حسين فاعور الساعدي: تشبيكة.. من مواضع ومواقع محتفلين بيوم الأرض

حسين فاعور الساعدي

كمعظم المحتفلين بهذا اليوم يحق لي التعبير عما يدور في مشاعري من حب للمشي على الأرض والتمتع بأزهارها وأشجارها وفواكهها، وإشعال كوانين المشاوي فوقها، وترديد: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.

عشت في بيت تحيطه مئات الدنمات من الحقول والحواكير والبساتين. في الصيف لا نشتري الفواكه بتاتاً فالخوخ بأنواعه والكرز والتين والعنب والتفاح والأجاص والبطيخ والرمان متوفر وبكثرة. كذلك الخضراوات كالخيار والبندورة والبامية واللوبية والكوسا والقرع والباذنجان والفلفل. وفي الشتاء جميع أنواع الحمضيات والإكدنيا.

لكنه بيت ليس فيه من وسائل الحضارة أي شيء. لا ماء يتدفق من جدرانه ولا كهرباء تنير حيطانه ولا سيارة تقف امامه. زهدته ومللته لأنه كاد يفرق بيني وبين زوجتي العزيزة التي أحبها واعبدها بعد أن أصبحتْ تخجل وتستحي من صديقاتها وهن يتباهين ويفتخرن بالغسالات والجلايات والنشافات بينما هي تجلي وتغسل بيديها. ضاقت الدنيا في وجهي وكدت أترك البيت والأرض وأرحل إلى القرية المجاورة دون قيد أو شرط لكن الله منَّ علي فجاء من دفع لي ثمن البيت والأرض ما مكنني من بناء بيت أفضل منه في القرية المجاورة وشراء سيارة لي وسيارة لزوجتي وأيفون لي وأيفون لها وغسالة وثلاجة وجلاية ونشافة. وبقي في جيبي ما يكفي للكثير من الرحلات إلى اسطنبول والقاهرة وعمان. انتعشت زوجتي فانتعشتُ. وما أثلج صدري أكثر وأنعش روحي أنهم وضعوا صورتي في جميع المكاتب الحكومية وكتبوا تحتها  “افعلوا مثل الساعدي فهو إنسان ديمقراطي ومتحضر” فشعرت أن الأرض نعمة ومن واجبي الاحتفال بيوم الأرض كل عام.

فُتحتْ قريحتي على كتابة الشعر الحر فأصدرت، بفضل النقود التي تكومت في جيبي من ثمن الأرض، ثلاثة دواوين خلال شهر واحد. فأصبحت أحد الشعراء الذين تقام لهم الندوات أسبوعياً. ساعدتني بعض الشيء مقالات المديح والثناء التي كتبها صديقي الناقد البارع. كما ساعدتني كثيراً على فهم ما كتبت في هذه الدواوين الثلاثة. وردت لي ثقتي بنفسي فأيقنت أنني لم أكن أتسلى. بسبب هذه الثقة الزائدة بالنفس التي كسبتها من مقالات المديح التي يكتبها صديقي تقدمت لنيل جائزة وزارة الرياضة والثقافة بعد أن رأيت الإعلان عنها في الصحف. عبأت النماذج المطلوبة ورشحت نفسي للجائزة وفزتُ بها طبعاً. وهكذا أصبحت من أول وأبرز المشاركين الدائمين في احتفالات يوم الأرض.

في موضع آخر كان كعب حذاء زوجتي يعلو ويرتفع حتى كاد يصبح أطول من قامتي، مما جعله يغوص في التراب الناعم في كل مرة خرجنا إلى الحقل. أكثر من مرة كادت تتعثر وتكسر ساقها. لكن الله لطف. تذكرت قول جدتي “مش كل مرة تسلم الجرة” فتوقفت عن اصطحاب زوجتي للعمل في الحقل: لم أعد أزرع الخضراوات. ولم أعد أقطف الزيتونات. ارتفعت الأشواك وأصبح مجرد الدخول إلى الأرض مستحيلا، فعشت أنا وزوجتي بأمان واطمئنان دون صراعات أو نقاشات.

قد يكون سبق هذا الموضع، المعروف والمنتشر، موضع آخر أكثر انتشاراً عندما وجدت لي عملاً في مصنع المعلبات در عليَّ دخلاً شهرياً يساوي عملي في الأرض سنة كاملة. فكبرت في عيني زوجتي التي شجعتني كثيراً على المضي في هذا الطريق والابتعاد عن العمل في الأرض. ذلك العمل الذي لم يجلب لنا سوى التأخر والفقر وكان السبب الوحيد الذي مكن جيراننا دار أبو محمد من بناء بيت أكبر من بيتنا والسفر أكثر منا إلى شرم الشيخ وأنطاليا والأردن ومصر.

أما ما حدث لي بعد خطبة يوم الجمعة فهو موضع لا علاقة له بباقي المواضع. فكلمات الشيخ كانت تخرج من القلب، وقد بكى عدة مرات وهو يحدثنا عن الموت وعذاب القبر. خفت من الموت وخفت اكثر من عذاب القبر فقررت أن أؤدي فريضة الحج. صحيح ان زوجتي تلبس الميني وتسافر كثيراً إلى أنضاليا والأردن وشرم الشيخ مع صديقاتها ودون إذن مني، إلا انها تحبني وتحترمني ولم تعارض قراري أداء فريضة الحج. لكن اليد قصيرة والعين بصيرة. وقد شعرتْ بما أنا فيه فحثتني على بيع قطعة أرض وتوفير المبلغ المطلوب. لم أبع قطعة كبيرة. بعت قطعة مساحتها 32 دنما فقط ووفرت المبلغ المطلوب وما يكفيني لجلب المسابح والعباءات والساعات التي تؤذن وبعض الهدايا التي لم يجلبها أحد من قبلي. لكنني كدت ألا أشارككم الاحتفال بيوم الأرض عندما عرفتُ أن صاحب دكان الأدوات الكهربائية الذي بعته الأرض كان سمساراً. خفت أن تكون حجتي غير مقبولة فينالني ما ينالني من عذاب القبر. إلا أن الشيخ طمأنني أن حجتي مقبولة لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، شرط أن أعقد النية على الذهاب للقتال في سوريا إذا توفرت لي الفرصة.

في كل هذه المواضع دست على الأرض لأنطلق في معاركي لقهر أعدائي من الجيران والأقارب وقد كانت خير عون لي للانتصار في هذه المعارك لذلك فسأحتفل مع المحتفلين بيوم الأرض المجيد.

وحتى أفي هذه الأرض الطيبة حقها سأعرض عليكم بعض المواقع التي فيها يعود الفضل للأرض في تحقيق مآربي وتلبية طموحاتي: أنهيت الثانوية العامة بصعوبة بالغة وكان حظي يكاد يكون معدوماً في إمكانية الالتحاق بوظيفة معلم. فاضطر والدي رحمه الله أن يبيعهم قطعة من أرضه فجاءني التعيين غصباً عن المدير الذي عارض تعييني. وبما أنني إنسان طموح فقد وضعت عيني على وظيفته منذ اليوم الأول. وقد كان ملعوناً فشعر بذلك فباعهم كل أرضه للمحافظة على وظيفته. إلا أنني كنت أذكى منه فلم أبعهم مزيداً من أرضي، التي عرفت أنني سأحتاجها في مواقع أخرى، وإنما ساعدتهم للوصول إلى من يريد بيع أرضه. رضوا عني فرُقيت إلى وظيفة نائب المدير فحولت حياته إلى جحيم لا يطاق. من حسن حظه أنني إنسان طموح فما إن جاء موعد الانتخابات للسلطة المحلية حتى قررت خوضها للرئاسة. كنت شبه متأكد أنني سأفوز في هذه الانتخابات فوزاً ساحقاً لأنني ابن أكبر حمولة في القرية لو لم ينافسني ابن عمي الذي لم أستطع إقناعه بسحب ترشيحه. في الوقت المناسب وبعد أن فشلت كل جهودي لإقناعه بالعدول عن ترشيحه جاءني من اقترح علي إقناعه بالقيام بذلك شرط أن أبيعهم أرضي. صحيح أن أرضي كانت مهجورة ولا أستفيد منها إلا أنني لم أكن غبياً كذلك المدير فلم أوافق على بيع كل ما أملك. اختلقت بعض الأعذار وأبديت استعدادي لبيع قطعة واحدة فقط مما أملك. بعتهم قطعة من أرضي فسحب ابن عمي ترشيحه وفزت برئاسة السلطة المحلية. وهكذا فتحها الله في وجهي. كنت ذكياً وحسبتها جيداً. فمنذ السنة الأولى لترئسي السلطة المحلية بدأت بشراء الأراضي، لأنني عرفت أنني سأحتاجها في كل انتخابات قادمة. وهكذا حافظت على رئاسة السلطة المحلية لأكثر من عشرين عاماً قاهراً كل من نافسني على هذه الرئاسة.

من هذا الموقع، الذي حبب إليّ الكرسي ووطد علاقتي معه إلى درجة العشق، كان لا بد لي أن أنطلق إلى كرسي البرلمان. هذه المرة عقدت معهم صفقة تساوي صفقة العصر: بعتهم كل تلك الأراضي التي جمّعتها مقابل تعهدهم لي أن أظل عضواً في البرلمان ما دمت حياً. ليس هذا فحسب بل وعدوني أن أكون العضو الأكثر مشاركة في الطوشات البرلمانية والأكثر ظهوراً على الفضائيات.

يعود الفضل في كل ذلك للأرض فهي التي مكنتني رغم موقعي في كنيست صهيوني ألا أغير موقفي وأن أظل أول المشاركين في فعاليات يوم الأرض حاملاً العلم الفلسطيني.  وهي التي أوصلتني إلى أن أكون أحد قادة هذا الشعب، وأحد المدافعين الأشاوس عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة والديمقراطية إلى جانب دولة إسرائيل أو في كنفها أو تحت عنايتها المكثفة.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here