حسين شاويش: بمناسبة يوم العربية

حسين شاويش

كلّما قرأت عن اللغة العربية ويومها شعرت أنني من المقصودين بذلك. بكل صدق. أليس ذلك غريباً؟

كان درس العربية في المدرسة بكل مراحلها ليس فقط درسي المفضّل، بل “درسي” أنا. يعني أنني كنت أعتقد أنني مسؤول عن أن يسير بشكل سلس وجميل وممتع. ومن النافل إذن هنا القول أن كل من مرّ علي من مدرسي العربية كانوا أصدقاء بشكل أو بآخر، رغم فارق السن الهائل. ولهذا إيجابية لا شك فيها ولكن له سلبية واضحة وهي أن التفكير بضرورة تطوير اللغة العربية المعيارية القديمة لم يراودني إلاّ في وقت متأخّر، ولأسباب نرجسية محضة، فلا أحد يطالب بتغيير شيء يتقنه.

وكانت أول محاولة قرأتها لتطوير اللغة هي ما قام به هادي العلوي سواء في مجال قواعد الكتابة أو مجال النحو والصرف، وأعترف أنه كان أشجع مني ألف مرة إذ أنّه طبّق ما اقترحه في كتاباته التالية (أو ما أعرفه منها)، وها أنذا أكتب باللغة المعيارية المذكورة رغم قناعتي بمجموعة من الإصلاحات الضرورية التي أصبحت لا غنى عنها.

لكنّ أود قبل أن أذكر بعض اقتراحاتي أن أثبت بعض ملاحظاتي بخصوص الفصحى والعاميات: تسير الدول العربية جميعها باتجاه نظام اللغتين فيما يتعلق بالناحية القانونية، واحدة رسمية/كتابية هي الفصحى، وقد تشاركها في الصفة الرسمية لغة أخرى لكنّها تظل تسير، إلى جانبها وليست بديلا عنها (الأمازيغية والكردية مثلاً، مع بعض الاستثناءات غير العربية حتى الآن كتشاد حيث تشارك الفرنسية العربية في الصفة الرسمية، وارتريا حيث تشارك التيغري العربية في الصفة نفسها) وأخرى غير رسمية وإن كانت تُكتب في المجالات غير الرسمية وغير الأكاديمية والأقرب إلى الشخصية. كما أنها نالت اعترافاً لا شك فيه في مجال الأدب الشعبي، بل وحتى غير الشعبي أحياناً.

هذا المسار ليس خاصاً باللغة العربية. فنحن نراه لدى كثير من شعوب هذا العالم، وبعضها متقدم جداً وفق المعيار المادي، كسويسرا مثلاً. لكنّ الفرق بين إتقان السويسري القادم من زويرخ مثلاً لألمانيّتة عندما يتحدّث بها أو يكتبها وبين إتقان العربي لفصحاه هو تقريباً نفس الفرق بين مستوى تقدّم التعليم بين سويسرا والبدان العربية. وهو ما تأكدت منه قبل ربع قرن عندما قابلت أربعة من السويسريين العاديين في قطار وسمعتهم يتحدّثون بلغة تشبه ألمانيةً تتعرّض للتعذيب على أيدي رجال مخابرات عربية، فسألتهم عن تلك اللغة فأجابوا بأنها السويسرية، ثم خضنا حديثاً آخر بالألمانية المعيارية..الخ.

أنا أرى أن هذا المسار لا بد منه. وأن الفصحى ليس لها بديل فعلاً. ولكن كلغة رسمية وكلغة تبادل ثقافي وسياسي واقتصادي و… الخ، أي ككل اللغات الرسمية في العالم. ولكنّ علينا أن نتدرّب على المقدرة على الحديث بالفصحى أو بأقرب ما يمكن إليها. وهنا عليّ أن أبدي إعجابي بالإخوة في بلدان المغرب العربي لأنهم أفضل في ذلك بما لا يقاس من جماعتنا في المشرق..

لكنّ كلا “اللغتين” تتبادلان الخدمات: الفصحى تمنح العامية كل ما تحتاجه من المصطلحات الاختصاصية وهي ضرورية وتتكاثر كل يوم. والعامية “تطرّي” قساوة الفصحى وبعدها عن الحياة اليومية النابضة.. ولعل هذه هي الإشارة الأولى لملاحظاتي حول تطوير الفصحى: أن تتبنّى الكثير من الكلمات والتعابير العامية الآتية من الحياة النابضة وهي قادرة على ذلك… وأن تتبنى كل الأخطاء الشائعة طالما أنها أصبحت أشهر من التعابير والألفاظ المعيارية القديمة.. أخيراً فثمة بعض القواعد التي أرى تيسيرها كقواعد العدد والمعدود والأسماء الخمسة.. الخ. أما كتابيّاً فقد قدم لنا الكومبيوتر إمكانية كتابة الحركات والشدّة دون عناء فلماذا لا نكتبها رغم ضرورتها القصوى لتسهيل القراءة ودقتها وتجنّب الأخطاء؟

رغم كل ذلك فأنا مازلت أستمتع بالكتابة بالفصحى وأشعر بالتعذيب عندما أضطر إلى الرد بالعامية على رسالة ما، من باب عدم التكبّر على المرسل..

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here