حسن مخافي: هل يمكن اعتبار اكتساح الكونجريس إيذانا بأفول النزعة الشعبوية؟

 

حسن مخافي

أبانت الأحداث التي عرفها مبنى الكونجريس في الولايات المتحدة عن هشاشة كبيرة تنتاب النظام الديمقراطي للولايات المتحدة الأمريكية. فالصور التي تناقلتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي عن حشد من الغاضبين وهم يقتحمون ما كان يسمى إلى عهد قريب قلعة من قلاع الديمقراطية، كشفت عن شيخوخة النظام السياسي الأمريكي وعجزه عن الصمود في وجه جماعة من الناخبين الذين لم يستسيغوا هزيمة مرشحهم للانتخابات الرئاسية.

 ولكن هذا ليس سوى الوجه البارز للصورة، أما الوجه المطمور فينبئ بما هو أكثر خطورة وتهديدا لنظام “ديمقراطي” بني على المذابح والحروب التي وصلت حد الإبادة، واستمر وما يزال بفعل استغلال الدول الفقيرة وغير الفقيرة بالترغيب حينا وبالترهيب أحيانا.

لا شك أن هناك زوايا عدة يمكن مقاربة “غزوة الكونجريس”، من خلالها. والنظر منها مجتمعة يفضي إلى أن النظام السياسي الأمريكي الذي ظل نموذجا يحتذي من طرف بلدان شتى، أصبح يعيش أزمة بنيوية ستعصف به آجلا أو عاجلا.

ودون الخوض في عمق تلك الأزمة يمكن التوقف عند الأسباب المباشرة التي كشفت عن هشاشة النظام السياسي الأمريكي وضعفه. فقد جاءت هذه الأحداث في ظل مد سياسي شعبوي عرفته بلدان كثيرة من العالم منها فرنسا وبريطانيا والبرازيل بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

ولم تكن الدول العربية بمنأى عن هذا الزحف الشعبوي، إذ شكل ما سمي “الربيع” العربي مناسبة لسطوع نجم زعماء شعبويين في بعض البلدان العربية، يعاكسون كل الثوابت التي تربت عليها أجيال بأكملها في العمل السياسي العربي. ومنها الدفاع عن القضية الفلسطينية والإيمان بالقضايا القومية وبضرورة التكامل بين البلدان العربية والتضامن بين شعوبها. ولم يمثل “الإسلام السياسي” الذي سطع نجمه في السنين الأخيرة، في بعض وجوهه سوى تعبير عن هذا النزوع الشعبوي الذي بوأ أشخاصا لم يسبق لهم أن مارسوا تدبير الشأن العام مراكز القرار، مثلما وقع في مغرب بنكيران ومصر مرسي وتونس المروزقي على سبيل المثال لا الحصر.

 المتأمل في سيرة هؤلاء “الزعماء الجدد” يلاحظ أن أغلبهم لم يسبق لهم أن خاضوا في شؤون السياسة ولم يعرف عنهم أنهم انتموا إلى حزب سياسي. وهذا المكون المشترك جعلهم يمارسون السياسة بالفطرة وليس استنادا إلى ما توصل إليه أصول علم السياسة. وسينتج عن هذا أنهم عند اتخاذ القرار لا يرجعون إلى المؤسسات وإنما يختصرون الطريق باللجوء إلى وسائل التواصل الاجتماعية كالفيسبوك وتويتر وغيرهما.

 إن أغلب القرارات التي اتخذها ترامب على سبيل المثال لم يتخذها ضمن ما ينسجم مع المؤسسات ذات الاختصاص، وإنما أعلن عنها عن طريق تويتر.

كيف وصل هؤلاء “الزعماء” إلى سدة الحكم؟ هناك أسباب كثيرة مترابطة تحتاج إلى دراسة وتحليل بضيق المقام عنها. ومع ذلك يمكن القول إن الشعوب قد ضاقت ذرعا بأحزاب عمرت طويلا، وتناوبت على تدبير الشأن العام لعشرات السنين، ولكنها لم تعد تلبي حاجة “الناخب” التي تتغير وتتنوع وتزداد إلحاحا يوما بعد يوم. كما أن “الأنظمة الديمقراطية” لم تتطور بالشكل الذي يسمح لها بمواكبة تطور مجتمعاتها. من هنا فإن “الناخب” يبحث دوما عن ذلك الكائن السياسي الطهراني الذي ليس له ماض سياسي، ولو من باب التجريب، لأن آماله تحطمت أمام وعود السياسيين المحترفين الذين يحسنون الخطابة ولا يحسنون الفعل.

 والواقع أن هؤلاء الشعبويين فطنوا إلى مكامن الإفلاس التي يعرفها الخطاب السياسي التقليدي فراحوا يركزون على نقط ضعف ناخبيهم ولو بالوعود الكاذبة (في العالم العربي دخلت مفاهيم الجنة والنار والثواب والعقاب وغيرها ضمن الخطاب السياسي). ولكي يحقق “الزعيم” الصاعد بعض وعوده فإنه يلجأ إلى التضخيم الإعلامي مستغلا في ذلك كل الإمكانات التي تتيحها وسائل التواصل الحديثة، كي يعلن عن شوفينية ضيقة كما كان يفعل ترامب الذي كان يرفع شعار “أمريكا أولا” ثم فشل في أول امتحان تجتازه أمريكا عندما أبدى عجزا فادحا أمام زحف وباء كورونا.

الشعبوية أعادت إحياء فكرة “الزعيم” المنقذ القادر على حل جميع المشاكل دفعة واحدة وفي أقصر وقت ممكن، بعدما اختفت هذه الفكرة أو كادت في الأنظمة الديمقراطية التي تقوم على المؤسسات ولا تقوم على الأفراد. ومن هنا لاحظنا كيف تضخمت سلطة الرئيس وأصبحت تغطي على المؤسسات المنتخبة الأخرى. رافق ذلك اللجوء إلى مخاطبة فئة معينة من الشعب وهو ما أحدث انقساما داخل البلدان التي حكمها الشعبويون، وإلى رؤية ضيقة في التعاطي مع القضايا الكبرى وصلت حد العنصرية في بعض الأحيان بإذكاء كره المهاجرين وتصويرهم على أنهم يعيشون على حساب المواطن الأصلي، وأنهم السبب في كل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها البلاد. كل هذا وراءه إيمان مطلق بنظرية المؤامرة التي ترد كل شيء إلى أياد “شريرة” لا تريد الخير للدولة….

تلك بعض المؤشرات التي تحكم تدبير الحاكم الشعبوي الذي لا يهمه سوى ان يبقى على كرسي الحكم لأطول مدة ممكنة. إنه التمسك الأعمى بالسلطة الذي يهون من أجله كل شيء بما في ذلك تعريض حياة المواطنين للخطر كما فعل ترامب نفسه.

وبما أن حبل الكذب قصير فإن عمر الشعبوية محدود في الزمان والمكان، إذ سرعان ما تنتبه الشعوب إلى خطورة تدبير شؤونها بهذه الطريقة الفجة، التي يقودها منطق الزعامة… وما حدث بالولايات المتحدة الأمريكية هو في واقع الأمر درس ينبئ بقرب أفول الشعبوية في الأنظمة الديمقراطية، فهل هو مؤشر على إفلاس الشعبوية في عالمنا العربي؟

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here