حسن مرهج: روسيا والدور الإقليمي .. السيطرة على الشرق الأوسط

حسن مرهج

تحركات استراتيجية يقوم بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الشرق الأوسط، هذه التحركات تأتي ترجمة واضحة للتطلعات الروسية حيال عديد الملفات الشرق الأوسطية، من سوريا إلى العراق مروراً بإيران وحتى اليمن، كلها ملفات باتت روسيا تملك من الثقل السياسي والعسكري، ما يؤهلها لفتح ابواب الحلول، خاصة أن التراجع الأمريكي الواضح في المنطقة، بات مثار بحث وجدال، حتى أن الدول المتماهية مع الدور الامريكي، بدأت تنكفئ جُزئياً، للبحث عن قوى أخرى للتحالف معها، وبناء الاستراتيجيات الدافعة لأي تجاذبات سياسية وعسكرية تُهدد المنطقة. روسيا وإنطلاقاً من البوابة السورية، باتت مُحركاً للعديد من الملفات، والتحركات الروسية الاخيرة في المنطقة، تُدلل وبشكل واضح، أن الدور الروسي القادم سيكون فاعلاً ومؤثراً، بل ومؤطراً في تفاصيله للدور الأمريكي، خاصة أن روسيا لديها علاقات جيدة مع الجميع، هذه الميزة مكنتها من البقاء على مسافة واحدة مع كافة القوى، الامر لذي حجز لها مقعداً جيوستراتيجي هام في الإصطفافات الإقليمية والدولية.

تنطلق الاستراتيجية الروسية تُجاه الشرق الأوسط، من بُعدٍ جوهري، يتمثل في تقديم الدعم لحلفائها، مع الحفاظ على رؤية واضحة حيال الملفات المضادة بين حلفاؤها الافرقاء، هذه الجُزئية كرست واقعاً القدرة الروسية على تحقيق التوازن الاقليمي والدولي. ففي الوقت الذي اشعلت به واشنطن الشرق الأوسط، سعت موسكو لإطفاء هذه الحرائق بالاعتماد على الطرق السياسية والدبلوماسية، فكانت هذه السياسية أنجع طريقة لمواجهة لحماقات الامريكية، وفي ذات التوقيت، تمكنت موسكو من بناء معادلات سياسية مكنتها من اختراق كافة التحالفات، بما في ذلك التحالفات الامريكية.

في الشأن السوري، وعلى الرغم من الدور الكبير للسعودية والامارات في تفاصيل وجزئيات هذا الملف، إلا أن روسيا تابعت في سياق العلاقات الوثيقة مع الرياض وأبو ظبي، واستخدمت سياستها لتعديل مواقف البلدين حيال سوريا، وبالاستفادة من تناقضات السياسية الامريكية مع كلا البلدين. هذا الأمر يُعد استراتيجية بعيدة المدى لقطب بات يوازي واشنطن في القوة السياسية والعسكرية، فالوقائع المُستجدة في الشرق الأوسط، تفرض نمطاً خاصاً في التعاطي مع كافة القوى الإقليمية، والبحث عن وسائل من شأنها تطويق أي خلافات قد تُهدد الامن الإقليمي، خاصة أن واشنطن تعتمد في جُلّ تحركاتها على نظريات فرض الوقائع، وهذا يتنافى مع جوهر السياسات في الشرق الأوسط، يُضاف إلى ذلك، بأن نتائج الحرب على سوريا، افرزت واقعاً سياسيا وعسكريا لم يعد لواشنطن أي دور فيه، من هنا انطلقت روسيا إلى الشرق الاوسط لبناء نظام اقليمي يتناسب ومخرجات الحرب على سوريا.

في جانب أخر، فإن الزيارة التي قام بها بوتين إلى الرياض بدعوة من الملك السعودي، تؤكد بأن السعودية تسعى إلى تأمين احتياجاتها السياسية والعسكرية، فالتذبذب الواضح في السياسية الامريكية، دفع الرياض إلى البحث عن حليف قوي، لكن في المقابل، تبقى الرياض تحت العباءة الامريكية، وهنا تكمن القدرة الروسية في جذب الرياض جُزئياً إلى استراتيجيتها في الشرق لأوسط، وتحديداً في ملفي سوريا وإيران.

عسكرياً، يتطلع السعوديون إلى نظام الدفاع الصاروخي الروسي إس 400، والذي يتم نصبه في تركيا هذه الأيام، وقبلها قدَّمت الهند طلبات لشرائه، وربما يكون المستورد التالي هو الرياض.

بالطبع، في وقت سابق خلال زيارة الملك سلمان إلى موسكو في سبتمبر 2017، توصل الجانبان إلى اتفاق بشأن الدراسات الأولية حول نشر إس 400 في السعودية، والآن ربما ستؤدي زيارة بوتين إلى الرياض إلى اتفاق على استيراد إس 400 الروسي إلى السعودية.

ضمن ذلك، يبدو واضحاً أن الرياض تتطلع إلى شراكة مع روسيا أعمق في المضمون والأهداف، ولعل جُملة الإشكاليات التي فرضت نفسها على السعودية، جراء السياسيات السعودية في الشرق الأوسط، تجد في موسكو مخرجاً لها، ففي ليمن، وعلى الرغم من دعم الغرب الكامل للسعودية، كانت روسيا تؤكد على حل المشكلة والتفاوض مع الجماعات اليمنية وقادة الرياض ووقف الاشتباكات والحرب على اليمن، رغم أن عدم النضج السياسي لولي العهد السعودي الشاب تسبب في استمرار الأزمة في اليمن حتى الآن. من هنا يبدو أن الرياض وبوساطة روسية قد تُفلح في تحقيق معادلة الخروج المُشرف من اليمن.

وبالنسبة إلى العلاقات المتوترة الحالية بين إيران والسعودية، تحاول روسيا لعب دور الوسيط سعياً لتحقيق التوازن في المنطقة، بُغية سحب فتيل التوتر بين البلدين، والذي ينعكس بدوره على جُملة قضايا المنطقة.

التحركات الروسية في المنطقة، تأتي في سياق مواجهة الغرب، وفي جانب أخر، تحاول موسكو تعزيز مكاسبها الشرق اوسطية، فالنظام الاقليمي الهش جراء السياسات الامريكية، بحاجة إلى إعادة ترميم، والخطوات الروسية تأتي حُكماً ضمن هذا الإطار، والقادم من الأيام سيكشف المزيد من الخطوات الروسية التي ستكون سبباً رئيسياً في إماطة اللثام عن التراجع الامريكي الواضح في الشرق الأوسط.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here