حسين الشيخ: أربعة أيام في دمشق..

 

حسين الشيخ

 

أربعة ايام تستوجب منك النظر في عمق نفسك.. بوصف المدن نساءً تُعشق..لم تفعل بي حلب شيئاً لقد عشت في الآونة الأخيرة من حطام حلب، لم أكترث بأسواقها المهدمة، ولا قلعتها البازخة، ولا حتى أطعمتها التي تثير الكثيرين.

 

أن تصل إلى دمشق شتاءً ورحلتك بدأت صيفاً، لايعود كل شي على حاله فالفوضى عارمة .. “الأمر يستدع لرفع حاجب فوق مستوى أخاه.. أن تتسول روحك  بين منحنيات الأعمدة وأرصفة الطرق ورخام القصور، أن تتجرع مرارة الشتاء ببرده وضبابه تحت الجسور، وأن ترمي بك رياح المساء من أقصاك الى أقصاك.

 

الأمر قاسٍ جدًا، أن تتجوّل داخل مدينة فتجد جثتك الأولى معلّقة على جدارٍ أسود يخبرك أنّه شهدَ آلاف الحرائق هنا، تهرب من تشوهات جثتك لتعبر باقي الجثث التي تجاوزت العشرين فقد توقفتُ عن العدّ عند الجثة السّابعة، لم تعد تستطيع التقاط أنفاسك..

 

لم تكن رائحة المقاهي وأزقة دمشق القديمة تلك من سلبت رمقي، الحجارة وأصوات المارة، أو حتى صوت فيروز متسللاً من إحدى الشبابيك تلك التي أحلم أن أرى ماتخفيه..

 

الأمر مؤسفٌ جدًا، أن تمشي بين النّاس ولا أحد يراك، وتشهد عمليات إعادة ترتيب أولويات ومشاعر، وفي كلِّ مرّة ترى نفسك قد نُسيت داخل الصّندوق، مع الصّور القديمة المعتّقة بعطرِ النّسيان، وحدك أنت بين الكثير من صور الأبيض والأسود، ومازال فيك لون.

 

الأمر غريب جداً، أن يصبح كتفك عملاقًا جداً ليسند كلَّ البائسين والمجروحين، وفاقديّ الأمل والحب معاً ، وتلتف يداك لتحتضن كلَّ بقعة سواد  هنا، كلَّ نجمٍ منطفئ لا تبصره إلّا عيناك أنت، وعندما يبلغ السواد أشدّه فيك، تقف يداك عاجزة على احتضانك.

 

شهيةٌ حدَّ مَعصية..موحية ك فكرة نبوّة..

كل شيء في هذه البقعة هنا يوحي اليَّ

كانت معالمه تختصر دمشق بأبوابها وعتبات أبوابها

ضحكات صغارها، وبؤس كتبها التي تنتظر من يقرأها..

جميع التفاصيل التي لاحت على صديقي مذ خطت قدماي أرض الشام، كانت جبال الفرح شاهقه في روحه، أن تعيد رجلاً في الثلاثين من عمره طفلاً، أن تخط يداك ملامحاً أخرى على جبينه، وأن تنجب أصوات ضحكات غبرها الزمن تكراراً.

 

 

المطر  والطين، المطبات والحفر، والقُبل المسروقة بين  عاشقين تسكعا في إحدى الحدائق بعيداً عن أعين الناظرين.

 

أن تبتلع مرارة الكون كلّها دفعة واحدة دون أن يظهر على ملامحك أيّ اشمئزاز أو ملامحَ اعتراض، وعندما تحاول ابتلاع قطعة الحلوى -التي تفضلها- من يدِ أخيك تتقيأ كل ما بداخلك، كل ما ابتلعته، وكل ما ظننت نفسك لم تتبلعه، تتقيأ معدتك وقلبك وعقلك، تتمضمض بالمرارة من جديد وتستعيذ بالله من شرِّ الحلوى، وتكمل طريقك…

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here