حسين الموسوي: لهذا لن ينجح اي تحرك شعبي في لبنان

حسين الموسوي

منذ بداية اتضاح ملامح ما يمكن تسميته بالكيان اللبناني الحديث بعد الامارات البشيرية والشهابية، من الصعب جدا رسم صورة لهذا الكيان على اساس الانتماء الوطني البحت.

السبب في ذلك يعود الى غياب الحس الوطني لدى المكونات اللبنانية منذ القديم.. واذا ما استرجعنا بعض الحوادث في التاريخ اللبناني يمكن العودة الى ما تعرف بثورة الفلاحين عام 1858.. فهذه الثورة التي اندلعت ضد الاقطاع انتهت بحرب اهلية بين المسيحيين والدروز..

منذ ذلك التاريخ لا يمكن ذكر ثورة بالمعنى الحرفي للكلمة في تاريخ لبنان الممتد حتى اليوم اي ثورة شعبية ضد ظلم وفساد الحكام..

اما اليوم مع ما يحكى عن حراك شعبي ضد الاوضاع الاقتصادية والمعيشية والسياسية وحتى الاجتماعية في لبنان، لا بد من اتضاح الرؤية قليلا حتى يمكن الحكم على مصير هذا التحرك الذي يحلو للكثيرين تسميته بالثورة لكسب طاقة معنوية حتى وان كانت وهمية..

في لبنان يعيش حوالي خمسة ملايين انسان.. موزعون على طوائف اساسية هي الموارنة والشيعة والسنة اضافة الى الدروز والكاثوليك والارثوذوكس مع الخاصية التي يمتلكها الارمن… اذا الصورة العامة هي تعايش طوائف عديدة مع بعضها البعض رغما عنها في بعض الاحيان..

ولهذه الطوائف زعماء على مر تاريخ البلاد، وصولا الى ايامنا التي شهدت تبلور هذه الزعامات ضمن احزاب تسمى سياسية بينما نهجها واساس تعاطيها مبني على تحريك المشاعر الدينية والمذهبية لكسب التاييد..

حتى بداية التسعينات وتوقيع اتفاق الطائف كان الجو الاقطاعي هو المسيطر على المشهد اللبناني من اقطاعيات اقتصادية الى اقطاعيات عائلية ودينية وايضا سياسية. وما بعد الطائف وصولا الى اليوم تحول الامر الى اندماج هذه الاقطاعيات بشكل الحزب الذي يحتوي على الاقطاعية السياسية بشخص الزعيم والاقطاعية الدينية (عبر تحريك المشاعر المذهبية واخضاع المؤسسة الدينية) والاخطر الاقطاعية الاقتصادي بشكلها المعاصر والتي تتمثل بتقديم الخدمات التي يستطيع الحزب تقديمها نتيجة نفوذه في مؤسسات الدولة الى المنتمين له ويليهم المناصرون وبعدهم بقية الناس. ما خلق شرخا في مفهوم الناس للوطن والحقوق مع غياب الثقة القاتل لديهم.

الامر الخطر الثاني تفشي نظرية المناطقية في تعاطي هذه الاحزاب التي تستحق بواقع الحال لقب الاقطاعية. وكما هو معروف لدى كل الاحزاب اللبنانية الفاعلة تلعب المناطقية دورا محوريا في خارطة توزيع الخدمات والمغانم السياسية والاقتصادية.

هذا الواقع التراكمي منذ اتفاق الطائف خلق صورة مشوهة للمجتمع اللبناني مع تبني كل حزب قضية هي في الواقع على مستوى الوطن لكنه فصلها على مقاسه وحولها شماعة لتمرير مصالحه. وهذه الحالة خلقت نوعا من غياب الوعي الاجتماعي والسياسي وحتى الاقتصادي لدى اللبنانيين، حتى اصبح الحزب والزعيم هو الاهم على قاعدة اذا تم المس بالزعيم فالوطن بخطر.. هذه العقلية منحت كل حزب فرصة ذهبية لفرض نفسها امام الاحزاب الباقية على اساس انه يمتلك قاعدة شعبية تتحرك معه كيفما اراد وبالتالي يحجزمكانه على طاولة توزيع المصالح والمحاصصات في الدولة.

ما يؤكد هذا الكلام تجارب عدة شهدها الشارع اللبناني باءت بالفشل لاسباب بسيطة.. نزل الناس الى الشارع ضد الفساد والاوضاع الصعبة وبمجرد ذكر اسم هذا الزعيم او ذاك الزعيم فرض الانقسام نفسه وصولا الى مرحلة التصادم والعراك نصرة للزعيم الذي هم ضمن منظومة الفساد التي نزل الناس لمحاربتها.

امر ملفت يمكن تمييزه في هذا الواقع هو ان الطبقات الاجتماعية المتاثرة بهذا الفساد لا تمتلك ايمانا حقيقيا بحقوقها. ما زلت اذكر حادثة تفسر هذا الواقع.. كانت هناك طريق غير معبدة في احدى مناطق الضاحية الجنوبية بقيت لسنوات هكذا مع ما يعني ذلك من معاناة للاهالي في الشتاء وترك النفايات لايام قبل جمعها وغيرها من التبعات الصحية والاجتماعية لهذا الامر.. بعد سنوات تم تعبيد الطريق وقبل ان ينتهي التعبيد رفعت لافتة كبيرة تشكر البلدية الفلانية والحزب الفلاني لتعبيد الطريق.. الامضاء.. اهالي المنطقة.

هذه الحادثة تفسر بوضوح الايمان المزيف والخاطئ للناس بحقوقها وعليه لا يمكن ان يصل هؤلاء لاي حق طالما بقيت هذه العقلية موجودة في المجتمعات. وما يستتبع ذلك اخطر، اي عدم الايمان بوجود انتماء لهذا الوطن. فايماننا موجه بشكل حاد تجاه الدين والطائفة وبطبيعة الحال زعيمها الذي يحمي الطائفة واهلها، لكن ممن يحميها؟ لا احد يعرف والبعض قد يقول لك غير مهم، فراجح في فيلم “بياع الخواتم” للرحابنة وفيروز موجود في كل طائفة وفي كل مكان رغم انه غير حقيقي.

راجح موجود داخل كل لبناني وهو راجح الدين وراجح الطائفة وراجح الخوف وراجح الضعف وراجح غياب الثقة وراجح غياب الدافع وراجح غياب الوعي والاهم راجح غياب الانتماء للوطن..

في احد الايام كنت في محاضرة في بيروت حول المواطن الفلسطيني وفي بداية المحاضرة قال المحاضر (وهو شخصية معروفة) قبل الحديث عن المواطنة الفلسطينية علينا ان نسال هل هناك وطن فلسطيني؟ حينها حاولت تطبيق هذا السؤال على الحالة اللبنانية والان اجد ان هناك وطن اسمه لبنان بكل تاكيد لكن في كتب التاريخ والقصائد والاغاني التي تذاع في كل سنة بمناسبة عيد الاستقلال ( والذي بالمناسبة خضع هو الاخر لتفصيل على مقاس كل طرف.. لتجد شيعة يعتبرون الاستقلال هو يوم تحرير الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال الاسرائيلي وتجد مسيحيين يعتبرونه يوم خروج الجيش السوري من لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.. وغيرهم.. ).

بعد كل ذلك يمكن القول ان ثلاثة امور مؤكدة موجودة على الساحة اللبنانية

الاول ان اغلبية الشعب اللبناني مظلوم ويعاني ويعيش ازمات اقتصادية واجتماعية وسياسية

الثاني ان الفساد موجود بشكل مخيف في كل الاحزاب والمؤسسات اللبنانية

الثالث ان اغلبية الشعب لن تنزل الى الشارع لانها لم تصل بعد الى مستوى الانتماء الوطني الذي يجعلها ترى بلدها ومجتمعها وهويتها الوطنية قبل الطائفة والزعيم

والمؤكد الرابع انه لن يتغير شيء في لبنان طالما العقلية هذه مسيطرة.. لكن الامل بطبيعة الحال موجود ويحتاج لجهد ومتابعة وتضحيات لكي يخرج جيل متحرر من الاسقاطات الاقتصادية والمذهبية والطائفية والسياسية والاجتماعية يبني لمرحلة يمكن ان يشكل فيها مصدر قلق وخوف لكل.. ولأي طرف يحتكر حقوق الناس.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here