حسن مخافي: المغرب: يساريون بحاجة إلى يسار

حسن مخافي

قد يكون من الطبيعي أن نشاهد اليسار المغربي يتطور في نظرته للواقع وفي رؤيته إلى القضايا الاجتماعية والسياسية، لأن المجتمع المغربي الذي كان محكوما بمنطق محدد في السبعينيات والثمانينيات خضع لمتغيرات كبرى تحتم نمطا آخر من التفكير يعيد النظر في الأولويات والأهداف.

ومع ما عرفه المجتمع من تحولات عميقة بدأت ملامحها تبرز بوضوح مع بداية التسعينيات، كان على اليسار المغربي أن يحدث آليات جديدة لمقاربة الواقع وأن يبلور استراتيجية أخرى تحفظ له دوره التاريخي في تحديث المجتمع.

 إلا أن الذي وقع أن ذلك اليسار عوض أن ينخرط في حركية التغيير انغلق على نفسه وتعرض للتآكل شيئا فشيئا بفعل الصراعات الثانوية والحروب الخاسرة بين مكوناته التي فرضتها شروط خارجية بقدر ما أملاها تطوره الطبيعي، ففرقت بين مكوناته السبل، وأصبح عبارة عن جزر سياسية لا تواصل بينها.

 أسباب هذا التشرذم لا ترد مع الأسف الشديد لاختلاف في وجهة النظر ولا لتباين في الرأي حول القضايا الكبرى التي من المفروض أن تقض مضجع اليسار وترسخ الحاجة إليه، وإنما تعود في أغلبها إلى ممارسات ذات طابع شخصي في أحيان كثيرة. أي أن الصراع بين مكونات اليسار المغربي لم يعد صراعا فكريا ولا حتى أيديولوجيا وإنما أصبح صراعا على المواقع، وهو ما أصبغ عليه طابعا ضيقا وجعله يدور في حلقة مفرغة.

 هل يمكن أن نسمي اليسار المغربي والحالة هذه يسارا؟ الواقع أن كل حديث عن اليسار المغربي في ظل هذه الوضعية، وبالواصفات التي تنظبق على مفهوم اليسار كما هو متعارف عليه كونيا هو حديث ينطوي على نوع من المجازفة، ذلك أن الوضعية التي يوجد عليها اليسار المغربي اليوم لا تسمح بالحديث عن يسار بالمعنى الدقيق للمفهوم، بقدر ما تجعلنا نتحدث عن يساريين.

إن المتتبع للخطاب السياسي بالمغرب يجد نفسه أمام مفارقة مؤداها أن هناك تراكما كميا ونوعيا في الفكر السياسي اليساري بالمغرب، وبالمقابل  هناك وجود خافت على الساحة السياسية لليسار. ومرد ذلك إلى افتقار اليسار المغربي لإطار يجعله ينتظم في نسق موحد أو مشترك من التفكير السياسي ومن الممارسة السياسية. وقد أدى غياب إطار مثل هذا إلى غياب الشعور بالمسؤولية، كما نتج عنه التخلص من المراقبة الذاتية والشعور بالانتماء. وهذا بالضبط ما يفسر انزلاق بعض اليساريين إلى أقصى اليمين والتحاقهم فرادى وجماعات بالأحزاب التي خرجت من دهاليز الدولة العميقة. وهي ظاهرة تستحق الدراسة لما تثيره من استغراب ودهشة عندما يتخلى “المناضل” الذي نما فكره وترعرع في كنف اليسار ثم فجأة يصبح قياديا في تنظيم أقل من يميني، ضاربا عرض الحائط برصيده النضالي وتضحياته المبذولة عبر السنين.

 قد يفسر هذا التحول في المواقف والمواقع بأنه ذو بعد شخصي، ولكنه عندما يتسم بالشيوع والانتشار يصبح ظاهرة تستحق التأمل.

 فكم من اليساريين المغاربة استهوتهم الكراسي الوثيرة بعد أن أصابهم اليأس من أن يروا ذات يوم مشروعهم الاجتماعي قيد التحقق، فتخلوا عن انتمائهم في أول فرصة وانحازوا إلى مؤسسات سياسية تعادي في جوهرها اليسار. ومن هؤلاء اليساريين من ذاق مرارة سنوات الرصاص، ومنهم من قضى سنين طويلة في السجن بوصفه معتقلا سياسيا، ثم استيقظ ذات يوم من حلم التحرير والاشتراكية فاكتشف فجأة بأن التضحيات التي بذلها في السبعينيات والثمانينيات لا تساوي حتى المبلغ الزهيد الذي حصل عليه في إطار “الإنصاف والمصالحة”، واكتفى من الغنيمة بالإياب.

 أما الذين عزفوا عن ركوب قطار اليمين فإن أغلبهم جرفته مشاغل الحياة اليومية فتفرغ لتتبع المشهد من بعيد، وكأنه لم يساهم ذات زمن في صياغته…

الأقلية القليلة من يسار السبعينيات والثمانينيات ظلت تعيش على حلمها القديم الجديد في اليوم الذي ينتعش في اليسار المغربي ويصبح صوتا مسموعا على المستوى السياسي. ولا يتأتى هذا إلا بالتخلي عن الأنانية النضالية والبحث عن إطار يجمع شتات اليسار المغربي على أرضية فكرية وتنظيمية مشتركة. وفي انتظار ذلك فإن كل حديث عن اليسار المغربي هو حديث عن يساريين وليس عن يسار حقيقي.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ليس في المغرب لا يسار و لا يمين ، كل ما هنالك أحزاب مخزنية منتفعة لا ترى إلا مصالحها الشخصية بعيداً عن أيّة مصلحة عامة تُذكَرُ ، فهي آلية من آليات المخزن يحركها متى شاء وكيف شاء و حين يشاء … المهمّ هو تغيير الأوضاع السياسية المزرية التي يعيشها البلد من غياب الديمقراطية و الحرية و العدالة الاجتماعية التي تصبو إليها جميع الشعوب العربية التي ترزح تحت براثن هذا التّسلُّط المُزمِنِ الذي زكّاه تقاعُس الشعوب عن دورها في التغيير و جهلُها لما يجري في بلدانها من فساد وإفساد.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here