حسين أوروج: سلام “مورو” في الفلبين نموذج لحل نزاعات العالم

إسطنبول/ محمد أوزتورك، فاروق طوقات/ الأناضول

قال حسين أوروج، نائب رئيس هيئة الإغاثة الإنسانية التركية، إن عملية سلام “مورو” في الفلبين يجب أن تصبح مثالًا للحل السلمي في بقية مناطق النزاعات بالعالم، ودعا كل المسلمين إلى دعم إقليم “بانغسامورو” ذاتي الحكم، الذي سيتأسس قريبا بعد ستين عاما من المقاومة.

جاء ذلك في مقابلة أجرتها الأناضول مع أوروج، عضو الوفد المراقب لاتفاق السلام بين الحكومة الفلبينية و”جبهة تحرير مورو الإسلامية”، تطرق خلالها إلى تاريخ الجبهة منذ ستينات القرن الماضي، وإقليم “بانغسامورو”، المزمع تأسيسه عبر استفتاء شعبي، إضافة إلى آلية الانتقال إلى النظام الجديد في الإقليم.

الاستفتاء مقرر على مرحلتين، أولهما في 21 يناير/ كانون ثانٍ الجاري، في منطقة تتمتع بحكم ذاتي في إقليم “مينداناو” (جنوب)، إضافة إلى مدينتي “كوتاباتو سيتي” في الإقليم ذاته، و”إيزابيلا” في جزيرة باسيلان.

أما المرحلة الثانية فتجرى في 6 فبراير/ شباط المقبل، في بقية المناطق التي طلبت الانضمام إلى إقليم “بانغسامورو”، بموجب “قانون بانغسامورو” الجديد، الذي يضمن للأقلية المسلمة حكما ذاتيا أوسع جنوبي البلد الآسيوي.

** هاشم وميسواري.. جبهتان

بنظرة تاريخية، قال أوروج إن أصل “قانون بانغسامورو العضوي” يعود إلى عام 1997، حيث بذل الراحل سلامات هاشم، جهودا لتحقيق السلام.

وأضاف أن هاشم كان لديه مبدأ مفاده أن “الحرب تهدف إلى إحلال السلام في النهاية، وكل حرب لا تهدف إلى ذلك ليست إلا قتل وإجرام”.

وتابع أن هاشم انفصل عن “الجبهة الوطنية لتحرير مورو” (MNLF)، التي أسسها نور ميسواري، وأسس “جبهة تحرير مورو الإسلامية” (MILF)؛ بسبب خلاف مع ميسواري في المرحلة التي انطلقت فيها مفاوضات طرابلس للسلام عام 1976.

وأرجع هذه الخطوة إلى أن هاشم رفض بنود اتفاقية طرابلس، لكن أصل الخلاف هو التباين بينهما، إذ كان هاشم يقول: “سبب ما حل بنا هو أننا لسنا مسلمين جيدين، وعندما نعود إلى الإسلام الصحيح ستتحسن أوضاعنا”.

أما “ميسواري فكان يقول إنهم موريين، وليسوا مسلمين فقط، أي أن جماعتهم تضم بجانب المسلمين آخرين يدينون بأديان محلية، فضلا عن المسيحيين”.

وأردف أوروج أن “الجبهة الوطنية ظهرت نتيجة جهود ماليزية، لجمع مكونات فلبينية عديدة تحت مظلة واحدة، حيث اجتمعت مجموعات المقاومة كافة في كوالالمبور عام 1971، واتفقت على التنظيم الجديد”.

ولفت إلى وجود اختلاف بشأن تاريخ تأسس “جبهة تحرير مورو الإسلامية”، منها 1977 و1981، لكن الإعلان الرسمي كان في 1981، بينما تم الانفصال تماما عن “الجبهة الوطنية” عام 1977.

وأفاد بوجود خلاف آخر بين هاشم وميسواري بخصوص أسلوب المقاومة المسلحة، إذ كانت “الجبهة الوطنية” تتبنى نهجا هجوميا عنيفا، عبر شن هجمات مستمرة على القوات الفلبينية، بينما كانت “جبهة تحرير مورو الإسلامية” تعتمد الدفاع أكثر من الهجوم.

** 5 قرون .. قتل وتهجير

تاريخ المسلمين، بحسب أوروج، يعود إلى ما قبل تأسيس الفلبين بقرون، إذ تعرضوا للظلم والاضطهاد لأكثر من 500 عام، بداية على أيدي الإسبان، ثم الأمريكيين الذين احتلوا المنطقة عام 1898، وأخيرا على أيدي القوات الفلبينية بعد تأسيس الدولة، في 1946.

وأوضح أن المسلمين تعرضوا للظلم الأكبر خلال الاحتلال الأمريكي، الذي استمر نحو 48 عاما.

وزاد بأنهم تعرضوا للقتل والتهجير على مدى خمسة قرون؛ ما أدى إلى تغيير ديموغرافي في مناطق كثيرة كانوا يشكلون فيها الأغلبية، خاصة المناطق الشرقية، التي بات فيها المسيحيون أغلبية.

وأفاد بأنه عند تأسيس دولة الفلبين، كان المسلمون أغلبية في 13 ولاية، لكن بمرور الوقت تناقص العدد، ليصبح خمس ولايات فقط، هي التي يجري الحديث بشأنها الآن لإقامة الحكم الذاتي.

** قانون “بانغسامورو”

في عام 2010، خلال حكم الرئيس السابق بينيغنو اكينو (2010 – 2016)، بدأت المفاوضات بشأن إقليم “بانغسامورو”، وتم التوصل إلى اتفاق عام 2014، بحسب أوروج.

واستدرك: “لكن بينما كان منتظرا أن يوافق البرلمان على الاتفاق عام 2015، شن الجيش عملية عسكرية في مناطق سيطرة جبهة تحرير مورو، فردت الجبهة حسب قواعد الاشتباك، ما أدى إلى مقتل 44 عنصرا من القوات الخاصة الفلبينية، ومن ثم توقفت عملية تمرير الاتفاق”.

ولفت إلى أن الرئيس الحالي رودريغو دوتيرتي، وعد خلال حملته الانتخابية بحل مشكلة منطقة “مورو”، وهو ينتمي إلى دافاو، إحدى المناطق التي أصبح فيها المسلمون أقلية بعدما كانوا أكثرية.

وتابع: “بعد مضي عامين على تولي دوتيرتي الحكم، جرت مباحثات بشأن قانون بانغسامورو في جناحي المجلس الفلبيني، النواب والشيوخ، وتمت الموافقة عليه ومن ثم وقّع دوتيرتي على القانون في يوليو/ تموز الماضي.

ولفت إلى أن يوجد حكم ذاتي في منطقة “مينداناو”، بموجب قانون “آي أر إم إم”، لعام 1989، لكن قانون “بانغسامورو” الجديد يضمن مزيدًا من الحقوق والحريات لأهالي المنطقة.

وأوضح أن الحكومة وافقت على القانون الجديد مقابل شروط، أبرزها: تسليم الأسلحة، والاكتفاء بالنضال السياسي فقط.

وأردف أن ما يميز القانون هو أن تسليم الأسلحة لن يكون للحكومة، وإنما للجنة مراقبة دولية مستقلة، تضم تركيا في عضويتها، ويترأسها سفير تركي، وستُجمع الأسلحة وتظل في مستودعات بمنطقة الحكم الذاتي، تحت إشراف اللجنة.

** الفترة الانتقالية

منطقة الحكم الذاتي، في حال الموافقة عليها، ستخضع لفترة انتقالية يتم خلالها تشكيل قوات أمنية مؤقتة، قوامها ستة آلاف، نصفهم يتبعون “جبهة تحرير مورو الإسلامية”، والنصف الآخر من القوات الحكومية، بحسب أوروج.

وأوضح أن تسليم الأسلحة سيتم على مراحل، خلال الفترة الانتقالية، حيث يجرى تسليم 5 بالمائة في البداية، ثم 35 بالمائة لدى التصويت بنعم في الاستفتاء، وبعدها 30 بالمائة خلال العام ونصف اللاحقة، أما القسم الأخير (30 بالمائة) فبعد إتمام تنفيذ بنود الاتفاق وإجراء انتخابات البرلمان في “بانغسامورو”.

وقال أوروج إن التصويت المنتظر يحمل بعض المخاطرة، فلن يكون مقتصرا على أصوات الأقلية المسلمة، وإنما يجب الحصول على موافقة المكونات الأخرى في تلك المناطق، وخاصة المسيحية.

** لا ضمانات دولية

أوروج قال إنه “لا توجد ضمانات دولية لتنفيذ قانون الحكم الذاتي، فالقضية عبارة عن تشكيل منطقة حكم ذاتي ضمن أراضي السيادة الفلبينية”.

وأوضح: “لا يوجد طرف ضامن، لكن توجد لجنة مراقبة دولية تضم خمسة مراقبين، بما فيهم أنا بصفتي ممثلا عن هيئة الإغاثة التركية”.

وتابع أن اللجنة ستواصل عملها في الفترة الانتقالية لمدة ثلاثة أعوام ونصف، ويجب بنهايتها تنفيذ كافة مواد القانون للانتقال إلى الحكم الذاتي بشكل دائم.

وأردف: “بعد هذه المدة، سيتم عقد اجتماع بحضور جبهة تحرير مورو الإسلامية، والحكومة، ولجنة المراقبة، لتحديد ما إذا كان تطبيق بنود القانون جرى بشكل كامل أم لا”.

وأضاف أنه في حال الموافقة على القانون، سيشكل الرئيس الفلبيني كيانا انتقاليا في “بانغسامورو” من 80 شخصا، وسيكون بمثابة برلمان مؤقت للإقليم يدير شؤونه مؤقتا حتى مايو/ أيار 2022.

وأضاف أنه سيتم اختيار رئيس للبرلمان وأعضاء للحكومة، بهدف إدارة الإقليم خلال الفترة الانتقالية.

ولفت إلى أن أهم مطالب المسلمين في المناطق التي يعتبرون فيها أقليات، هي القوانين المزدوجة، فنظام الحكم في الفلبين علماني، وسيتم بموجب قانون “بانغسامورو” إنشاء محاكم شرعية خاصة بالمسلمين في الإقليم.

** اقتصاد الإقليم

بشأن الجانب الاقتصادي، قال أوروج إن الاتفاق ينص على أن الضرائب التي سيتم جمعها من الإقليم ستستخدم في الإقليم نفسه، خلال السنوات العشر الأولى من الاتفاق.

وأضاف أنه بعد انتهاء تلك الفترة سيتم استخدام 75 بالمائة من الضرائب في الإقليم، مقابل إرسال النسبة المتبقية إلى الحكومة المركزية.

وأوضح أن الإقليم غني جدا بالغاز الطبيعي والنفط واليورانيوم، وهو من المعادن الاستراتيجية، وسيتم تقاسم هذه الثروات بالنصف بين إقليم “بانغسامورو” والحكومة المركزية.

** الدور التركي

وبخصوص جهود تركيا في هذا الملف، شدد أوروج على فعالية الدور التركي في ثلاث نقاط، هي المفاوضات، ثم مرحلة تسليم الأسلحة، وأخيرا اللجنة الدولية المستقلة.

وتابع: “تركيا تترأس هذه اللجنة المستقلة، وهي تضم أيضا بروناي والنرويج.. هذا الأمر يحمل أهمية كبرى لمسلمي مورو، إذ سيسلمون أسلحتهم إلى ممثلي بلد مسلم، وهي تركيا، وكذلك بروناي دولة مسلمة، في حين قدمت النرويج مساهمات تقنية كبيرة إلى اللجنة”.

وأردف أن تركيا أدت دورا كبيرا أيضا من خلال مشاركتها في لجنة المراقبين، عبر هيئة الإغاثة الإنسانية.

وأوضح أن الهيئة بصفتها منظمة مدنية تواجدت كمراقب في كافة مراحل القانون، وهذه هي أول مرة تتحمل فيها منظمة مدنية تركية مسؤولية كبرى بهذا الحجم على الصعيد الدولي.

وشدد على أن هيئة الإغاثة بذلت جهودا كبيرة لأداء المسؤوليات الموكلة إليها، معربا عن اعتقاده بأنهم أنجزوا تلك المهام بالشكل الأمثل.

وزاد بأن “الهيئة بذلت جهودا كبيرة في مجال الدعم على الصعيد المدني والإنساني، ومشاريعها الإنسانية مستمرة في المنطقة حتى اليوم، كما ينفذ كل من وقف الديانة التركي والوكالة التركية للتعاون والتنسيق مشاريع إغاثية في المنطقة”.

وشدد على أهمية المرحلة الحالية بالنسبة لتركيا، إذ يمكنها تحمل مسؤوليات كبيرة إزاء تأسيس نظام الحكم الجديد في إقليم “بانغسامورو”.

وختم أوروج بقوله إن عملية سلام “مورو” يجب أن تصبح مثالا للحل السلمي في بقية مناطق النزاعات بالعالم.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here