حسن محمد حسين حمدان: الإتحاد الأوروبي وبريطانيا  “إستراتيجية البناء على رمال متحركة”

حسن محمد حسين حمدان

لقد نشأ مشروع الوحدة الأوروبية كردة فعل لما آلت إليه نتائج الحرب العالمية الثانية، ولم تكن نتيجة إستراتيجية استباقية أو ضرورة سياسية  حتمية؛ بل ناحية اشبه بما تكون غرائزية تتعلق بالدفاع وليس في بناء منظومة سياسية تكاملية سياسية وإقتصادية تفرض وجودها وحقيقتها، أما القول أنها نتجت -ردة فعل وليس هذا معيبا بداية- فبعد اعتلاء الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي قمة المسرح الدولي وتراجع بريطانيا وخروج فرنسا حتى من المشاورات الدولية، وإخراج الفرنك الفرنسي كعملة احتياط دولية، الأمر الذي جعل من الرئيس الفرنسي ديغول عقلية حاقدة على الولايات المتحدة وسياستها تجاه الإستعمار القديم ومصالح فرنسا ووجودها الدولي، لكنه بحكم عقليته السياسية والتي تعتبر بحق عقلية سياسية قوية فكّر بسُبل مقاومة هذا القوى الجاثمة على صدر أوروبا  فنظر إلى قوة فرنسا وقوة الطرف الآخر فوجد أن المقاومة العسكرية هي نوع من الإنتحار السياسي، وقد يؤدي إلى نتائج لا تتحملها فرنسا المثقلة بالأعباء والديون والعقد النفسية نتيجة الإحتلال الألماني لها، فكان لا بد من تفكير عملي من أجل الوقوف في وجه هذه القوة الغاشمة، فَفكر وقد سبقه آخرون بمشروع وحدة بين دول أوروبا للوقوف على قدميها أولاً وحتى لا تبقى أسيرة مشروع مارشارل (احتلال اقتصادي وناتو عسكري) فأخذ على عاتقه إخراج مشروع الوحدة إلى حيز الوجود لتكون لفرنسا الكلمة الفصل، وهو يدرك حقيقة أن معوقات الوحدة أكبر بكثير من إمكانيات اللقاء نتيجة الحروب التاريخية بين شعوب أوروبا والقوميات المتشددة لكل منها، والحذر الشديد تجاه الآخر والخوف منه، وخاصة من سيطرة ألمانيا بما تملك من قوة وإمكانيات حقيقة أكبر من فرنسا، لكنه بقي ينظر إلى سر القوة الفرنسية (القوة النووية وعضوية مجلس الأمن والأرث الإستعماري  )لكن مع كذلك  تبقى هناك  عُقد كبيرة وظلمات بعضها فوق بعض لا تكاد ترى نوراً ولا أملاً لمستقبل موهوم، فضلاً عن وجود عدو داخل أوروبا سعى ولا زال يسعى إلى  الهمينة على أوروبا  وعدم توحدها او سيطرة طرف على آخر بسياسية توازن القوى بينها؛ بحيث لا يسيطر أحدهما على الآخر ولعب بجدارة على اثارة التناقضات بينهما   ،لقد كان ديغول يدرك  هذا الخطر الإنجليزي أكثر من غيره ( العدو داخل البيت ) لذلك وقف ضد وجودها في مشروع الاتحاد  بشدة فضلا عن عدو  مجاور آخر  مبدئي التهم نصفها ولا زال خطراً حقيقياً وآنيا على النصف الآخر  وعدو  حليف، قادها وقاد الحروب على أرضها فاثخنها جراحاً فوق جراحها، فكان مشروع الوحدة أشبه بحلم وردي جميل تكذبه الوقائع وتنكره المكائد وتعطله المؤامرات، لكن ديغول مضى ونصب عينه على العدو داخل البيت؛ ففي السابع والعشرين من نوفمبر عام 1967م وداخل قصر الإليزيه، قال الرئيس الفرنسي شارل ديجول أمام نحو ألف شخص من الدبلوماسيين وكبار رجال الدولة الفرنسية: “إن بريطانيا تملك “كراهية متجذرة” للكيانات الأوروبية”، وحذّر من أن فرض بريطانيا كعضو في السوق الأوروبية المشتركة سوف يؤدي إلى تحطيمه.

ففي عام 1961م تقدمت بريطانيا بطلب الإنضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة، وبعد ذلك بعامين رفض ديجول الموافقة على دخول بريطانيا، حاولت بريطانيا مرة أخرى وأعلن ديجول رفضه لإنضمام بريطانيا في عام 1967م بالرغم من موافقة الدول الأخرى المنضمة للسوق، وبريطانيا لم تكن عضوًا في التجارب الأولى للوحدة الأوروبية، مثل تجربة إنشاء تجمع للحديد والفحم عام 1952م، كما لم توقع على اتفاقية روما عام 1957م والتي ضمت ست دول من أوروبا الغربية وأسست لكيان اقتصادي لا يتم فيه فرض الجمارك على التجارة بين الدول الست.

 رفضت بريطانيا الإنضمام إلى المجموعة الأوروبية للفحم والصلب التي سبقت الاتحاد الأوروبي لدى تأسيسها عام1952م، وقال رئيس الوزراء عن حزب العمال كليمنت أتلي للبرلمان في عام 1950م: “إن حزبه “ليس مستعدا لقبول مبدأ تسليم أكثر قوى الإقتصاد حيوية في هذا البلد إلى سلطة غير ديمقراطية على الإطلاق ولا يسائلها أحد”، لكن رئيس الوزراء هارولد ماكميلان من حزب المحافظين غير هذا الموقف في عام 1961م وحاول الدخول وكانت فرنسا ديغول له بالمرصاد، حيث عطل شارل ديغول انضمامها في عامي1961م و1967م واتهمها “بالعداء المتأصل” للمشروع الأوروبي، ثم انضمت بريطانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية في عام 1973م بعد أن سحبت فرنسا اعتراضها إثر استقالة ديغول عام 196م، وقال رئيس الوزراء البريطاني تيد هيث من حزب المحافظين لدى توقيعه على المعاهدة التي أدخلت بريطانيا السوق المشتركة: “الخيال سيكون مطلوباً لتطوير المؤسسات مع إحترام فردية كل دولة”، ومع دخولها كانت عقبة بحق، ومشكلة كبيرة، فمثلاً يتذكر الجميع لاءات رئيسة وزراء بريطانيا خلال الثمانينيات مارجريت ثاتشر التي لخصت علاقة بريطانيا بأوروبا من خلال قول “لا” ثلاث مرات في جلسة لمجلس العموم عام 1990م، كانت ثاتشر معارضة شرسة لمنح بروكسل حيث مقر المفوضية الأوروبية، أي سلطات مركزية أو تشكيل ما يعرف باسم “الولايات المتحدة الأوروبية”.

وكانت طوال الفترة يظهر على بريطانيا عدم الاندماج مع الإتحاد الأوروبي بل هي تريد أخذ مغانمه وترك مغارمه، فوضعت قدماً في أوروبا وأخرى خارجها مع الولايات المتحدة، وأخذت تلعب كما يقال على الحبلين حتى مجيء ديفيد كاميرون رئيس الوزراء وزعيم حزب المحافظين -الحاكم الحقيقي لبريطانيا – والذي تعهد كاميرون بإجراء استفتاء على “البقاء أو المغادرة” بناء على اتفاق أعيد التفاوض عليه بشأن عضوية الاتحاد في برنامج حزبه لانتخابات عام 2015م، وعلى الرغم من أن أكبر الأحزاب البريطانية دعمت حملة البقاء في الاتحاد، فقد صوت الشعب لصالح المغادرة بنسبة %52 مقابل %48 في يوم 23 يونيو حزيران عام 2016م، واستقال كاميرون في الصباح التالي ليوم الاستفتاء وحلت تيريزا ماي محله، وهنا كانت الصدمة الكبرى والضربة الموجعة والتي لم تكن بالحسبان نهائياً؛ لأن مقصد الإستفتاء لم يكن من أجل تحديد البقاء أو الخروج، وإنما من أجل إبتزاز أوروبا بمزيد من المصالح والغنائم، وهذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها بريطانيا إلى التهديد بالإستفتاء لتحقيق مكاسب من الاتحاد ليست جديدة بل هي منذ السنوات الأولى لدخول بريطانيا في مكونات الاتحاد، فبريطانيا قد أصبحت عضواً في المجموعة الاقتصادية الأوروبية منذ كانون الثاني 1973م، وكان احتفاظها بعملتها “الجنية الاسترليني” وبقاؤها خارج منطقة “الشنغن” شعارين للوضع الخاص الذي ظلت بريطانيا تتمتع به رغم عضويتها في الاتحاد الأوروبي، وكانت تستخدم فكرة “الاستفتاء” على بقائها في الاتحاد كوسيلة لابتزاز الدول الأوروبية، لتحقيق مزيد من الخصوصية لبريطانيا داخل الاتحاد، فقد أجرت استفتاءً سنة 1975م لتحسين شروط بقائها في الاتحاد والذي صوت البريطانيون فيه لصالح البقاء في المجموعة الاقتصادية الأوروبية. وبالتدقيق وأنعام النظر في سياسة حزب المحافظين الحاكم الذي يقوده كاميرون في موضوع الاستفتاء المذكور يدل على أن كاميرون كان يتوقع أن تكون النتائج غير حاسمة كأن تكون متساوية فتكون بين أخذ ورد لتكون مجالاً للإعادة أو تتخذ هذه النتائج غير الحاسمة مجالاً للتفاوض من جديد مع الاتحاد، ولهذا كان حزب المحافظين نفسه يدير حملة البقاء في الاتحاد وحملة الخروج منه. ولم تكن أي من الحملتين جادة فعلاً في البقاء أو الخروج بقدر ما كانتا جادتين في أن يكون الاستفتاء طريقاً إلى تحقيق تنازلات إضافية من الاتحاد، ويُرجِّح ذلك أن كاميرون ورغم دعمه الإتفاق إلا أنه أبقى على عدم إلزام حزبه بدعمه فلو كان جاداً في البقاء لطلب من حزبه أن يدعمه فيصوت للبقاء، ولكانت النتيجة تكون لصالح البقاء بقوة، ولكنه تركه ينقسم على نفسه في التصويت، لأن المقصود ليس حصول أغلبية للخروج أو البقاء بقدر ما هو من أجل تحقيق المكاسب، ولكن نتيجة الإستفتاء كانت صدمة كبيرة جداً، ووضعت بريطانيا في مأزق كبير جداً، فلا هي تستطيع البقاء بعد الإستفتاء ولا هي قادرة على تحمل نتيجة الإستفتاء سياسياً وإقتصادياً على النحو التالي:-

اقتصادياً: على سبيل المثال؛ فقد اهتزت الثقة ببريطانيا وباقتصادها بعد دقائق من إعلان النتيجة، حيث هوت قيمة الإسترليني أمام الدولار %10 وأمام اليورو %7، وقد وقعت هزات في الأسواق المالية الأوروبية والآسيوية، حيث ذكرت رويتر أن: “نتيجة الاستفتاء قادت لمحو ثلاثة ترليونات دولار من قيمة الأسهم العالمية وما زالت التداولات تتسم بالتقلب حتى مع تعهد واضعي السياسات بحماية اقتصاداتهم”، فدفعت بريطانيا محافظ بنك إنجلترا المركزي ليقوم بتهدئة الوضع بالقول: “بوجود سيولة كافية بقيمة 250 مليار جنيه إسترليني، وإنه لن يتردد في اتخاذ إجراءات استثنائية قصوى”، وقد خفضت الوكالات العالمية للتصنيف الائتماني “ستاندرز آند بورز” و “موديز” و “فيتش” تصنيف الدين البريطاني فنشرت بيانات ورد فيها: “إن درجة الدين البريطاني خفضت من “ايه ايه ايه” وهي الأفضل إلى درجة “ايه ايه”، أي خفضت إلى درجتين وهذه أول مرة تحدث لبريطانيا، وأشارت هذه الوكالات إلى أن “عدم اليقين الذي سيلي نتيجة الاستفتاء سيؤدي إلى تباطؤ كبير في الأمد القصير.

 أما سياسياً: فقد أحدث استفتاء بريطانيا أثراً بالغاً في تماسك شعوب بريطانيا نفسها، فقد صوت شعب اسكتلندا بشكل حاسم للبقاء في الاتحاد الأوروبي وكذلك أيرلندا الشمالية، والآن تطالب هذه الشعوب باستفتاء حول بقائها في بريطانيا؛ أي أن وحدة بريطانيا نفسها قد صارت محل شك وهذا لم تخطط له بريطانيا، فقد كان من أبرز إنجازات كاميرون الداخلية نجاحه في منع خروج اسكتلندا عن بريطانيا في استفتاء 2014م، وظنت بريطانيا أن موضوع اسكتلندا قد أقفل لفترة طويلة، لكنه وبعد استفتاء بريطانيا 23/6/2016م قد عاد إلى الواجهة بشكل قوي، فرئيسة وزراء اسكتلندا ستروجون قد صرحت وفَور بُروز نتيجة الاستفتاء بأن الظروف قد تغيرت بعد استفتاء 2014م عندما صوت الاسكتلنديون لصالح البقاء في بريطانيا، وأن اسكتلندا ستبادر بمفاوضة الاتحاد الأوروبي بشأن بقائها داخل الاتحاد، وهذا يصعب تحقيقه دون أن تستقل عن بريطانيا. فقد أعلنت نيكولا سترجون رئيسة الوزراء الأسكتلندية الأحد أن “المملكة المتحدة التي صوتت اسكتلندا في 2014م للبقاء فيها لم تعد موجودة”، مشيرة إلى أن من “المرجح جداً” إجراء استفتاء جديد بعدما صوت البريطانيون للخروج من الاتحاد الأوروبي”. أما أيرلندا الشمالية وهي الخاصرة الأكثر ضعفاً لبريطانيا فقد دعا حزب الشين فين الذي يعتبر بمثابة الواجهة السياسية للجيش الجمهوري الأيرلندي صباح الجمعة إلى استفتاء حول أيرلندا موحدة، وجاءت هذه الدعوة بعد تصويت البريطانيين للخروج من الاتحاد الأوروبي وفق النتائج النهائية، وأكد الحزب الجمهوري أن الاستفتاء حول الاتحاد الأوروبي: “له عواقب هائلة على طبيعة الدولة البريطانية”، وهكذا فإن استفتاء بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي قد جعل تفكك بريطانيا حديث السياسيين من جديد في أيرلندا الشمالية وكذلك في اسكتلندا.

وحتى يتكمل البحث لا بد من بحث بعض النقاط منها: هل تدرك أوروبا بعد هذه الممارسات التي أظهرت حقيقة الموقف البريطاني ما كان يدركه ديغول خاصة مع دخول العدو  الحليف على الأمر بجدية كبيرة ضد الاتحاد  وهي سياسية أمريكا تجاه الإتحاد الأوروبي، والذي يرى فيه  قوة وخطراعليها في حال استكمل البناء ؟ وهذا واضح جداً في تعامل إدارة ترامب مع الاتحاد برفضه وأعتباره عدوا لأمريكا .

ويبدو أن الاتحاد الأوروبي أصبح يدرك ألاعيب بريطانيا، فهي تريد إبرام اتفاق غير رسمي لحماية مصالحها على أساس النموذج النرويجي والسويدي قبل اللجوء إلى العمل بالمادة (50) من معاهدة لشبونة لبدء إجراءات الانفصال، ويدرك الإتحاد الأوروبي الدهاء البريطاني؛ فلم يرفض هذه الفكرة فحسب، بل وحظر أيضًا أية محادثات سرية بين أي من الدول الأعضاء ال 27 وبريطانيا، فقال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر: “دعوني أكون واضحًا جدًا، لا يمكن إجراء محاولات سرية مع الحكومة البريطانية”، وقد جعل الأمر واضحًا جدًا لجميع موظفي المفوضية واللجان، فقال: “لا يُسمح بعقد مفاوضات سرية، لا يُسمح بعقد مفاوضات سرية”.

واجتمع البرلمان الأوروبي يوم 28/6/2016م لتستمر جلساته على مدى يومين، فكان من أولى طلباته أن تقوم بريطانيا بتفعيل آلية انسحابها من الاتحاد الأوروبي فوراً وفق معاهدة لشبونة لتجنب أي شك قد يكون مسيئً ولحماية وحدة الاتحاد كما ذكر، وقال جان كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية أمام البرلمان الأوروبي: “لا يمكننا البقاء في الغموض لفترة طويلة، أريد أن توضح المملكة المتحدة موقفها فوراً وليس غداً ولا بعد غد”، واستبعد أي مفاوضات سرية حول شروط خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو أن تحدد لندن الجدول الزمني لها قائلا: “نحن من يقرر جدول الأعمال وليس من يريد الخروج من الاتحاد الأوروبي، فمثلا  قالت المستشارة الألمانية آنجيلا ميركل، إنه لا إمكانية لإعادة التفاوض بشأن اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) وأضافت ميركل في تصريحات صحفية من بروكسل  في ختام قمة أوروبية استغرقت يومين: “نؤكد أن موقف الدول الأعضاء الـ 27 بالاتحاد الأوروبي، هو أن اتفاق انسحاب بريطانيا غير قابل لإعادة التفاوض”، وقال ماكرون خلال مؤتمر صحفي في بروكسل: “هناك اتفاق واحد، ولا يمكننا إعادة التفاوض عليه”.وأكد أن “الوقت حان ليقرر البرلمان البريطاني ما إذا كان سيقبله أو يرفضه”.

أما مسألة أمريكا ومواقفها من الاتحاد الأوروبي؛ فإن أمريكا كانت مهتمة ببقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي لإضعافه ولتبقى داخله بؤرة توتر، وهذا العامل الخارجي كان واضحا فترة أوباما الذي زار لندن وحث البريطانيين على التصويت لصالح البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي؛ لأن أمريكا كانت راغبة ببقاء بريطانيا في الاتحاد حتى يبقى اتحاداً هشاً، فأمريكا تدرك أن بريطانيا لا تعمل لصالح الاتحاد ولا للوحدة الأوروبية، وهي تعرقل ذلك وتشوش على كثير من القرارات ولا تفكر إلا في مصلحتها، فهي معول هدم، وبذلك تلتقي نظرة ديغول وأمريكا إلى حقيقة الموقف الإنجليزي، وكل ذلك يصب في مصلحة أمريكا التي لا تريد أن ترى أوروبا موحدة قوية تتحداها أو تنافسها في الساحة العالمية اقتصادياً أو سياسياً، وإذا نتج عن خروج بريطانيا تفكك الاتحاد فذلك في صالح أمريكا، ولذلك فبعدما ظهرت النتيجة بالخروج أرسل أوباما وزير خارجيته جون كيري إلى أوروبا للتوسط بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وليخفف من ردات الفعل الأوروبية تجاه بريطانيا، وعندما وصل كيري بروكسل قال: “إنه أمر أساسي أن نبقى مركزين في هذه المرحلة الانتقالية حتى لا يفقد أحد صوابه ويتحرك بلا تفكير”، وبعد اجتماعه مع كاميرون في لندن صرح كيري قائلا: “إن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ربما لا يتحقق أبداً، وإن لندن ليست في عجلة من أمرها لذلك”، ولدى سؤاله حول ما إذا كان بالإمكان التراجع عن قرار الخروج وكيفية القيام بذلك أجاب كيري: “أعتقد أن هناك طرقاً عدة”.

ويبدو أن إدارة ترامب حالياً اقتنعت بأن خروج بريطانيا من الاتحاد سيجعل الاتحاد يتفتت ويتعمق بتفتته، خاصة في ظل صعود اليمين المتطرف والذي يعادي المؤسسات الاوروبية، وهذا واضح في ايطاليا مثلاً بشكل كبير، وتتجلى هنا محاولة ترامبية لهدم الاتحاد الأوروبي عندما ألقى سهامه بقوة ضد الإتحاد ورفضه التعامل معه كوحدة واحدة  بل كدول متفرقة، ودعم ترامب  خروج بريطانيا  من الاتحاد الأوروبي، وتوجيه البريطانيين إلى أسواق أخرى غير الأوروبية، وأكد أنه بمجرد انفصالها  عن الاتحاد الأوروبي بشكل كامل سوف يفتح مجالاً واسعًا للتجارة مع بريطانيا ولكنها تدرك  خطورة الإذعان  لأمريكا وعدم وفائها بالتزاماتها وتدرك  خطورة الإنسحاب وأثره لذا عملت ولا زالت على محاولة  ابتزاز الاتحاد لمصلحتها وتدرك أنه مصدر  قوة لها وتنظر بعين الشك لوعود ترامب بعد رفضه  استخدام بريطانيا بدلا  من روسيا  في تحقيق مصالح أمريكا لعدم ثقة الأمريكان بها وحقيقة الصراع بينهما  سواء أكان الصراع ظاهرا أم  خفيا .

،،وأخيراً إن الاتحاد الأوروبي يمكنه جعل بريطانيا تذوق وبال أمرها إذا بقي مُصراً على مشروع البريكست الأول دون تعديل أيٍّ من بنوده، فإما أن تقبله بريطانيا وتنفذه أو تخرج من الاتحاد؛ فهو إن فعل ذلك تكون بريطانيا قد وقعت في شرّ أعمالها، أما إن قبلت تعديلات بريطانيا فستركب بريطانيا ظهره دون أن تنزل عنه حتى توقعه هو في شرِّ غفلته!،،

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here