن يقام جسم شعبي لمتابعة هذه القضية ومنع طمطمتها والاكتفاء بمعاقبة المرشد ككبش فداء. لأن مثل هذه المؤسسة وأصحابها مسئولون أيضاً ويجب محاسبتهم على هذا النهج الذي اتبعوه على مدى سنوات كثيرة  أنتجوا خلالها الكثير من ممارسي العنف في مجتمعنا، كما أعرف أنا وكما يعرف الكثيرون من مدراء أقسام الرفاه الاجتماعي في وسطنا العربي. في حينه صرخت ونبهت ككثيرين غيري. لكن صراخنا لم يلق آذان صاغية عند المسئولين ولم يكن بيدنا دليل قاطع رغم شهادات العمال الاجتماعيين من داخل المؤسسة والذين تم طردهم فيما بعد. أذكر تلك الحادثة يوم شاهدت إحدى العاملات الاجتماعيات العاملات في المؤسسة كيف قام أحد العمال الاجتماعيين (نعم احد العمال الاجتماعيين وليس أحد المرشدين)، بضرب أحد الأطفال على بطنه فأغمي عليه وتم طمطمة الحادثة وعندما أرسلت العاملة الاجتماعية، التي لم تستطع السكوت، برسالة إلى المفتش المسئول استدعيت إلى مكتب أصحاب المؤسسة لتأخذ التبليغ بفصلها من العمل وليخبروها شفهياً أن ذلك المفتش قد مزق رسالتها  وألقاها في سلة المهملات. هذا العنف والبلطجة الذي مارسه ألمسئولون في تلك المؤسسة حتى ضد العاملين المهنيين فيها لم نستطع كشفه وتوثيقه في حينه فشكراً لهذه الطفلة البطلة التي تمكنت من توثيق بعض ما يجري في هذه المؤسسات التي تساهم في عملية التخريب الممنهج الذي يتعرض له مجتمعنا اليتيم.

هذه المؤسسات تتلقى الميزانيات الدسمة لتوفر ظروفاً أفضل لأطفال يتعرضون لأبشع الظروف. وبدل أن توفر لهؤلاء الأطفال أفضل الأطقم المهنية وأفضل الملابس وأفضل الأطعمة، تقوم بدفع الخاوات والرشاوي للتغطية على فسادها وجني المزيد من الأرباح غير الشرعية.

صرخات هذا الطفل يجب أن تهز رئيس لجنة المتابعة ورئيس المشتركة وكل قياداتنا لينهضوا ويروا إلى أين وصل مجتمعنا. فإذا كان هذا هو حال القيمين على مكافحة العنف ومعالجة الانحراف فما الذي ننتظره؟ إذا كان من يأخذ الميزانيات ويتلقى الأموال الطائلة من الدولة لمكافحة العنف وتقليصه هو من يمارسه بأبشع صوره فما الذي ننتظره؟ لماذا نتساءل من أين جاء كل هذا العنف في مجتمعنا؟ ما حاجتنا لخيام الاعتصام وللإضراب عن الطعام؟

هذه المؤسسة وامثالها خرّجت مئات المضروبين بشكل “مهني!” وممنهج، من المؤهلين ليكونوا رؤساء عصابات وناس عنيفين لا يعرفون الرحمة.

فما الذي نرجوه من هذا الطفل الذي تنكر له والداه وأهل بلده والعامل الاجتماعي الذي أرسله إلى هذه المؤسسة الجحيم ومدير العامل الاجتماعي الذي لم نسمع انه تحرك لرفع قضية على ما حدث. ما الذي نتوقعه من هذا الطفل الذي لم يسأل عنه مفتش ولا مدير لواء ولا قائد من قيادات مجتمعنا.

هذا الشريط المسرب هو المفتاح لنبش وفتح مواطن كثيرة في مجتمعنا مصابة ومتعفنة وتعودنا على التغطية عليها وطمطمتها بدعاوي واهية وغير واقعية. فعفن هذه المواطن والمواقع المصابة والمتعفنة بدأ يصيب كل مجتمعنا وينتشر فيه انتشار النار في البنزين.

مرة أخرى ادعوا إلى إقامة جسم شعبي لمتابعة هذا الموضوع الذي يبدو لأول وهلة أنه حدث عابر بينما هو في الحقيقة يخفي وراءه ما هو أعظم مما نتصور.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here